في الجواب عن الاعتراض على نسبة جواز المسح على الجوربين مطلقًا لابن تيمية رحمه الله | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 12 ذي الحجة 1445 هـ الموافق لـ 18 يونيو 2024 م

لديَّ إشكالٌ في فتوَى «في حكمِ المسحِ على الجَوربين» رقم: (١١٧٥) حيث قلتم ما يأتي: «أمَّا ما ذَهَبَ إليه أهلُ التَّحقيقِ فهو جوازُ المَسح على الجَوربين مُطلَقًا ولو كانا رقيقين...  للمزيد

الفتوى رقم: ١٣٣٧

الصنف: فتاوى الطهارة ـ الوضوء

في الجواب عن الاعتراض على
نسبة جواز المسح على الجوربين مطلقًا لابن تيمية رحمه الله

السؤال:

لديَّ إشكالٌ في فتوَى «في حكمِ المسحِ على الجَوربين» رقم: (١١٧٥) حيث قلتم ما يأتي: «أمَّا ما ذَهَبَ إليه أهلُ التَّحقيقِ فهو جوازُ المَسح على الجَوربين مُطلَقًا ولو كانا رقيقين أو غيرَ صفيقَيْن ساترَيْن لِمَحَلِّ الفرض، وهو ظاهِرُ مذهبِ ابنِ حزمٍ، وبه قال ابنُ تيميَّة والشنقيطيُّ وغيرُهم» حيث نسبتُم جوازَ المسحِ على الجوربين مُطلَقًا إلى ابنِ تيميَّة ـ رحمه الله ـ والإشكالُ هو: أنَّ ابنَ تيميَّةَ في «شرح العمدة» قال: «وإِنْ كانَ رَقِيقًا... لَمْ يُمْسَحْ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ فِي مِثْلِهِ لا يُمْشى فِيهِ عادَةً ولا يُحْتاجُ إلى المَسْحِ عَلَيْهِ»(١).

فأرجُو ـ مِنكم ـ إزالةَ الإشكالِ الآتي وتجلِيَتَه، حيثُ قرَّر ابنُ تيميَّة في «شرح العمدة» عدمَ جوازِ المَسحِ على الجوربِ الرَّقيقِ كما تَقدَّم عنه، في حين نَقلتُم عنه ـ بارك الله فيكم ـ جوازَ ذلك؟

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاختيارُ ابنِ تيميَّة ـ رحمه الله ـ أنَّ المَخروقَ ـ سواءٌ كان خُفًّا أو جوربًا، صفيقًا أو رقيقًا ـ يجوز المَسحُ عليه ما دام يمكن مُتابعةُ المشي فيه؛ وهو ما قرَّره أحمدُ ـ رحمه الله ـ في المَسح على الجوربين بغيرِ نعلٍ حيث قال: «إذا كان يمشي عليهما ويَثبُتان في رِجله فلا بأسَ»(٢)، وقال ـ أيضًا ـ: «إذا كان يَمشي فيه فلا يَنثني فلا بأسَ بالمَسح عليه؛ فإنَّه إذا انثنى ظهَرَ موضعُ الوضوءِ»(٣)؛ لأنَّ الرُّخصةَ لم تُقيَّد بالسَّاتر دون غيره؛ ولأنَّ خفافَ الصَّحابةِ لم تكن تخلو مِنْ خروقٍ، وكان المَسحُ على ذلك مُنتشرًا في الصَّحابةِ مِنْ غير مخالفٍ ولا نكيرٍ، على ما أَوضحَه الكتابُ نفسه المُشار إليه(٤)، فإِنْ كان الجوربُ رقيقًا لا يَثبُت بنفسه لم يمسحْ عليه، ما لم يَثبُت بالشَّدِّ فيجوز المَسحُ عليه(٥)، قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «وَخُرُوقُ الطَّعنِ لَا تَمنعُ جوازَ المَسحِ؛ ولو لم تَستُرْ الجوَارِبُ إلَّا بالشَّدِّ جازَ الْمَسحُ عَلَيهَا على الصَّحيح»(٦)، وقال رحمه الله: «والمقصود هنا: أنَّ مسح الخفِّ لا يستوعب فيه الخُفَّ؛ بل يُجزئُ فيه مسحُ بعضِه كما وردَتْ به السُّنَّةُ وهو مذهبُ الفقهاء قاطبةً؛ فعُلِم بذلك أنه ليس كُلُّ ما بطَنَ مِنَ القدم مُسِح ما يليه مِنَ الخفِّ، بل إذا مُسِح ظهرُ القدم كان هذا المسحُ مُجزِئًا عن باطن القدم وعن العقب؛ وحينئذٍ فإذا كان الخرقُ في موضعٍ ومسَحَ موضعًا آخَرَ: كان ذلك مسحًا مُجزِئًا عن غَسلِ جميعِ القَدَمِ لا سيَّما إذا كان الخرقُ في مُؤخَّر الخفِّ وأسفلِه؛ فإنَّ مسْحَ ذلك الموضعِ لا يجب بل ولا يُستحَبُّ؛ ولو كان الخرقُ في المقدَّم فالمسحُ خطوطٌ بين الأصابع؛ فإِنْ قِيلَ: مُرادُنا أنَّ ما بطَنَ يُجزئ عنه المسحُ، وما ظهَرَ يجب غَسلُه، قِيلَ: هذا دعوَى محلّ النِّزاع، فلا تكون حُجَّةً، فلا نسلِّم أنَّ ما ظهَرَ مِنَ الخُفِّ المُخرَّقِ فرضُه غَسلُه، فهذا رأسُ المسألة؛ فمَنِ احتجَّ به كان مُثبِتًا للشيء بنفسِه؛ وإِنْ قالوا بأنَّ المسحَ إنَّما يكون على مستورٍ أو مغطًّى ونحوِ ذلك، كانت هذه كُلُّها عباراتٍ عن معنًى واحدٍ، وهو دعوَى رأسِ المسألة بلا حجَّةٍ أصلًا؛ والشارعُ أمَرَنا بالمسح على الخُفَّين مُطلَقًا ولم يُقيِّده، والقياسُ يقتضي: أنه لا يُقيَّد؛ والمسح على الخُفَّيْن قد اشترط فيه طائفةٌ مِنَ الفقهاء شرطين: هذا أحدُهما: وهو أَنْ يكون ساترًا لمحلِّ الفرض؛ وقد تَبيَّن ضعفُ هذا الشرط؛ والثاني: أَنْ يكون الخفُّ يَثبُت بنفسه، وقد اشترط ذلك الشافعيُّ ومَنْ وافقه مِنْ أصحابِ أحمدَ، فلو لم يثبت إلَّا بشدِّه بشيءٍ يسيرٍ أو خيطٍ مُتَّصِلٍ به أو منفصلٍ عنه ونحوِ ذلك لم يُمسَح، وإِنْ ثبَتَ بنفسه لكنَّه لا يستر جميعَ المحلِّ إلَّا بالشَّدِّ كالزَّربول(٧) الطويلِ المشقوقِ ـ يثبت بنفسه لكِنْ لا يستر إلى الكعبين إلَّا بالشدِّ ـ ففيه وجهان: أصحُّهما: أنه يمسح عليه؛ وهذا الشرط لا أصلَ له في كلامِ أحمد، بل المنصوصُ عنه في غيرِ موضعٍ أنه يجوز المسحُ على الجوربين وإِنْ لم يثبتا بأنفُسِهما بل بنعلين تحتهما، وأنه يمسح على الجوربين ما لم يخلع النعلين؛ فإذا كان أحمدُ لا يشترط في الجوربين أَنْ يثبتا بأنفُسهما بل إذا ثبَتَا بالنعلين جاز المسحُ عليهما فغيرُهما بطريق الأَوْلى، وهنا قد ثبَتَا بالنعلين وهما منفصلان عن الجوربين، فإذا ثبَتَ الجوربان بشدِّهما بخيوطهما كان المسح عليهما أَوْلى بالجواز»(٨).

والظاهر أنَّ صاحبَ الاعتراضِ قد اعتمدَ ـ في بناءِ قولِه ـ على اختصارِ بعض النُّقَّالِ لعبارةِ ابنِ تيميَّة ـ رحمه الله ـ  أو اختصرَه هو بنفسِه إلَّا أنَّه اختصارٌ مُخِلٌ لأنَّ صاحبَه حذَفَ قيدًا في جملةِ الشَّرطِ فأزاحَ موضعَ الشَّاهدِ، وهو المُغلَّظُ بين المعكوفين في قوله: «وإِنْ كان رقيقًا [يتخرَّقُ في اليومين أو الثَّلاثة أو لا يثبتُ بنفسه] لم يُمسَحْ عليه؛ لأنَّ في مثلِه لا يُمشى فيه عادةً، ولا يُحتاج إلى المَسح عليه»، لذلك نقَلَ عن ابنِ تيميَّة رحمه الله ـ بحَسَبِ فهمِه ـ أنَّه يرى عدمَ جوازِ المَسحِ على الجوربِ الرَّقيقِ مطلقًا، وما سبَقَ بيانُه كافٍ في معرفةِ خطئِه في فهمِ مُراده ـ رحمه الله ـ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٨ شعبان ١٤٤٤هـ
المُـوافق ﻟ: ٢١ مارس ٢٠٢٣م



(١) «شرح العمدة» ـ كتاب الطهارة ـ لابن تيمية (٢٥١).

(٢) المصدر السابق (٢٥٢)، وانظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ٣٧٣).

(٣) المصدر السابق، الصفحة نفسها، وانظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ٣٧٣ ـ ٣٧٤).

(٤) المصدر السابق الصفحة نفسها.

(٥) المصدر السابق (٢٥٣)، وانظر: «اختيارات ابنِ تيمية» لبرهان الدِّين ابنِ القيِّم (١٣٣).

(٦) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢١/ ٢١٥)، وانظر: (٢١/ ٢١٣) وما بعدها.

(٧) اسمُ نوعٍ مِنَ الأحذيةِ مِنْ جلدِ المَعزِ المدبوغِ؛ [انظر: «تاج العروس» للزَّبيدي (٣٥/ ١٤٣)، «تكملة المعاجم العربية» لبيتر آن دُوزِي (٥/ ٢٩٩)].

(٨) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٨٢ ـ ١٨٤).