الجواب عن قول المُعترِض بأنَّ الشَّيخَ لم يَسبِقْهُ أحدٌ إلى القول ببُطلان صلاة التَّباعد | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 26 ذي القعدة 1443 هـ الموافق لـ 26 يونيو 2022 م

قال المُعترِضُ: «إنَّ استدلال الشيخ بحديثِ وابصةَ وعليِّ بنِ شيبانَ على بُطْلانِ الصَّلاة بِالتباعدِ لم يَسبق إليه أحَدٌ مِنْ أهلِ العِلْم؛ حَتَّى ابنُ حزمٍ ـ الذي ذهب إلى بطلانِ الصلاة بتركِ تسوية الصفِّ...  للمزيد

الفتوى رقم: ١٢٩٤

الصنف: فتاوى الصلاة ـ صلاة الجماعة

الجواب
عن قول المُعترِض بأنَّ الشَّيخَ لم يَسبِقْهُ أحدٌ
إلى القول ببُطلان صلاة التَّباعد

نصّ الاعتراض:

قال المُعترِضُ: «إنَّ استدلال الشيخ بحديثِ وابصةَ وعليِّ بنِ شيبانَ على بُطْلانِ الصَّلاة بِالتباعدِ لم يَسبق إليه أحَدٌ مِنْ أهلِ العِلْم؛ حَتَّى ابنُ حزمٍ ـ الذي ذهب إلى بطلانِ الصلاة بتركِ تسوية الصفِّ ـ لم يستدلَّ بالحديث؛ بل استدلَّ بحديثِ: «لَتُسوُّنَّ صفُوفَكم أو لَيُخالفَنَّ اللهُ بين وجُوهكم». قال في «المحلَّى» (٢/ ٣٧٤): «هذا وعِيدٌ شدِيدٌ؛ والوعيدُ لا يكون إلَّا في كبيرةٍ مِنَ الكبائر».

بل نصَّ على أنه: إِنْ كان معذورًا صلَّى خلْف الصفِّ، وصلاتُه صحيحةٌ، فقال في «المحلَّى» (٢/ ٣٧٢):

«وَلا يُصَلِّ وَحْدَه خلفَ الصفِّ إلَّا أَنْ يكونَ ممنوعًا؛ فيصلِّي وَتُجزِئُه».

وقد قال الميمونيُّ: «قال لي أحمد بنُ حنبل: يا أبا الحَسَن، إيَّاك أَنْ تتكلَّم في مسألةٍ ليس لك فيها إمامٌ». رواه ابن الجوزيِّ في «مناقب الإمام أحمد» (٢٤٥).

قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (٢١/ ٢٩١): «وكُلُّ قولٍ يَنْفرِدُ به المتأخِّرُ عنِ المتقدِّمين، ولم يسبقه إليه أحَدٌ منهم؛ فإنه يكون خطأً كما قال الإمام أحمد: ...» وذكره.

وقال في «الإخنائيَّة» (٤٥٨): «فإِنْ كان قد يخطر له، ويتوجَّه له؛ فلا يقوله وينصره إلَّا إذا عَرَف أنه قد قاله بعضُ العلماء كما قال الإمامُ أحمد: ...» وذكَرَه.

وقال ـ أيضًا ـ في «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٣٢١): «وحملُ كلامِ الإمام على ما يُصدِّق بعضُه بعضًا أَوْلى مِنْ حمله على التناقض؛ لا سيَّما إذا كان القولُ الآخَرُ مُبتدَعًا، لم يُعرَف عن أحَدٍ مِنَ السلف، وأحمدُ يقول: إيَّاك أَنْ تتكلَّم في مسألةٍ ليس لك فيها إمامٌ، وكان في المحنة يقول: كيف أقول ما لم يُقَلْ؟!».

وزعمه: أنَّ سلفه في ذلك ما ذكَرَه في فتوى تحت رقم: (١٢٨٠). في وجه إلحاق التَّباعدِ بحديث وابصةَ بنِ مَعْبَدٍ رضي الله عنه، قال: «وسَلَفِي في ذلك: كُلُّ مَنْ قال بعدمِ صحَّةِ صلاة الفذِّ خلفَ الصَّفِّ بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوال، ومنهم: أحمدُ وإسحاقُ ووكيعٌ ويحيى بنُ مَعينٍ وابنُ المُنذِر والحسنُ بنُ صالحٍ والأوزاعيُّ ـ فيما حكاه ابنُ عبد البرِّ ـ وروايةٌ عن الثَّوريِّ وأكثرُ أهلِ الظَّاهرِ، ورُوِيَ عن النَّخَعيِّ وحمَّادٍ والحكمِ وابنِ أبي ليلى وغيرِهم».

فهذا غلطٌ؛ وبيانُه مِنْ وجهين:

أوَّلهما: أنَّ هذا لازمُ مذهبٍ؛ وَلازمُ مذهبٍ ليس بمذهبٍ؛ ولَا يكون مذهبًا للرَّجل؛ إذْ قد يقول قولًا، ويكونُ مِنْ لوازمِ قولِه معنًى لا يخطر بِباله ولَا يعتقده؛ بل قد يعتقد خلافَه.

قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية في «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٤٦١): «ولَازِمُ المذهبِ لا يجب أَنْ يكونَ مذهبًا؛ بل أكثرُ الناس يقولُون أقوالًا ولَا يلتزمون لوازمَها؛ فلا يَلْزَم ـ إذا قال القائلُ ما يستلزم التعطِيلَ ـ أَنْ يكون مُعتقِدًا للتعْطيل؛ بل يكون مُعتقِدًا للإثبات، ولكِنْ لا يعرف ذلك اللزومَ».

وقال ابنُ القيِّم في «أعلام الموقِّعين» (٥/ ٢٤٠): «فلازِمُ المذهبِ ليس بمذهبٍ، وإِنْ كان لازِمُ النصِّ حقًّا؛ لأنَّ الشارع لا يَجوز عليه التناقضُ؛ فلازمُ قولِه حقٌّ؛ وأمَّا مَن عداه فلا يمتنع عليه أَنْ يقول الشيْءَ ويَخفى عليه لازمُه؛ ولو عَلِم: أنَّ هذا لازمُه لما قاله؛ فلَا يجوز أَنْ يقال: هذا مذهبُه ويُقَوَّلَ ما لم يَقُلْه»».

فما صحَّةُ هذا الاعتراض ـ حفظكم الله ـ وما توجيهكم له؟

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالَمِين، والصَّلاةُ والسَّلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالَمِين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فهذا الاعتراض غيرُ مُنتهِضٍ مِنْ وجوه:

الأوَّل: أنَّ حادثةَ الصَّلاةِ بالتَّباعدِ نازلةٌ غيرُ معهودةٍ فلِلِاجتهادِ فيها مَسرَحٌ، إذ لم تَحدُث لا في عصرِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم ولا مَنْ بعدهم ولا في زمنِ ابنِ حزمٍ ـ رحمه الله ـ حتَّى يُستدَلَّ بحديثِ وابصةَ رضي الله عنه، فإنَّه إذا كان يكفيه القولُ ببطلان الصَّلاة عند ترك تسوية الصُّفوفِ فمِنْ بابٍ أَوْلى عدمُ صحَّةِ صلاةِ التَّباعدِ ـ عنده ـ لانتفاءِ الصفوف بله تسويةِ الصُّفوفِ أصلًا، ويُضافُ إلى ابنِ حزمٍ ـ رحمه الله ـ لازِمُ قولِه هذا؛ لأنَّه حقٌّ ولازمُ الحقِّ حقٌّ، هذا إِنْ سلَّمْنا ـ تنزُّلًا ـ أنه لازمٌ، وإلَّا فهو داخلٌ في عمومِ كلامِه لدخوله في الإخلال بالتَّسوية المأمور بها، وهو أعظمُ إخلالًا بالتَّسوية مِنَ الذي تكلَّم عنه ابنُ حزمٍ ـ رحمه الله ـ كما أنَّه مِنْ غير المَعقولِ أَنْ يُؤتَى إلى واقعةٍ فيها إخلالٌ بالتَّسوية وليس فيها انفرادٌ فيستدلَّ عالمٌ كابنِ حزمٍ فيها بخصوصِ دليلِ صلاة المُنفرِد خلفَ الصَّفِّ ويَعدِلَ إليها عن عُمومِ أدلَّة التَّسوية، بخلاف التَّباعُد المُحدَث فهو حادثةٌ أخرى داخلةٌ في أخصَّ مِنَ الإخلال بالتسوية وهو الانفرادُ، وهو انفرادٌ خلف مُنفرِدٍ مثله، فهو شرٌّ مِنْ منطوقِ الحديث: مُنفردٍ خلفَ الصفِّ وأَوْلى بالبطلان منه.

علمًا أنَّ ابنَ حزمٍ في نفس الصَّفحة حسَبَ النُّسخةِ التي اعتمدها المُعترِضُ قد ذكَرَ حديثَ عليِّ بنِ شَيْبان ثمَّ أشار إلى حديثِ وابصةَ الذي كان ذكَرَه قبله مُستدِلًّا به على البطلان ولزوم الإعادة، وهو إنَّما ذكَرَ حديثَ عليِّ بنِ شَيْبانَ لأنَّ قومًا زعموا أنَّ عِلَّةَ الأمر بالإعادة تحتمل أَنْ تكون لغيرِ الانفراد بل لأمرٍ غيرِ مذكورٍ، فكان الاستدلال بالحديث مُحتمِلًا عندهم بهذا التَّكلُّفِ والتَّجويز العقليِّ العاري عن مُقتضيه، لا سيَّما أنَّ مُقتضاه: أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ترَكَ بيانَ ذلك السَّببِ في موضعِ الحاجة، فلازِمُه القدحُ فيه؛ فأتى ابنُ حزمٍ بما ينصُّ على أنَّ سببَ البطلانِ والأمرِ بالإعادة هو الانفراد، وهو حديثُ عليِّ بنِ شَيْبان؛ فحديثَا وابصةَ وعليِّ بنِ شيبانَ هُما اللَّذانِ استدلَّ بهما على البطلان والإعادة، وتكلَّم في صحَّةِ الحديثين كعادته في بيان درجات الأحاديث؛ ثمَّ أَعقبَ ذلك بحديثِ النُّعمان بنِ بشيرٍ في التَّسوية الذي أَوردَه المُعترضُ وأَتبعَه بحديثِ أنسٍ في التَّسوية واستدلَّ بهما على أنَّ التَّسوية فرضٌ وتَرْكَها كبيرةٌ، ويتَّضِحُ مِنْ هذا مغالطةُ المُعترضِ وبَترُه لكلامِ ابنِ حزمٍ حتَّى تتمَّ له دعواه في أنَّ ابنَ حزمٍ استدلَّ على بطلان صلاة المُنفرِد بدليلِ وجوبِ التَّسويةِ، وهذا إِنْ لم يكنِ المُعترِضُ فيه واهمًا وكان له قاصدًا فهو كذبٌ مُتعمَّدٌ على ابنِ حزمٍ، وإِنْ كان فيه واهمًا فعليه الرُّجوعُ عنه على كُلِّ حالٍ؛ فهذا سياقُ كلامِ ابنِ حزمٍ في مَعرِضِ حديثه عن مسألةِ رَجلٍ صلَّى خلف الصفِّ(١).

الثاني: ليس لحادثةِ صلاةِ التَّباعدِ نظيرٌ لها ولا مثيلٌ عند السَّلفِ أو في المذاهبِ الفقهيَّةِ حتَّى يُنكِر المُعترضُ عليَّ الفتوى بقوله: «لم يَسبِقْ إليه أحَدٌ مِنْ أهلِ العلمِ»، أو لا يُحفَظُ هذا القولُ عند السَّلفِ أو ليس له سلفٌ، وضِمنَ هذا المعنى قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «وينبغي أَنْ يُعلَمَ أنَّ القولَ الَّذي لا سَلَفَ به الَّذي يجبُ إنكارُه: أنَّ المسألةَ وَقَعَتْ في زمنِ السَّلفِ فأفتَوْا فيها بقولٍ أو أكثرَ مِنْ قولٍ، فجاء بعضُ الخلفِ فأفتى فيها بقولٍ لم يَقُلْهُ فيها أحَدٌ منهم، فهذا هو مُنكَرٌ، فأمَّا إذا لم تكنِ الحادثةُ قد وقعت بينهم، وإنَّما وقعَتْ بعدَهم، فإذا أفتى المُتأخِّرون فيها بقولٍ لا يُحفَظُ عن السَّلفِ، لم يُقَل: إنَّه لا سَلَفَ لكم في المسألةِ، اللهم إلَّا أَنْ يُفتُوا في نظيرها سواءً بخلافِ ما أفتى به المُتأخِّرون، فيُقالُ ـ حينَئذٍ ـ إنَّه لا سلَفَ لكم بهذه الفَتوى»(٢)، مع العلمِ أنِّي سُبِقتُ مِنْ أحَدِ العُلَماءِ المُعاصرينَ القائلِ ببطلانِها وهو الشيخ: عبد المحسن العبَّاد حفظه الله، هذا مِنْ ناحيةٍ.

كما أنَّه ـ مِنْ ناحيةٍ أخرى ـ إنَّما يُقال ذلك لمَنْ أجاز صلاةَ التَّباعد بأنَّه: لا سلَفَ له في الأقوال المُحدَثة كإحداث التَّباعدِ في الأوبئةِ ونحوِها الَّذي تقدَّم مُقتضِيه وداعِيه في الطَّواعين الماضية، ولم يَجرِ العملُ عليه لا عند الصَّحابةِ ولا مَنْ بعدهم إلى زماننا مع عدم المانع، حتَّى كانت هذه الكائنةُ الأخيرة، فهذا هو الَّذي يقال فيه: لا تَقُلْ بقولٍ ليس لك فيه إمامٌ، فقَولُكم هذا لا سلَفَ لكم فيه؛ فالدَّليلُ على المُعترضِ لا لَهُ.

وأمَّا الاستدلال للأقوال بأدلَّةٍ صحيحةٍ دالَّةٍ عليها لم يَستدِلَّ بها المُتقدِّمون إِنْ سلَّمْنا أنَّه كذلك؛ فإنَّه لا زال العلماءُ يَستدِلُّون لأقوال أئمَّةِ مذاهبهم ولأقوالِ أشياخِهم بأدلَّةٍ لم يذكرها أشياخُهم ولا أئمَّةُ مذاهبِهم؛ ويكفي في ذلك أَنْ تجد في مسائل العقيدة وغيرها لابنِ تيميَّة وابنِ القيِّم وغيرهما ذِكرًا لأدلَّةٍ نقليَّةٍ وعقليَّةٍ لم يسبق إلى الاستدلال بها أحَدٌ، وإِنْ كانوا مسبوقين فلا تجدها عند الأوَّلين، لكنَّها مِنْ جنسِ ما استدلَّ به مَنْ سَبَقهم.

وإلَّا فمسألتُنا لا تخرج عن صلاة المنفرد، وقد رأَيْنا أنَّ أحمدَ وغيرَه استدلُّوا على بطلانِ صلاة المُنفرِدِ بأحَدِ هذين الحديثَيْن، ولم يعتبروا قَيْدَ: «خلف الصفِّ» مؤثِّرًا في الحكم، فحكَمَ أحمدُ ببطلان صلاة المنفرد بين الصفَّيْن، وحكَمَ ابنُ تيميَّة ببطلان صلاة الجماعة يكون كُلُّ واحدٍ منفردًا خلفَ صاحبِه مع أنه مُنفرِدٌ خلف مُنفرِدٍ لا مُنفرِدٌ خلف صفٍّ، وحكَمَ الألبانيُّ ببطلانِ صورةٍ كصورةِ هذا التباعدِ بحيث يكون المصلِّي وَحْدَه بعيدًا عن غيره في الصَّفِّ، وفرَّق بينها وبين ما إذا كانا رجلين مُتقاربَيْنِ فيما بينهما مُتباعدَيْن عن باقي الصَّفِّ الذي هما فيه فحكَمَ للمنفرد بالبطلان وحكَمَ للرَّجلين بصحَّة الصلاة مع الإثم، وتقدَّم نحوُه عن ابنِ عثيمين ـ رحمه الله ـ وقد سبق أنَّ ابنَ حزمٍ نَفْسَه إنما استدلَّ على بطلانِ صلاةِ المُنفرِد بحديثَيِ المُنفرِد (حديثَيْ وابصةَ وعليِّ بنِ شَيْبان رضي الله عنهما) لا بأحاديثِ التسوية (حديثَيِ النعمان وأنسٍ وغيرهما رضي الله عنهم).

الثالث: وأمَّا سَلَفِي في إبطالِ الصَّلاةِ بالتَّباعدِ فهُم مَنْ ذُكِروا في الفتوى المُشارِ إليها، وهُم كُلُّ مَنْ يُبطِل صلاةَ الفذِّ في الجماعةِ لأنَّ صلاةَ التَّباعدِ داخلةٌ في عمومِ صلاة المُنفرِد، وليس مِنْ بابِ لازمِ القول، وأخرجْتُ منها صورةَ صلاةِ الفذِّ خلفَ الصَّفِّ إذا عَجزَ أَنْ يجد مكانًا في الصَّفِّ أو عن يمينِ الإمامِ عملًا بقاعدةِ: «لَا تَكْلِيفَ مَعَ العَجْزِ»، وهو ما قال به ابنُ حزمٍ وغيرُه.

الرابع: إِنْ كان المُعترضُ يَقصِد لازِمَ قولي وسُلِّم له ـ جدلًا ـ أنَّ هذا مِنْ لازم المذهب فقَدْ صَرَّحْتُ به وأشَرْتُ إليه والْتَزَمْتُه على وجه الأحقِّيَّةِ والصَّوابِ، وأفتَيْتُ به، فلا يُقالُ بعد هذا: إنَّه «لا يُسلَّم به لأنَّه لازمُ المذهب، ولازمُ المذهب ليس بمذهبٍ» ثمَّ يناقضُ المُعترضُ نفسَه فيقول: «حتَّى يَلتزمه»، وهو محالٌ، لأنَّه تحصيلُ حاصلٍ.

وإِنْ كان المُعترضُ لا يقصِد لازِمَ قولي، بل يقصِدُ أنَّ مَنْ جعلتُهم لي سلفًا إنما كان ذلك مِنْ جهةِ لازمِ قولهم هم، لأنَّ صلاةَ التَّباعد ـ عند المُعترِض ـ ليست انفرادًا عندهم بزعمه، وأنَّ استدلالي بهم هو مِنْ جهةِ لازمِ قولهم، فقد سبق أَنْ أوضَحْتُ بكلام الألبانيِّ وابنِ عثيمين أنها صلاةُ منفردٍ عندهما، وأنَّ الألبانيَّ صرَّح ببطلانها، وكلام ابنِ عثيمين يشير إلى ذلك، يعني: لو أنَّ الرَّجل الداخل أخَذَ الوسطَ خلف الإمام ولم يجذب الرَّجُلين إليه ولم يدخل داخلٌ يُصافُّه كان هو منفردًا وبَطَلَتْ صلاتُه مع أنه تحرَّى الوسطَ، وصَحَّتْ صلاةُ الرَّجلين لأنهما رَجُلان مع الإثمِ لأنهما صفَّا في يمين الصفِّ مع قُدرتهما على التَّحوُّلِ إلى وسَطِه أثناءَ الصلاة؛ كما أنَّ الصُّورَ الَّتي أبطلها ابنُ تيميةَ وأحمدُ تدلُّ على أنَّ التَّباعدَ داخلٌ في عمومِ المنفردِ عندهما وليس مِنْ باب اللازم، بل هو أَوْلى بالدُّخولِ في الانفرادِ وفي حُكمِ البُطلانِ.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالَمِين، وصلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١ ذي القعدة ١٤٤٣هـ
الـموافق ﻟ: ١ جـــــــوان ٢٠٢٢م



(١) انظر: «المحلَّى» ـ حسَبَ نسخة المعترض ـ: (٢/ ٣٧٢ ـ ٣٧٥)، ـ حسَبَ نسختِنا ـ: (٤/ ٥٢ ـ ٥٥).

(٢) «بدائع الفوائد» لابن القيِّم (٣/ ٢٦٧).