في حكم قراءة القصص الخيالية | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 8 شوال 1445 هـ الموافق لـ 17 أبريل 2024 م

الفتوى رقم: ١٣٣٠

الصنف: فتاوى متنوِّعة

في حكم قراءة القصص الخيالية

السؤال:

شخصٌ مُولَعٌ بقراءة الكُتُبِ الَّتي تحتوي قِصصًا ورواياتٍ غالبُها مِنْ نسجِ الخيالِ، علمًا أنَّه قد يكون لها مغزًى أو مَقصِدٌ حسنٌ، لا سِيَّما تلك التي تَشتمِلُ مَشاهِدَ إجراميَّةً ووقائعَ بوليسيَّةً، فما حكمُ قراءتِها للتَّثقيف أو للفُرجة والتسلية؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقد فرَّق بعضُ أهلِ العلم ـ مِنْ حيثُ القراءةُ ونحوُها ـ بين نوعين مِنَ القِصصِ الخياليةِ:

ـ النَّوعُ الأوَّلُ: قراءة القِصصِ الخياليَّةِ الَّتي تهدفُ إلى أغراضٍ حسنةٍ بنظرةٍ إصلاحيَّةٍ في كُلِّ الميادين لِمُعالجة الآفات الدِّينيَّة والخُلُقيَّة والاجتماعيَّةِ.. وتقومُ على بثِّ الخير وغرسِ الفضيلة ونشرِها والحثِّ عليها، والتحذيرِ مِنَ الشَّرِّ وقمعِ الرَّذيلةِ والفسادِ والزَّجرِ عنهما، ولا تتضمَّنُ قراءتُها أيَّ ضررٍ أو محظورٍ شرعيٍّ، كالظُّلمِ والعدوانِ والدَّعوةِ إلى الشِّرك والكفرِ والإلحادِ والخلاعةِ والمُجونِ وغيرِها مِنَ الانحرافات العقائديَّة أو الفكريَّة أو الخُلُقيَّة، ومِنْ كُلِّ ما يحطُّ مِنْ قدرِ الدِّين أو القِيَم الأخلاقيَّة؛ فما خلا مِنْ هذه الأمورِ لا مانِعَ مِنْ قراءته بالاعتبارات المذكورة في السؤال؛ وقد استدلُّوا على جوازها بما ثبَتَ مِنْ حديثِ جابرٍ رضي الله عنه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ [وَلَا حَرَجَ]، فَإِنَّهُ كَانَتْ فِيهِمُ الأَعَاجِيبُ: إِنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَرَجُوا يَمْشُونَ فِي الْأَرْضِ وَيَذْكُرُونَ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى مَقْبَرَةٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «تَعَالَوْا نَدْعُ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ لَنَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ، نَسْأَلْهُ عَنِ الْمَوْتِ»، فَدَعَوْا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَجُلٌ خِلَاسِيٌّ: بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَثَرُ السُّجُودِ، فَقَالَ: «يَا قَوْمُ، مَا أَرَدْتُمْ إِلَيَّ، لَقَدْ رَكِبْتُمْ مِنِّي أَمْرًا عَظِيمًا»، قَالُوا: «دَعَوْنَا اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ لَنَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ نَسْأَلْهُ عَنْ طَعْمِ الْمَوْتِ كَيْفَ هُوَ؟» فَقَالَ: «لَقَدْ وَجَدْتُ طَعْمَ الْمَوْتِ ـ قَالَ الرَّبِيعُ: أَوْ حَرَّ الْمَوْتِ ـ مِائَةَ عَامٍ، فَدَعَوْتُمُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَقَدْ سَكَنَ عَنِّي، فَادْعُوا اللَّهَ أَنْ يُعِيدَنِي كَمَا كُنْتُ»، فَدَعَوُا اللَّهَ فَأَعَادَهُ»(١)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا قُعُودًا نَكْتُبُ مَا نَسْمَعُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: «مَا هَذَا تَكْتُبُونَ؟» فَقُلْنَا: «مَا نَسْمَعُ مِنْكَ»، فَقَالَ: «أَكِتَابٌ مَعَ كِتَابِ اللَّهِ؟!» فَقُلْنَا: «مَا نَسْمَعُ»، فَقَالَ: «أَكِتَابٌ غَيْرُ كِتَابِ اللَّهِ؟! امْحَضُوا كِتَابَ اللَّهِ وَأَخْلِصُوهُ» قَالَ: فَجَمَعْنَا مَا كَتَبْنَا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ثُمَّ أَحْرَقْنَاهُ بِالنَّارِ، قُلْنَا: «أَيْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَتَحَدَّثُ عَنْكَ؟» قَالَ: «نَعَمْ تَحَدَّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» قَالَ: فَقُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَحَدَّثُ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟» قَالَ: «نَعَمْ، تَحَدَّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، فَإِنَّكُمْ لَا تَحَدَّثُونَ عَنْهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ أَعْجَبُ مِنْهُ»(٢)؛ الحديث يدلُّ على أنَّ الفرائدَ والأعاجيبَ يَحِلُّ سماعُها والتَّحديثُ بها مُطلَقًا سواءٌ كانت مِنْ نسجِ الخيالِ أو لم تكن كذلك فيما يمكنُ أَنْ يكون مِثلُه في الواقعِ ولم يكن فيه ترويجٌ لباطلٍ أو فسقٍ، سواءٌ كان على لسانِ آدَمِيِّين أو حيوانٍ(٣) بلسان الحال أو لسانِ المَقال أو ضربِ المِثال؛ ما دامت هي معلومةً عند مَنْ يُطالِعُها، يَهدفُ قارِؤوها مِنْ خلالِ مطالعتِها إلى تحقيقِ غرضٍ جائزٍ أو مقصودٍ حسَنٍ مِنْ ضربِ الأمثالِ للتَّعليم والمواعظِ للسُّلوكِ والتَّربيةِ، وغرسِ الفضيلة وتجسيدِ الأخلاقِ كالصَّبر والمروءة والشَّجاعةِ، واستدلُّوا على الجواز ـ أيضًا ـ بقول الله تعالى: ﴿وَهَلۡ أَتَىٰكَ نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ إِذۡ تَسَوَّرُواْ ٱلۡمِحۡرَابَ ٢١[ص] الآية، فإنَّ فيها بيانَ المَلَكين لداودَ طريقةَ المرافعةِ والخِصام والحُكم وأَنْ لا يحكم حتَّى يسمع مِنَ الخصمين معًا، مع انتفاءِ مِلكيَّةِ النِّعاجِ عن الملائكةِ، وعدمِ وجودِ العدوانِ ولا الخصوماتِ بينهم، وإنَّما ذكروا له ذلك ـ على وجهِ الاختبارِ ـ للتَّنبيهِ على حكمٍ في هذه القضيَّةِ بضرب المثال لصُورتِه؛ قال السِّعدي ـ رحمه الله ـ: «وَظَنَّ دَاوُدُ حين حكَمَ بينهما أَنَّمَا فَتَنَّاهُ أي: اختبرناه ودبَّرْنا عليه هذه القضيَّةَ ليَتنبَّه»(٤).

وفي هذا البابِ فتوَى لابن عثيمين ـ رحمه الله ـ عندما سُئِل: أنَّ بعض الأدباءِ يُؤلِّفون قصصًا ذاتَ مغزًى وبأسلوبٍ جذَّابٍ ممَّا يكون له أثرٌ في نفوس القُرَّاء، ولكنَّها مِنْ نسجِ الخيال، فما حكمُ ذلك؟

فأجاب ـ رحمه الله تعالى ـ: «لا بأسَ بذلك إذا كان يعالج مشكلاتٍ دِينيَّةً أو خُلُقيَّةً أو اجتماعيَّةً؛ لأنَّ ضربَ الأمثالِ بقصصٍ مفروضةٍ غيرِ واقعةٍ لا بأسَ به، حتَّى إنَّ بعض العلماء ذكَرَ ذلك في بعضِ أمثلةِ القرآن الكريم أنها ليست واقعةً، لكنَّ الله ضرَبَها مثلًا مِثلَ قولِه تعالى: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٦[النحل]، فلا أرى في هذا بأسًا لأنَّ المقصودَ هو التَّحذيرُ، ولكِنْ إِنْ حصَلَ أَنْ يكونَ عند الإنسانِ علمٌ مِنَ الكتاب والسُّنَّةِ ثمَّ يعرض آياتٍ فيها معالجةُ مُشكِلاتٍ ويشرحها ويفسِّرها ويضرب المَثَلَ عليها فهو خيرٌ، وكذلك يذكر أحاديثَ فيُفسِّرها ويضرب المَثَلَ عليها فهذا أحسنُ بلا شكٍّ»(٥).

ـ النَّوعُ الثَّاني: قراءةُ القِصصِ الخياليَّةِ وغيرِ الخياليَّةِ الَّتي لا تحقِّقُ هذا المقصودَ الشرعيَّ بل تناقضُه، لِمَا يترتَّب على مُطالَعتِها مِنَ الآفات والمفاسدِ ما لا يخفى: كفتحِ المجال للخيالات والأفكار الرديئةِ مِنَ الإجرام وتهييجِ الغرائز وتحريكِ الشهوات، أو إفساحِ المجالِ للمعاني الشِّركيَّة والتأثيرات الإلحاديَّةِ، أو كانت هذه القصصُ الخياليَّةُ تحضُّ على الكذبِ والإفكِ والبهتانِ، أو تتضمَّن سخريةً أو استهزاءً بدِين اللهِ الحنيف، وبأحكامه وسُنَنِه وآدابه، أو تهوينًا مِنْ أحَدٍ بعَينه أو انتقاصًا له أو تقوُّلًا عليه، ونحوِ ذلك ممَّا يضرُّ غالبًا ولا ينفع في دِينٍ ولا دُنْيَا، فهذا لا أَعلمُ خلافًا في محظوريَّتِه ومنعِه.

والأَوْلى ـ عندي ـ العملُ بالحيطةِ، واجتنابُ القصص الخياليَّة التي ترمي إلى تحديث النَّاس بما ليس له أصلٌ معروفٌ أو واقعٌ في الوجود، لأنها ـ وإِنْ كانت تهدف إلى أغراضٍ حسنةٍ ـ إلَّا أنها لا تخلو مِنْ مفاسدَ وأوهامٍ وكذبٍ، أو تحمل في ثناياها انحرافاتٍ فكريَّةً أو دعوةً إلى الرذائل أو مخالفةً لنصوص الوحيَيْن، أو تحمل القارئَ على بعض المُعتقَدات الفاسدة، أو تفتح المجالَ على ما لا ينفع القارئَ، ويكون على حسابِ ما ينفعه في دُنيَاه وأُخراهُ، وخاصَّةً إِنْ كانت الأقلامُ الأدبيَّةُ غربيَّةً أو متأثِّرةً بالغرب، فهي غالبُها ـ إِنْ لم أقل: جميعُها ـ محشوَّةٌ بهذه الآفاتِ والمفاسد، ولو أُلبِسَتْ لباسَ الفنِّ والأدب، فإنَّ الألقابَ لا تُغيِّر الحقائقَ، ولو عدَّها أصحابُها مِنَ العلوم الأدبيَّة التي تُدرَّس في المعاهد والجامعات، فإنَّ ذلك لا يغيِّر مِنَ الحقائق الشَّرعيَّة، علمًا أنَّ الله تعالى قد حرَّم آفاتِ اللِّسان مِنَ الكذب وشهادة الزُّور ورميِ النَّاسِ بالباطل بما لا تعلم ونحوِها، فقال جلَّ شأنُه: ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌ[الإسراء: ٣٦]، بل أمَرَ اللهُ تعالى بالصِّدق فقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ١١٩[التوبة]، وقال جلَّ شأنُه: ﴿فَأَوۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٠ طَاعَةٞ وَقَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞ‌ۚ فَإِذَا عَزَمَ ٱلۡأَمۡرُ فَلَوۡ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ ٢١[محمَّد]، وبيَّن النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قيمةَ الصِّدقِ وحُرمةَ الكذبِ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِىِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا؛ وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا»(٦)، وعن معاويةَ بنِ حَيْدةَ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ القَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ»(٧).

ومِنْ هذا المُنطلقِ حذَّر السلفُ مِنَ القُصَّاصِ لأنَّهم ـ في الغالب ـ لا يتوخَّوْن في كلامهم الصِّدقَ ولا يعتمدون على الدَّليل الصَّحيحِ، وإنَّما يعتمدون على ما يُؤثِّر على عواطف النَّاسِ مِنَ القصص والآثار التي لم تصحَّ، والأخبارِ التي لا مُستنَدَ لها، وكان قصدُهم بذلك تذكيرَ الناس وترغيبَهم في الخير وترهيبَهم مِنَ الشرِّ، وذِكرَ القصص للاعتبار، ولكنَّهم سلكوا غيرَ السبيلِ الصحيح فكَذَبوا وأوقعوا النَّاسَ في الكذب؛ وقد جاء عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه أنه لمَّا دخَلَ البصرةَ أَخرجَ مِنَ المسجدِ مَنْ كان فيه مِنَ القُصَّاص والوُعَّاظ، فلمَّا دنَا مِنْ حلقةِ الحسنِ البصريِّ ترَكَه لأنه سَمِع موعظةَ حقٍّ وعلمٍ، وقال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: «مَا أَحْوَجَ النَّاسَ إِلَى قَاصٍّ صَدُوقٍ»(٨)، وقال ابنُ الجوزيِّ ـ رحمه الله ـ: «كان الوُعَّاظُ فِي قديم الزَّمانِ عُلَماءَ فُقَهاءَ، وَقَدْ حضَرَ مجلسَ عُبَيْدِ بْنِ عميرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَر رَضِيَ اللَّهُ عنه، وكان عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز يحضر مجلسَ القاصِّ، ثمَّ خسَّتْ هذه الصناعةُ فتَعرَّض لها الجُهَّالُ، فبَعُدَ عَن الحضورِ عندهم المميِّزون مِنَ الناس، وتَعلَّق بهم العوامُّ والنِّساءُ، فلم يتشاغلوا بالعلم وأقبلوا عَلَى القصص وما يُعجِب الجَهَلةَ، وتنوَّعَتِ البِدَعُ فِي هَذَا الفنِّ»(٩).

علمًا أنَّه يُمكن الاستعاضةُ عن ذلك بمطالعة القصص القرآنيَّة النافعةِ مِنْ قصص الأنبياء والصالحين وغيرِهم وما قصَّهُ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم مِنَ الأخبار الصحيحة، واجتناب الأخبار الكاذبة أو الضعيفة أو الموضوعة، فإنَّ ذلك له الأثرُ البالغُ في شحذِ الهمَّةِ وتقوية العزم، على أَنْ يتولَّى استنباطَ العِبَرِ والعِظاتِ العلماءُ الرَّبَّانيُّون أو مَنْ عنده علمٌ منقولٌ بذلك مِنَ الطلبة في حدودِ ما عنده علمٌ به لا يجاوزه، لا الأُدَباءُ المُفكِّرون الذين ليس لهم نصيبٌ مِنَ العلم الشَّرعيِّ.

هذا عن الروايات الخياليَّة عامَّةً، وأمَّا عن الرواياتِ البوليسيَّة، فهي لا تخرج عن حكم المنعِ، لمفسدة الكذب، بالإضافة إلى مفاسدَ أخرى كتلبيس الحقائق، وإظهارِ المُجرِمين في صُوَرِ الأبطال، وتعليمِ الناسِ طُرُقَ اقترافِ الجريمةِ وسُبُلَ الإجرام، وتزيينِ الباطل والحرام بصورة الذَّكاء، وهو ـ في الحقيقة ـ مكرٌ وخداعٌ وغشٌّ وتزويرٌ وغيرُ ذلك مِنْ أنواع الباطل والفساد.

هذا في مجرَّدِ قراءة الروايات، أمَّا الرواياتُ المصوَّرةُ أو الممثَّلةُ فالمفسدةُ فيها أعظمُ، خاصَّةً إِنْ كان فيها تمثيلٌ للأنبياء والصحابة، أو تمثيلُ الفُسَّاقِ للأئمَّة والصالحين، أو تمثيلُ النِّساءِ حتَّى لو كُنَّ مستوراتٍ بالجلابيب الشرعيَّة، أو تصويرُ مَشاهدِ الفسقِ، والسجودِ للأصنام، والتَّلفُّظ بالكفر على غير سبيل الحكاية، بحجَّةِ أنَّ الممثِّلَ يقوم بدورِ أبي جهلٍ وغيرِ ذلك مِنَ المحاذير.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في ١٦ مِنْ جمادى الآخرة ١٤٤٤هـ
المُــوافــــق ﻟ: ٠٨ جـــانـــفي ٢٠٢٣م



(١) أخرجه وكيعُ بنُ الجرَّاح في «الزهد» (٥٦)، وابنُ أبي شيبة في «الأدب» (٢٠٦) و«مصنَّفه» (٢٦٤٨٦)، وأحمد في «الزهد» (٨٨)، وعبد بنُ حُمَيدٍ في «مُسنَده» (١١٥٦)، وابنُ أبي الدنيا في «مَنْ عاش بعد الموت» (٥٨)، وتمَّامٌ الرَّازيُّ في «فوائده» (٢٢٩)، وأبو سعيدٍ النَّقَّاش في «فنون العجائب» (١٧، ١٨)، والخطيب البغداديُّ في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» (١٣٤٩)، مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما. وعند بعضهم دون قصَّة الرَّجل الذي بعَثَه اللهُ بعد موته. واقتصر عبدُ الله بنُ أبي داود في «البعث» (٥) على القصَّة؛ وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٢٩٢٦).

(٢) أخرجه أحمد في «مُسنَده» (١١٠٩٢) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. قال محقِّقو طبعةِ الرسالة (١٧/ ١٥٧): «حديثٌ صحيحٌ، وهذا إسنادٌ ضعيفٌ لِضعفِ عبد الرحمن بنِ زيدٍ: وهو ابنُ أَسلمَ العَدَويُّ، وبقيَّةُ رجالِه ثقاتٌ رجالُ الصحيح»؛ قال الهيثميُّ: «هو فى الصحيح باختصارٍ وبغيرِ هذا السِّياق أيضًا»؛ [انظر: «غاية المقصد في زوائد المسند» (٢١٥) و«مجمع الزوائد» (٦٧٢)].

وسياقه في الصحيح عن عبد الله بنِ عمرو بنِ العاص عند البخاريِّ بلفظ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» في «أحاديث الأنبياء» بابُ ما ذُكِر عن بني إسرائيل (٣٤٦١).

(٣) مِنْ ذلك ما ذكَرَه الميدانيُّ في [«مجمع الأمثال» (١/ ٢٥)]: «٨١ ـ إنما أُكِلْتُ يومَ أُكِل الثورُ الأبيض:

يُروى أنَّ أميرَ المؤمنين عليًّا رضي الله تعالى عنه قال: «إنَّما مَثَلي ومَثَلُ عثمانَ كمَثَلِ أثوارٍ ثلاثةٍ كُنَّ في أَجَمةٍ: أبيضَ وأسودَ وأحمرَ، ومعهنَّ فيها أسدٌ، فكان لا يقدر منهنَّ على شيءٍ لاجتماعهنَّ عليه، فقال للثور الأسود والثورِ الأحمر: «لا يُدِلُّ علينا في أَجَمَتِنا إلَّا الثورُ الأبيض، فإنَّ لونه مشهورٌ ولوني على لونِكما، فلو تركتُماني آكُلُه صفَتْ لنا الأَجَمةُ»، فقالا: «دونك فكُلْه»، فأكَلَه، ثمَّ قال للأحمر: «لوني على لونك، فدَعْني آكُلِ الأسودَ لِتَصفُوَ لنا الأَجَمةُ»، فقال: «دونك فكُلْه»، فأكَلَه، ثمَّ قال للأحمر: «إنِّي آكِلُك لا محالةَ»، فقال: «دَعْني أنادي ثلاثًا»، فقال: «افْعَلْ»، فنادى: «ألَا إنِّي أُكِلْتُ يومَ أُكِلَ الثَّورُ الأبيضُ»، ثمَّ قال عليٌّ رضي الله تعالى عنه: «ألَا إنِّي هُنْتُ ـ ويُروى: وهَنْتُ ـ يومَ قُتِل عثمانُ»، يرفع بها صوتَه».

(٤) انظر: «تفسير السعدي» (٧١١).

(٥) «فتاوى نور على الدرب» لابن عثيمين (٢٤/ ٢).

(٦) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأدب» بابُ قولِ الله تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ١١٩[التوبة] وما يُنهى عن الكذب (٦٠٩٤)، ومسلمٌ في «البرِّ والصِّلَة والآداب» (٢٦٠٦، ٢٦٠٧)، مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه.

(٧) أخرجه أبو داود في «الأدب» بابٌ في التشديد في الكذب (٤٩٩٠)، والترمذيُّ في «الزهد» بابٌ فيمَنْ تَكلَّم بكلمةٍ يُضحِك بها النَّاسَ (٢٣١٥)، مِنْ حديثِ بَهز بنِ حكيمٍ عن أبيه عن جدِّه معاويةَ بنِ حَيْدةَ القُشَيْريِّ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٧١٣٦).

(٨) «تلبيس إبليس» لابن الجوزي (١١١).

(٩) المصدر السابق.