تنبيهٌ على خطإ في فتوى «حكم وضعِ جهازِ اللَّولبِ داخِلَ رَحِمِ المرأةِ» وتصحيحها | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 14 رجب 1444 هـ الموافق لـ 05 فبراير 2023 م

الفتوى رقم: ١٣٢٥

الصنف: فتاوى طبِّيَّة

تنبيهٌ على خطإ في فتوى
«حكم وضعِ جهازِ اللَّولبِ داخِلَ رَحِمِ المرأةِ» وتصحيحها

نصُّ الرسالةِ:

لُوحِظَ في نصِّ هذه الفتوى المُتعلِّقةِ باللَّولبِ رقم: (١٠٢٢) المُعنونة ﺑ: «حكم وضعِ جهازِ اللَّولبِ داخلَ رَحِمِ المرأةِ» أنَّ فيها قلبًا في وظيفة اللَّولَبَينِ، حيثُ جاءت الفتوى معكوسةً، والصَّحيحُ الَّذي عليه أهلُ الاختصاصِ في طبِّ النِّساءِ والتَّوليدِ أنَّ اللَّولبَ الهُرمونيَّ هو الَّذي يمنعُ التَّبويضَ والتَّعشيشَ، بينما اللَّولبُ النُّحاسيُّ يمنعُ التَّعشيشَ فقط، وجزاكم الله خيرًا.

المُراسِلة: طبيبةٌ مختصَّةٌ بأمراضِ النِّساءِ والتَّوليدِ.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلا يخفى أنَّ الفتوى في المَسائلِ الطِّبِّيَّةِ وغيرِها ممَّا يحتاج المُفتي فيها إلى تصوُّرٍ صحيحٍ إنَّما تُبنى على تقاريرِ خِبرةٍ طِبِّيَّةٍ، أو على نتائجِ البُحوثِ المُعمَّقةِ أو الدِّراساتِ المَيدانيَّةِ، جريًا على قاعدةِ: «الحُكمُ على الشَّيءِ فرعُ تصوُّرِهِ»؛ وفي هذه المَسألةِ المَطروحةِ بَنَيْتُها على تقريرِ طبيبٍ عامٍّ غيرِ مختصٍّ في أمراضِ النِّساءِ والتَّوليدِ، لكنَّه واسعُ المَعرفةِ والاطِّلاعِ؛ وظهَرَ لي ـ بعد المُراسلةِ ـ وجاهةُ هذا التَّنبيهِ الطِّبِّيِّ، ومع ذلك فقَدْ تأكَّدْتُ مِنْ أمرِ هذه المَسألةِ مع طبيبٍ آخَرَ، وكان تفصيلُه لها على الوجه الآتي: «آليَّةُ عملِ اللَّولب:

أوَّلًا: آليَّةٌ مُشترَكةٌ عمومًا [هرموني، ونحاسي]:

١) يحولُ دون مرورِ الكائنات المَنَويَّةِ؛ وذلك بتغييرِ طبيعة المُخاطِ الموجودِ على مستوَى عُنُقِ الرَّحِمِ، بحيث يجعل مرورَ هذه الكائناتِ المَنَويَّة أمرًا صعبًا، ويقلِّل مِنْ قُدرتِها على تلقيحِ البُوَيْضةِ.

٢) يمنع التعشيشَ بآليَّةٍ مختلفةٍ، لكنَّها متشابهةٌ:

ـ الهرمونيُّ: يسبِّبُ ضُمورًا في الغشاءِ الدَّاخليِّ للرَّحِمِ يمنعُ التَّعشيشَ.

ـ النُّحاسيُّ: يسبِّبُ الْتِهابًا في الغشاء الداخليِّ للرَّحمِ يمنعُ علوقَ البُويضة الملقَّحة في جدارِ الرَّحِم.

ثانيًا: آليَّةٌ خاصَّةٌ بالهرمونيِّ يمنع ـ في بعض الحالات؛ وليس في كُلِّها ـ الإباضةَ أو التبويض».

هذا، وقد عَمِلْتُ على استدراكِ الخطإ وتصحيحه بترجيحِ استعمال الهرمونيِّ على النُّحاسيِّ، والشُّكرُ موصولٌ إلى صاحب التَّنبيهِ ومَنْ أَوصلَه، وإلى كُلِّ مَنْ أَسهَمَ في الخير ونشرِ العلم النَّافع، فجزاهم اللهُ خيرَ الجزاء.

وخلاصةُ جُزئيَّةِ الفتوى المعدَّلةِ تظهر على الوجه الآتي:

..فإِنْ أَضْحَتْ مسوِّغاتُ تنظيمِ النَّسل المُؤقَّتِ واضحةً بالظُّهور أو بتقريرٍ طبِّيٍّ يُفْصِحُ عن مرضِ المَرأة أو ضعفِ بدنها، أو بتحقُّقِ تضرُّرها بالحمل، أو عجزِها عن تحمُّل الوضعِ؛ حيث يُشكِّل حملُها ـ في الجملة ـ خطرًا على النَّفس أو ضررًا بالبدن، وقد تعذَّر عليها تناوُلُ حبوبِ منعِ الحمل لعدَمِ جدواها، أو لِتَحقُّقِ الآثار الجانبيَّة والمَخاطرِ الصِّحِّيَّةِ التي لا تتلاءَمُ مع طبيعةِ بدنِها، فيحصلُ لها الضَّررُ مِنْ جرَّاءِ تناوُلها(١)؛ فإنَّه يجوزُ ـ والحالُ هذه ـ استعمالُ اللَّوْلَب الهرمونيِّ المُحتوِي على هُرمُونِ الأُنوثَةِ «البروجِسْتِرُون» وهُو أَوْلى مِنَ اللَّوْلَبِ النُّحاسيِّ، وقد احتَلَّ اللَّولبُ الهرمونيُّ هذه الأَوْلويَّةَ لأنَّه أَحْوَطُ مِنْ جَانِبِ مَنْعِه ـ في بعض الحالات ـ مِنَ التَّبويضِ ابتداءً، كما يعملُ ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ على منعِ تعشيشِ البُويضةِ في الغشاءِ الدَّاخليِّ للرَّحمِ إِنْ تعرَّضَتْ للتَّلقيح، علمًا أنَّ كِلَا اللَّولبَينِ يَمنعانِ التَّعشيشَ بآليةٍ مختلفةٍ لكنَّها متشابهةٌ، فاللَّولبُ الهرمونيُّ يسبِّبُ ضُمورًا في الغشاءِ الدَّاخليِّ للرَّحمِ يمنعُ التَّعشيشَ، بينما اللَّولبُ النُّحاسيُّ يسبِّبُ الْتِهابًا في الغشاء الدَّاخليِّ للرَّحمِ يمنعُ عُلوقَ البُويضةِ المُلقَّحةِ في جدارِ الرَّحِم كي لا تَنمُوَ بالأطوار المذكورة في الآية(٢) والحديث(٣)؛ فإنَّ هذه الطريقةَ الأخيرةَ تُعَدُّ نوعًا مِنَ الإجهاض المُبكِّر جدًّا يمنعُه المَالكيَّةُ والظَّاهرِيَّةُ وبعضُ الشَّافعيَّة(٤)، حيثُ يَرَوْنَ أنَّ الرَّحِمَ إذَا قَبَضَ المَنِيَّ لم يَجُزِ التَّعرُّضُ له.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٢ جمادى الآخِرة ١٤٤٤هـ
المُــوافق ﻟ: ١٤ جــــانـــفي ٢٠٢٣م



(١) وإنما تقرَّرَتْ أولويَّةُ الحبوبِ لأنها تعمل على منعِ عمليَّة التَّبويضِ مِنْ جهةٍ، واستخدامُها يحفظ عورةَ المرأة المغلَّظة مِنَ النظر والمسِّ والملامسة ـ مِنْ جِهةٍ أخرى ـ ونحو ذلك.

(٢) في قوله تعالى: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا[الحج: ٥]، وقولِه تعالى: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ ١٢ ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ ١٣ ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٤[المؤمنون].

(٣) وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ»؛ [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «بدء الخَلْق» باب ذكرِ الملائكة (٣٢٠٨)، ومسلمٌ في «القَدَر» (٢٦٤٣)].

(٤) انظر: «المحلَّى» لابن حزم (١١/ ٣٠)، «إحياء علوم الدين» للغزَّالي (٢/ ٥١)، «القوانين الفقهية» لابن جُزَيٍّ (٢٠٧).