في مشروعيَّة القُرعة عند عدم التَّراضي | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 13 شعبان 1445 هـ الموافق لـ 23 فبراير 2024 م

الفتوى رقم: ١٣٣٨

الصنف: فتاوى متنوِّعة

في مشروعيَّة القُرعة عند عدم التَّراضي

السؤال:

مات رجلٌ وتركَ مسكنًا مكوَّنًا مِنْ ثلاثةِ طوابقَ متشابهةِ الهندسةِ والمساحةِ، وله: ثلاثةُ أولادٍ ذكورٍ، واختلفوا في قسمةِ الطوابقِ فيما بينهم، وتشاحُّوا فيها، والسببُ في تَعارُضِ رغباتِهم يرجع إلى أنَّ أحَدَهم يريد ما يريدُه الآخَرُ، فهل القُرعةُ عندَ الموثِّقِ مَخرَجٌ لهم مِنْ هذا التَّشاحِّ والاختلافِ، وإذا خرجتِ القُرعةُ تفاهموا فيما بينهم، فيَتبادلُ مَنْ شاء منهم ذلك نصيبَهم فيما بينهم؟

فأَوضِحُوا لنا ـ بارك الله فيكم ـ قاعدةَ هذا البابِ المُرتبِط بتَشاحِّ الورثةِ فيما سيؤول إليهم مِنْ إرثِ مُورِّثهم. وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقِسمةُ التَّرِكة في هذه المسألة إنَّما تكونُ: أوَّلًا بالتراضي، فإِنْ اختلفُوا على وجهٍ تتعذَّر معه مُراضاةُ الورثةِ على طريقةٍ للتقسيم وتعارضت مصالحهم في ذلك، فإنَّ قسمةَ التَّركةِ بالقُرعةِ لا مَناصَ منها ثانيًا، ذلك لأَنَّ القُرعةَ إنَّما فائدَتُها استِخراجُ الحُكمِ الخفِيِّ عند التَّشاحِّ، فمشروعيَّتُها ـ إذن ـ ثبتت لرفع الأحقاد والضغائن الناجمة عن تَبايُنِ المصالح وتَضارُبِها، وهي مُثبَتةٌ في شرعِنا لكُلِّ مَنْ أرادَ العدلَ في القِسمةِ والبُعدَ عنِ التُّهمةِ، وقد صرَّح ابنُ القَيِّم ـ رحمه الله ـ بصحَّة اعتبارها وفضلها حيث قال: «القرعةُ قد ثبتَ لها اعتبارٌ في الشَّرعِ ـ كما قدَّمْناه ـ وهي أقربُ إلى العدلِ وأطيبُ للقلوبِ وأبعدُ عن تُهمةِ الغَرضِ والمَيلِ بالهوَى، إذْ لولاها لزمَ أحدُ الأمرينِ: إمَّا التَّرجيحُ بالمَيل والغرضِ، وإمَّا التَّوقُّفُ وتعطيلُ الانتفاعِ؛ وفي كُلٍّ منهما مِنَ الضَّررِ ما لا خفاءَ به، فكانتِ القُرعةُ مِنْ محاسنِ هذه الشَّريعةِ وكمَالِهَا وعمُومِ مَصالحِها»(١)، وهذا المعنى تناوله القرطبيُّ ـ رحمه الله ـ في مَعرِض تفسيره لقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٤٤[آل عمران: ٤٤] واستدلَّ له بما نصُّه: «استدلَّ بعضُ علمائنا بهذه الآيةِ على إثباتِ القُرعةِ، وهي أصلٌ في شرعنا لكُلِّ مَنْ أراد العدلَ في القسمة، وهي سُنَّةٌ عند جمهور الفقهاء في المُستويَيْن في الحُجَّة لِيُعدَل بينهم وتطمئنَّ قلوبُهم وترتفع الظِّنَّةُ عمَّنْ يتولَّى قِسمَتَهم، ولا يُفضَّل أحدٌ منهم على صاحبه إذا كان المقسومُ مِنْ جنسٍ واحدٍ اتِّباعًا للكتاب والسُّنَّة؛ وردَّ العملَ بالقُرعة أبو حنيفةَ وأصحابُه، وردُّوا الأحاديثَ الواردةَ فيها، وزعموا أنَّها لا معنَى لها، وأنَّها تشبه الأزلامَ التي نهى اللهُ عنها، وحكى ابنُ المنذر عن أبي حنيفة أنَّه جوَّزها وقال: القُرعة في القياس لا تستقيم، ولكنَّا ترَكْنا القياسَ في ذلك وأخَذْنا بالآثار والسُّنَّة. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وقد عَمِل بالقُرعة ثلاثةٌ مِنَ الأنبياء: يونسُ وزكريَّا ونبيُّنا محمَّدٌ صَلَّى الله عليه وسَلَّم، قال ابنُ المنذر: واستعمالُ القُرعة كالإجماع مِنْ أهل العلم فيما يُقسَم بين الشُّرَكاء، فلا معنَى لقولِ مَنْ رَدَّها، وقد ترجم البخاريُّ في آخِرِ «كتاب الشهادات»: «بابَ القُرعةِ في المُشكِلات، وقولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ﴾» وساق حديثَ النعمانِ بنِ بشيرٍ: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالمُدْهِنِ فِيهَا مَثَلُ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ...» الحديث(٢)، وسيأتي في «الأنفال» إِنْ شاء الله تعالى وفي سورةِ «الزخرف» أيضًا بحول الله سبحانه، وحديثَ أمِّ العلاء وأنَّ عثمان بنَ مظعونٍ طار لهم سهمُه في السُّكنى حين اقترعت الأنصارُ سُكنى المهاجرين، الحديث(٣)، وحديثَ عائشة قالت: كَانَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا، وذكَرَ الحديث(٤)؛ وقد اختلفت الرِّوايةُ عن مالكٍ في ذلك، فقال مرَّةً: يُقرِع للحديث، وقال مرَّةً: يسافرُ بأَوفَقِهنَّ له في السَّفر، وحديثَ أبي هريرة أنَّ رسول الله صَلَّى الله عليه وسَلَّم قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا»(٥)، والأحاديثُ في هذا المعنى كثيرةٌ(٦)»(٧).

وعليه، فإِنْ عَيَّن أحدُهم لنفسه طابقًا مِنَ الطَّوابق الذي لا ينازعه عليه أحدٌ مِنَ الورثة فإنه لا يدخل معهم في القُرعةِ ولا هو معنيٌّ بها، وإنَّما يُؤخَذُ بالقُرعة في الطَّوابق التي هي محلُّ الخلافِ والمنازعةِ، وتَعذَّر حصولُ التَّراضي فيها، علمًا أنَّ الذي يستطيعُ الحكمَ فيها إنَّما هو القاضي الشَّرعيُّ أو مَنْ يقومُ مَقامَه، وإذا اختار الورثةُ المتنازعون الموثِّقَ حَكَمًا بينهم جاز ذلك سعيًا منهم لإنهاءِ الخلافِ وحسمِ النِّزاع بينهم.

وأمَّا جزئيَّاتُ التَّركةِ ـ مِنْ جهة التَّنازلِ أو التَّبادل ـ فإنَّما يتَّفقون عليها قبل إجراءِ القُرعةِ، أو يصار إليها في حالةِ ما إذا انتهتِ القُرعةُ على غيرِ ما يحبُّ أحدُ المُتقارِعِين وتراضى مع مُتقارِعٍ آخَرَ أَنْ يبادله نصيبَه أو جزءًا منه بنصيبه أو جزءٍ منه.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢١شعبان ١٤٤٤ﻫ
المُـوافق ﻟ: ١٤ مارس ٢٠٢٣م



(١) «بدائع الفوائد» لابن القيِّم (٣/ ٢٦٩).

(٢) أخرجه البخاريُّ في «الشركة» باب: هل يُقرِع في القسمة والاستهام فيه (٢٤٩٣) وفي «الشهادات» باب القرعة في المُشكِلات وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ[آل عمران: ٤٤] (٢٦٨٦)، والترمذيُّ ـ واللفظُ له ـ في «الفِتَن» بابٌ منه أي: ما جاء في تغيير المُنكَر باليد أو باللسان أو بالقلب (٢١٧٣)، وأحمد (١٨٣٦١، ١٨٣٧٠، ١٨٣٧٩، ١٨٤١١)، مِنْ حديثِ النعمان بنِ بشيرٍ رضي الله عنهما.

(٣) أخرجه البخاريُّ في «الشهادات» باب القُرعة في المُشكِلات (٢٦٨٧)، وفي مواضعَ أخرى، مِنْ حديثِ أمِّ العلاء الأنصاريَّة رضي الله عنها.

(٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الشهادات» باب القُرعة في المُشكِلات (٢٦٨٨) وفي مواضعَ أخرى، ومسلمٌ في «التوبة» (٢٧٧٠)، مِنْ حديثِ أمِّ المؤمنين عائشة بنتِ أبي بكرٍ رضي الله عنهما.

(٥) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الشهادات» باب القُرعة في المُشكِلات (٢٦٨٩) وفي مواضعَ أخرى، ومسلمٌ في «الصلاة» (٤٣٧، ٤٣٩)، مِنْ حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٦) ومِنْ هذه الأحاديثِ التي تصبُّ في هذا المعنى مِنَ اللُّجوء إلى القرعة عند التَّنازع في الإرث: حديثُ أُمِّ سَلَمة رضي الله عنها، قالت: «جَاءَ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ يَخْتَصِمَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوَارِيثَ بَيْنَهُمَا قَدْ دَرَسَتْ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ ـ أَوْ قَدْ قَالَ: لِحُجَّتِهِ ـ، مِنْ بَعْضٍ، فَإِنِّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ يَأْتِي بِهَا إِسْطَامًا فِي عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»؛ فَبَكَى الرَّجُلَانِ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: حَقِّي لِأَخِي، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا إِذْ قُلْتُمَا فَاذْهَبَا فَاقْتَسِمَا، ثُمَّ تَوَخَّيَا الْحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثُمَّ لِيُحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ» [أخرجه أحمد (٢٦٧١٧)، وحسَّنه الألبانيُّ في «الإرواء» (١٤٢٣)].

(٧) «تفسير القرطبي» (٤/ ٨٦ ـ ٨٧)؛ وقد ذكَرَ ابنُ القيِّم في كتابَيْه «الطُّرُق الحُكميَّة» و«الفروسيَّة» ما يظهر به الفرقُ بين القُرعة الجائزةِ وبين الميسر والاستقسام بالأزلام المُحرَّمَيْن؛ وبَيَّن الحالاتِ التي تجوز فيها القُرعةُ، والحالاتِ التي لا تجوز فيها، والحالاتِ التي تتعيَّن فيها القُرعةُ، فَلْيُنظَرْ فيهما.