في الاعتراض على مراعاة المقاصد الشَّرعيَّةِ للهجرِ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 21 شوال 1443 هـ الموافق لـ 22 مايو 2022 م

قولكم في الكلمة رقم: (٧٨) الموسومة ﺑ: «ضوابط الهجر الشرعي» في الضابط الرابع: «أَنْ يُراعِيَ المقاصدَ الشرعيَّة مِنَ المصالح والمفاسد المترتِّبة على الهجر، مع الأخذ بعين الاعتبار تحقيقَ أكملِ المصلحتين...  للمزيد

الفتوى رقم: ١٢٨٧

الصنف: فتاوى منهجية

في الاعتراض على مراعاة المقاصد الشَّرعيَّةِ للهجرِ

نص الاعتراض:

قولكم في الكلمة رقم: (٧٨) الموسومة ﺑ: «ضوابط الهجر الشرعي» في الضابط الرابع: «أَنْ يُراعِيَ المقاصدَ الشرعيَّة مِنَ المصالح والمفاسد المترتِّبة على الهجر، مع الأخذ بعين الاعتبار تحقيقَ أكملِ المصلحتين ودرءَ أعظمِ المفسدتين، وذلك بمُراعاةِ قواعد الترجيح حالَ التعارض بين المصالح والمفاسد، سواءٌ في الأمكنة التي ظهرَتْ فيها البدعةُ كثرةً وقلَّةً، وحالِ الهاجر والمهجور قوَّةً وضعفًا، فالمكانُ الذي انتشرت فيه البدعةُ تكون القوَّةُ والغلبةُ فيه لأهل البِدَع، فلا يرتدع المُبتدِع بالهجر، ولا يحصل المقصود الشرعيُّ للهجر، بل يُخشى زيادةُ الشرِّ وتفاقُمُه، فلا يُشرَع ـ حينئذٍ ـ الهجرُ لرجحانيَّة المفسدة على مصلحة الهجر، وكان التأليفُ أنْفَعَ وأليقَ بمقاصد الشريعة(١)».

وقولكم في الخاتمة: «فإذا تقرَّر أنَّ المقصود الشرعيَّ للهجر يندرج تحت مبدإ «الولاء والبراء» ويَجري عقوبةً لزجرِ المبتدع وتأديبِه وتقويمِ انحرافه عن سواء السبيل وتطويقِ بدعته وضلالته، لئلَّا تؤثِّرَ سلبًا على كيان المجتمع المسلم أو تهدِّدَ تماسُكَه بسبب فُشُوِّ بدعته وانتشارها..».

في هذا الكلامِ حصرٌ للهجر فيما هو راجعٌ إلى مصلحة المهجور بالردع والزجر عن بدعته وإلغاءٌ للمَقصِد الأهمِّ والذي يرجع إلى مصلحة الهاجر بوقايته مِنْ أهل البِدَع وفتنتِهم وشُبُهاتِهم، ووقايةِ الأمَّةِ مِنْ أهل الباطل، والحفاظِ على دِين الناس.

وهذا التأصيل يخدم أهلَ البِدَع ويقوِّي شوكتَهم، ويُصيِّر أهلَ الحقِّ صيدًا سهلًا للمُبتدِعة جرَّاء ما يحصل مِنَ الشرِّ بمُخالَطتِهم، وفي أدلَّةِ الكتاب والسُّنَّة وأقوالِ الأئمَّة ما يكفي لبيانِ بطلان هذا التأصيل، وذلك لأنَّ المتقرِّرَ عند السلفِ أنَّ المصلحةَ إنما هي في هجرِ أهل البِدَع وقايةً للهاجر، وهي أَوْلى بالاعتبار والتقديم مِنْ مصلحة المهجور.

وقولكم ضِمنَ ضوابطِ الهجر الشرعيِّ: «أَنْ يُراعيَ المقاصدَ الشرعيَّة مِنَ المصالح والمفاسد المترتِّبة على الهجر، مع الأخذ بعين الاعتبار تحقيقَ أكملِ المصلحتين ودرءَ أعظمِ المفسدتين، وذلك بمراعاة قواعد الترجيح حالَ التعارض بين المصالح والمفاسد، سواءٌ في الأمكنة التي ظهرَتْ فيها البدعةُ كثرةً وقلَّةً، وحالِ الهاجر والمهجور قوَّةً وضعفًا».

هذا مسلكٌ باطلٌ، فإنَّ الواجبَ التمسُّكُ بالسُّنَّةِ والتحذيرُ مِنْ أهل الباطل ومُبايَنتُهم بحسَبِ الإمكان؛ قال الشاطبيُّ ـ رحمه الله ـ: «مطالبةُ المخالف بالموافقة جارٍ مع الأزمان، لا يختصُّ بزمانٍ دون زمانٍ؛ فمَنْ وافق فهو عند المُطالِبِ المُصيبُ على أيِّ حالٍ كان، ومَنْ خالف فهو المخطئُ المُصابُ، ومَنْ وافق فهو المحمودُ السعيد، ومَنْ خالف فهو المذمومُ المطرود، ومَنْ وافق فقَدْ سلَكَ سبيلَ الهداية، ومَنْ خالف فقَدْ تاهَ في طُرُق الضلالة والغواية»(٢).

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعلَمْ ـ أرشدني اللهُ وإيَّاك ـ أنَّه ليس في كلامي ـ ألبتَّةَ ـ إلغاءٌ للهجر الوقائيِّ حيث جاءت إشارةٌ إليه في الكلام المنقولِ الأوَّل في قولي: «وحالِ الهاجر والمهجور قوَّةً وضعفًا»؛ وبعد الكلامِ المنقولِ مباشرةً جاء قولي: «ما لم يَخَفِ استطارةَ شرِّه بما يُفسِد عليه دِينَه أو دُنْياه، فحالتَئذٍ يَقِي نفْسَه وغيرَه مِنْ إذايته بالهجر الوقائيِّ المانع».

وأمَّا في المنقول الثَّاني فقد جاء قولي: «.. لئلَّا تؤثِّرَ سلبًا على كيان المجتمع المسلم أو تهدِّدَ تماسُكَه»؛ ولا يخفى أنَّ ذلك يحصل بوقاية الفرد والجماعة مِنَ البدعة أو المعصية.

كما أنِّي نَقَلْتُ نقلين عن ابنِ تيميَّة ـ رحمه الله ـ في تأكيد اختلافِ حكم الهجرِ باختلاف الأحوال الذي قرَّرْتُه وأَنكرَه المُعترِضُ؛ وسيأتي هنا نُقولٌ أَوْسَعُ بأَوْفى منهما وأدلَّ على المقصود وأَبْيَنَ لتوجيهِه.

فالهجرُ التَّأديبيُّ ـ كما تمَّ تقريرُه ـ مشروعٌ على مَنْ أَظهرَ المُنكَراتِ والحوادِثَ، وهذا يختلِفُ باختلافِ الأمكِنةِ الَّتي ظهرتْ فيها البِدَعُ والمُنكَراتُ، ويختلِفُ باختلافِ حالِ المُبتدِعِ ككونه مِنَ الأئمَّةِ المُطاعِينَ أو مِنْ غيرِهم، وبحالِ الهاجرِينَ قوَّةً وضعفًا، ويُنظَر فيهِ إلى المصلَحَةِ الشرعيَّة الرَّاجحةِ المتمثِّلةِ في تحقُّقِ ارتداعِ المُبتدِعِ وغيرِه بالهجرِ عن البِدعةِ، ووقايةِ الهاجرِ وغيرِه منها، وتقليلِ الشَّرِّ وتضيِيقِ مجراه، فإِنْ تَحقَّقَ مقصودُهُ غلَّبَ أَمْرَ الهجرِ في ردعِ المهجورِ وزجرِهِ وتأديبِهِ ورجوعِ المتأثِّرينَ بمِثلِ حالِهِ مِنْ عامَّةِ النَّاسِ.

وأمَّا إِنْ كانت مفسدَةُ الهجرِ راجحةً ولا تَزيدُ الشَّرَّ إلَّا اتِّساعًا ولا البدعةَ إلَّا انتشارًا، ويبعُدُ معها حصولُ المقصودِ مِنْ زجرِ المهجورِ وتأديبِهِ، كانَ التَّأليفُ أَوْلى مَقامًا وأنفعَ مصلحَةً مِنَ الهجرِ، على نحوِ ما جاءَ في المقاصِدِ المذكورَةِ مِنْ رسالتي: «ضوابطُ هجرِ المُبتدعِ»، ولا بُدَّ مِنْ مراعاةِ هذه المقاصِدِ لئلَّا يُفضِيَ الأمرُ إلى حظوظِ النَّفسِ والانتصارِ لها أو تركِها تسرح في أعراضِ الناسِ على هواهَا، أو تميِّع الثوابتَ وتُداهِنُ دون خِطامٍ ولا زِمامٍ، أو تَكيلُ بمِكيالَيْن مكيالٍ للموافق ومكيالٍ للمخالف.

وهذا الأصلُ المقرَّرُ معهودٌ مِنْ سيرةِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وفعلِه، حيث كانَ يتألَّفُ قومًا كالمؤلَّفةِ قلوبُهم، وهُم مِنْ ساداتِ العربِ المُطاعِينَ، كان يتألَّفُهم بمُقارَبتِهم وإعطائِهم مِنَ الصَّدَقاتِ لِيَحسُنَ إسلامُهم وليُرغِّبوا مَنْ وراءَهم في الإسلامِ، لأنَّ المصلحةَ الرَّاجحةَ داعيةٌ إلى صِلَتِهم وتأليفِهم، كما تكونُ ـ أيضًا ـ في اتِّقاءِ الشرِّ المترتِّب عن عدمِ تألفُّهم كما تَرَك النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قَتْلَ عبدِ الله بنِ أُبَيٍّ ابنِ سلولَ وغيرِه مع أنَّه آذى النَّبيَّ في أهله وعِرضه، مخافةَ أَنْ تغضبَ له آنُفٌ أو يتحدَّثَ النَّاسُ أَنْ محمَّدًا يقتل أصحابَه، وفي حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «ائْذَنُوا لَهُ، بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ، أَوِ ابْنُ العَشِيرَةِ»، فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الكَلَامَ، قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الكَلاَمَ؟» قَالَ: «أَيْ عَائِشَةُ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ، أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ، اتِّقَاءَ فُحْشِهِ»(٣)، وكان صلَّى الله عليه وسلَّمَ يهجرُ آخَرِينَ مِثلَ الثَّلاثةِ الَّذين تخلَّفوا في غزوةِ تبوكَ مع أنَّهم صَدَقوه وكانوا أحسنَ رُتبَةً مِنْ كثيرٍ مِنَ المُؤلَّفةِ قلوبُهم، لأنَّ المصلحَةَ الرَّاجحَةَ دافعةٌ إلى هجرِهم وتطهيرِهم مِنْ ذُنوبِهم؛ ومَرْجُوٌّ تحقُّقُها مِنْ جرَّاءِ هجرِهم، فأَرجأَ أَمْرَهم إلى الله حتَّى أَنزلَ توبتَهم.

وقَدْ سَار ـ على هذا الأصلِ ـ الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ مِنْ أئِمَّةِ السَّلفِ في التَّفريقِ بيْنَ الأماكِنِ التي تنتشِرُ فيها البِدَعُ كالقَدَرِ في البَصرةِ، والتَّنجيمِ في خراسان، والتَّشيُّعِ في الكوفةِ، وبيْنَ الأماكِنِ التي تَقِلُّ فيها البِدَعُ والحوادث والغلبةُ فيها لأهل السُّنَّة ونحوُ ذلك، وفي الحقيقةِ فإنَّ ابنَ تيميَّةَ ـ رحمه الله ـ قد أجلى هذه المَقاصِدَ الَّتي تُراعى في الهجر التأديبيِّ وأكَّدها، لذلك رأيتُ لزامًا ـ في هذا الموقفِ ـ أَنْ أنقلَ مَقاطِعَ مِنْ نصِّهِ ردًّا على المُعترضِ فقَدْ أغنانا كلامُه عن تكلُّفِ تحريرِ جوابِه، حيثُ قال ـ رحمه الله ـ: «النَّوعُ الثاني: الهجرُ على وجهِ التأديبِ وهو هجرُ مَنْ يُظهِرُ المُنكَراتِ، يُهجَرُ حتَّى يتوبَ منها كما هَجَرَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم والمسلمون: الثَّلاثةَ الَّذين خُلِّفوا حتَّى أَنْزَلَ اللهُ توبتَهم حين ظَهَرَ منهم تركُ الجهادِ المُتعيِّنِ عليهم بغيرِ عُذرٍ، ولم يهجر مَنْ أَظْهَرَ الخيرَ وإِنْ كان منافقًا، فهُنا الهجرُ هو بمَنزِلةِ التَّعزير»(٤)، وقال رحمه اللهُ ـ أيضًا ـ: «وهذا الهجرُ يَختلِفُ بِاخْتلافِ الهاجرين في قُوَّتِهم وضعفِهم وقِلَّتِهم وكثرَتِهم، فإنَّ المقصودَ به: زجرُ المهجورِ وتأديبُه ورُجوعُ العامَّةِ عن مِثْلِ حالِه، فإِنْ كانَتْ المَصْلَحَةُ في ذلك راجحةً بحيثُ يُفْضِي هجرُه إلى ضعفِ الشَّرِّ وخِفْيَتِه كان مشروعًا، وإِنْ كان لا المهجورُ ولا غيرُه يَرتدِعُ بذلك بل يَزيدُ الشَّرُّ، والهاجرُ ضعيفٌ بحيثُ يكون مَفْسدةُ ذلك راجحةً على مَصْلَحَتِه: لم يُشْرَعِ الهجرُ، بل يكونُ التَّأليفُ لبعضِ النَّاسِ أَنْفَعَ مِنَ الهجرِ، والهجرُ لِبعضِ النَّاسِ أَنْفَعَ مِنَ التَّأليفِ؛ ولهذا كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يتألَّفُ قومًا ويهجر آخَرِينَ، كما أنَّ الثَّلاثةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا كانوا خَيْرًا مِنْ أَكْثَرِ المُؤلَّفةِ قلوبُهم لَمَّا كان أُولئِك كانوا سادَةً مُطاعِينَ في عشائرِهم، فكانَتِ المَصْلحةُ الدِّينيَّةُ في تأليفِ قلوبِهم، وهؤلاءِ كانوا مؤمنين والمؤمنون سِواهُم كثيرٌ، فكان في هجرِهم عِزُّ الدِّينِ وتطهيرُهم مِنْ ذُنوبِهم، وهذا كما أنَّ المشروعَ في العَدُوِّ القتالُ تارةً والمُهادَنةُ تارَةً وأَخْذُ الجِزيةِ تارَةً، كُلُّ ذَلِكَ بِحَسَبِ الأحوالِ والمَصالِحِ؛ وجوابُ الأئمَّةِ كأحمدَ وغيرِه في هذا البابِ مبنيٌّ على هذا الأصلِ؛ ولهذا كان يُفرِّقُ بين الأماكنِ الَّتي كَثُرَتْ فيها البِدَعُ كما كَثُرَ القَدَرُ في البصرةِ والتَّنجيمُ بِخُراسانَ والتَّشيُّعُ بالكُوفةِ، وبين ما ليس كذلك، ويُفرِّقُ بين الأئِمَّةِ المُطاعِينَ وغيرِهم، وإذا عُرِفَ مقصودُ الشريعةِ سُلِكَ في حصولِه أَوْصَلُ الطُّرُقِ إليه»(٥)، ثُمَّ قالَ ـ رحمه اللهُ ـ في موضعٍ آخَرَ: «وما أمَرَ به مِنْ هجرِ التَّركِ والانتِهاءِ وهجرِ العقوبةِ والتَّعزيرِ إنَّما هو إذَا لم يكنْ فيهِ مصلَحَةٌ دِينِيَّةٌ راجِحةٌ على فعلِه، وإلَّا فإذَا كانَ في السَّيِّئةِ حسَنةٌ راجِحةٌ لم تكنْ سيِّئةً، وإذا كان في العُقوبةِ مفسدَةٌ راجِحةٌ على الجَريمةِ لم تكنْ حسَنَةً، بل تكونُ سيِّئةً؛ وإنْ كانت مُكافِئةً لم تكنْ حسنَةً ولا سيِّئةً، فالهِجرانُ قد يكونُ مقصودُه تَرْكَ سيِّئةِ البِدعةِ الَّتي هي ظلمٌ وذنبٌ وإثمٌ وفسادٌ، وقد يكون مقصودُه فِعلَ حسنةِ الجهادِ والنَّهيِ عنِ المُنكَرِ، وعقوبَةَ الظَّالمينَ ليَنزجرُوا ويرتدِعُوا، وليَقوَى الإيمانُ والعملُ الصَّالحُ عند أهلِه، فإنَّ عقوبةَ الظَّالمِ تَمنعُ النُّفوسَ عن ظُلمِه وتحضُّها على فعلِ ضِدِّ ظُلمِه: مِنَ الإيمانِ والسُّنَّةِ ونحوِ ذلك؛ فإذَا لم يكنْ في هِجرِانِه انزِجارُ أحَدٍ ولا انتهاءُ أحَدٍ، بل بُطلانُ كثيرٍ مِنَ الحسناتِ المأمورِ بها، لم تكُنْ هِجرةً مَأمورًا بها، كما ذَكَره أحمدُ عن أهلِ خراسانَ إذْ ذاكَ: أنَّهم لم يكونُوا يقوَوْنَ بالجهميَّةِ، فإذَا عَجَزُوا عن إظهارِ العداوَةِ لهم سَقَطَ الأمرُ بفعلِ هذه الحسنةِ، وكان مُداراتُهم فيه دفع الضَّررِ عن المؤمنِ الضَّعِيف، ولعلَّهُ أَنْ يكونَ فيهِ تأليفُ الفاجرِ القويِّ؛ وكذلك لمَّا كَثُرَ القَدَرُ في أهل البَصرةِ فلو تُرِكَ روايةُ الحديثِ عنهم لَانْدَرَس العِلمُ والسُّنَنُ والآثارُ المحفوظَةُ فيهم، فإذَا تَعذَّرَ إقامةُ الواجباتِ مِنَ العلمِ والجهادِ وغيرِ ذلكَ إلَّا بِمَنْ فيه بدعةٌ مَضَرَّتُها دون مَضَرَّةِ تركِ ذلك الوَاجبِ: كان تحصيلُ مصلحَةِ الواجبِ مع مفسدةٍ مرجوحةٍ معه خيرًا مِنَ العكسِ، ولهذا كان الكلامُ في هذه المسائلِ فيه تفصيلٌ.

وكثيرٌ مِنْ أجوبةِ الإمامِ أحمدَ وغيرِه مِنَ الأئمَّةِ خرَجَ على سؤالِ سائلٍ قد عَلِمَ المَسئُولُ حالَه أو خرَجَ خطابًا لمعيَّنٍ قد عَلِمَ حالَه، فيكونُ بمنزلةِ قضايَا الأعيانِ الصَّادرةِ عنِ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم، إنَّما يَثبُتُ حُكمُها في نظيرِها؛ فإنَّ أقوامًا جعلُوا ذلك عامًّا فاستعملُوا مِنَ الهجرِ والإنكارِ ما لم يُؤمَرُوا به فلا يجبُ ولا يُستحَبُّ، ورُبَّما تركُوا به واجباتٍ أو مُستحَبَّاتٍ وفعلُوا به محرَّماتٍ، وآخَرونَ أعرضُوا عن ذلك بالكُلِّيَّةِ فلم يَهجُرُوا ما أُمِرُوا بهَجرهِ مِنَ السَّيِّئاتِ البِدعيَّةِ، بل تَرَكُوها تَرْكَ المُعرِضِ لا تَرْكَ المُنتهِي الكارِهِ أو وقَعُوا فيها، وقد يتركونَها تَرْكَ المُنتهي الكارِه ولا ينهَوْنَ عنها غيرَهم، ولا يُعاقِبُونَ بالهِجرةِ ونحوِها مَنْ يَستحِقُّ العقوبَةَ عليها، فيكونونَ قد ضيَّعُوا مِنَ النَّهيِ عِن المُنكَرِ ما أُمِروا به إيجابًا أو استِحبابًا؛ فهُمْ بيْنَ فِعلِ المُنكَرِ أو تركِ النَّهيِ عنه، وذلكَ فِعلُ ما نُهُوا عنه وتركُ مَا أُمِروا به؛ فهذا هذا، ودِينُ اللهِ وَسَطٌ بَيْنَ الغَالِي فيهِ والجَافِي عنه»(٦).

وأمَّا الاستشهادُ بكلامِ الشَّاطبيِّ فلا يُساعِدُ المعترضَ لأنَّه خارجٌ عن الموضوعِ تمامًا، ذلك لأنَّ مرادَه بيانُ حالِ صاحِبِ المُخالَفَةِ الَّذي مِنْ شأْنه أَنْ يَدعوَ غيرَه إليها، ويحضَّ سِواهُ عَلى موافقتِه في المُخالفةِ الَّتي هو واقعٌ فيها، فمطالبةُ المخالفِ بالموافقة لا ينحصِرُ ـ طبعًا ـ في زَمانٍ دُونَ آخَرَ، بل هي عامَّةٌ في الأزمانِ وجارِيةٌ في الأَعصارِ، لأنَّ التَّأسِّيَ فِي الأفعالِ والمَذاهِبِ مطلوبٌ في الجِبِلَّةِ، ولذلك قال الشاطبيُّ ـ رحمه الله ـ: «فَمَن وافَقَ فَهُوَ عِنْدَ المُطالِبِ المُصيبُ عَلى أيِّ حالٍ كانَ، ومَنْ خالَفَ فهو المخطئ المُصابُ، ومَنْ وافَقَ فَهُوَ المَحْمُودُ السَّعِيدُ، ومَنْ خالَفَ فَهُوَ المَذْمُومُ المَطْرُودُ، ومَنْ وافَقَ فَقَدْ سَلَكَ سَبِيلَ الهِدايَةِ، ومَنْ خالَفَ فَقَدْ تاهَ في طُرُقِ الضَّلالةِ والغِوايةِ»(٧)؛ ذلك لأنَّ المخالفةَ وقعت بسببِ المخالفِ، وتحصلُ المُؤالَفَةُ معه مِنَ الموافقِ المُستجيبِ إلى ما دَعَاه إليه المخالفُ من الباطل، فإذا تعدَّدتِ المخالفاتُ والدَّعوةُ إليها والموافقة عليها كان ذلك سببًا قاطعًا في نشوءِ العداوةِ والبغضاءِ بين المختلفين ودوامها. ولا تعود الأُلفةُ الحقيقيَّةُ المطلوبةُ شرعًا إلَّا بمُوافَقةِ السُّنَّة والرجوعِ عن المخالفةِ.

هذا، وبعدَ توضيحِ فسادِ الاستشهادِ بما نُقِل عن الشَّاطبيِّ رحمه الله، فضلًا عمَّا أَدلَيْتُ به وأَورَدْتُه مِنَ النُّقولاتِ السَّلفيَّةِ عن شيخ الإسلام ابنِ تيميَّة ـ رحمه الله ـ فنصيحتي للمُعترِض وغيرِه ـ إذا أَشكلَ عليهم شيءٌ مِنْ كلامي أو كلامِ غيري مِنْ طلبةِ العلمِ أو لم تَهضِمهُ أفهامُهم ـ أَنْ يجرِّدوا نِيَّاتِهم لله، وأَنْ لا يَعْجَلوا بالإنكار بالأحكامِ المُسبقة دون تكريرِ النَّظر وتقليبِه والبحثِ في مَظَانِّه مِنَ المصادرِ والمراجعِ، والسُّؤالِ لمَنْ هو أعلمُ منهم، أو الاستفهامِ مِنْ صاحبِ الكلامِ الذي أَشكلَ عليهم، لكِنْ يكون ذلك كُلُّه على سبيلِ المباحثةِ والمراجعةِ مِنْ باب التَّبيُّن والتثبُّت وطلبِ الحقِّ بدليله، لا سبيلِ الحطِّ مِنْ مقداره والإزراءِ به وطلبِ إفحامِه انتصارًا للنَّفسِ أو للمتبوعِ، وذلك خشيةَ أَنْ يُكذِّبوا بما لم يُحِيطوا بعِلمِه ولمَّا يأتِهم تأويلُه، أو يعجِّلوا بالإنكارِ قبلَ الاستيضاحِ والاستفسارِ، أو يُسقِطوا الأحكامَ الجائرةَ إمَّا بالتخطئة العشوائيَّة دون أدبٍ لائقٍ ولا إقامةِ بيِّنةٍ صحيحةٍ في أهونِ الأحوال، وإمَّا بالقدحِ في المتكلِّم أو في كلامه بالجهل المركَّب بزعمِ أنَّه تأصيلٌ يخدمُ أهلَ البِدَع، فيُصدمُوا بعد انكشافِ الحقائقِ،  وكم مِنْ أمرٍ يستنكرُه الرَّجلُ أو يَستهجِنُه، فإذا قلَّب فيه النَّظرَ واستعانَ بمَشورةٍ تَبيَّنَ له أنَّه أَجدَرُ بالحقِّ وأَوْلى بالصَّوابِ؛ فعلى المرءِ أَنْ يَعرفَ قدرَه ويَتَّهِمَ قُصورَه وكما قِيلَ: رَحِم اللهُ عبدًا عرَفَ قَدْرَ نفسِه، فرُبَّ عَجَلةٍ بالردِّ أَورثَتْ حرمانًا مِنَ الخيرِ؛ وللهِ دَرُّ ابنِ القيِّم ـ رحمه الله ـ إذ قال:

إنَّ البِدارَ بِرَدِّ أمرٍ لم تُحِطْ    ***    علمًا به سببٌ إلى الحرمانِ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسلِيمًا.

الجزائر في: ٢٧ شعبان ١٤٤٣هـ
الموافق ﻟ: ٣٠ مارس ٢٠٢٢م



(١) انظر: «المجموع الثمين مِنْ فتاوى الشيخ ابنِ العثيمين» (١/ ٣١، ٣٢).

(٢) «الاعتصام» للشاطبي (٨٨).

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأدب» باب: «لم يكنِ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاحشًا ولا متفحِّشًا» (٦٠٣٢)، وبابُ ما يجوز مِنِ اغتيابِ أهل الفساد والرِّيَب (٦٠٥٤)، وبابُ المداراةِ مع الناس (٦١٣١)، ومسلمٌ في «البِرِّ والصِّلَة» (٢٥٩١)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٤) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٨/ ٢٠٤ ـ ٢٠٥).

(٥) المصدر السابق (٢٨/ ٢٠٦ ـ ٢٠٧).

(٦) «مجموع الفتاوى» لابنِ تيميَّةَ (٢٨/ ٢١١ ـ ٢١٣).

(٧) «الاعتصام» للشاطبي (٨٨).