في صفةِ صلاةِ المسافرِ الذي دخَلَ عليه وقتُها في السَّفرِ، ولم يُصَلِّها إلَّا بعد وصولِه إلى بلدِه، والعكس | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 19 شعبان 1445 هـ الموافق لـ 29 فبراير 2024 م

الفتوى رقم: ١٣٥٨

الصنف: فتاوى الصلاة ـ صلاة السفر

في صفةِ صلاةِ المسافرِ الذي دخَلَ عليه وقتُها في السَّفرِ،
ولم يُصَلِّها إلَّا بعد وصولِه إلى بلدِه، والعكس

السؤال:

ما حكمُ المُسافِرِ الَّذي دخَلَ عليهِ وقتُ أُولَى المجموعتَيْن كصلاةِ الظُّهرِ ـ مثلًا ـ وهو في السَّفرِ، فلم يُصَلِّ حتَّى وصَلَ إلى بلدِه أي: محلِّ إقامتِه الدَّائمةِ قبلَ خروجِ وقتِها، فهل يُؤدِّيها قصرًا أم إتمامًا؟ أو جمَعَ جَمْعَ تأخيرٍ فوصَلَ إلى بلدِه قبلَ خروجِ وقتِها ودخولِ وقتِ الصَّلاةِ الثَّانيةِ أي: العصرِ، فهل يُصلِّي الظُّهرَ قصرًا: ركعتين لأنَّ وقتَها دخَلَ حالَ كونِه مسافرًا، أم العبرةُ بكونه مقيمًا وقتَ أدائها، فيُصلِّيها أربعًا؟ وكذلك إذا فاتَتْهُ في السَّفرِ إحدى الصَّلَواتِ الرُّباعيَّةِ حتَّى خرَجَ وقتُها ووقتُ التي تُجمَعُ معها فكيف يَقضِيها؟ بُورِكْتُم.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإذا وصَلَ المسافرُ إلى بيتِه، وكان قد دخَلَ عليه وقتُ صلاةِ الظُّهرِ وهو في أثناءِ سفرِه، ولم يُصَلِّها حتَّى وَصَلَ بلدَه، فقَدِ اختلفَ العلماءُ في ذلك على مذهبَيْن مشهورينِ، وسببُ اختلافِهم هو: هل العبرةُ في قَصْرِ الصَّلاةِ بدخولِ الوقتِ أم بمَحَلِّ الأداءِ؟ أو بعبارةٍ أخرى: هل العبرةُ بزمنِ دخولِ وقتِ الصلاةِ أم بفعلِها ومكانِ أدائِها؟

فمذهبُ الجمهورِ: أنَّ المسافرَ إذا وصَلَ إلى بيتِه، وكان قد دخَلَ عليه ـ أثناءَ سفرِه ـ وقتُ صلاةِ الظُّهرِ، فإنَّه يُصلِّيها أربعًا، لأنَّ العبرةَ ـ عند الجمهورِ ـ بفعلِ الصَّلاةِ ومكانِ أدائها، لا بزمنِ دخولِ وقتِ الصَّلاةِ؛ فالحكمُ ـ عندهم ـ لمكان الأداء لا لزمنِ دخول وقت الوجوب، فأينما صلَّاها اعتُبِر مكانُ فعلِ الصَّلاةِ، فإِنْ صلَّى في الحضَرِ أدَّاها بصِفَةِ صلاة المُقيم أي: يُتِمُّ، وإِنْ صلَّى في السَّفرِ أدَّاها بصِفَةِ صلاة المسافر أي: يَقصُر.

وذهَبَ أحمدُ في أحَدِ قولَيْه إلى أنَّ عليه القصرَ؛ لأنَّ الصَّلاةَ وجبَتْ عليه حين وجبَتْ بدخولِ وقتِها وهو مسافرٌ فلَزِمَهُ قَصرُها؛ قال المَرْداويُّ ـ رحمه الله ـ: «لو دخَلَ وقتُ الصَّلاةِ على مُقيمٍ ثمَّ سافر: أتمَّها على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ؛ قال في «الحواشِي»: هو قولُ أصحابِنا، وهو مِنَ المُفرَداتِ»(١)، فيكونُ المُعتبَرُ في ذلك ـ عندهم ـ هو حالَه وصِفَتَه عند دخولِ وقتِ الصَّلاةِ لا حالَه وصِفَتَه عند أدائها.

والَّذي يظهرُ: أنَّ مذهبَ الجمهورِ أرجحُ للاعتباراتِ الآتية:

ـ لأنَّ حُكْمَ مَنْ دخَلَ عليه وقتُ الصَّلاةِ وهو مُقيمٌ ثمَّ سافرَ هو كحكمِ قضاءِ المريضِ ما تَرَكَهُ في الصِّحَّةِ ناقصًا، وكوجوبِ الجمعةِ على العبدِ الَّذي عَتَقَ بعدَ الزَّوالِ، وكالمسحِ على الخُفَّينِ(٢) أي: إذا لَبِسَ خُفَّيْهِ ثمَّ سافرَ قبلَ المَسحِ  فإنَّه يَمسَحُ عليهما مَسْحَ مسافرٍ.

ـ وما حكاه ابنُ المنذرِ ـ رحمه الله ـ إجماعًا بقوله: «وأجمَعوا على أنَّ لِمَنْ خرَجَ بعدَ الزَّوالِ أَنْ يَقصُرَ الصَّلاةَ»(٣).

ـ ولأنَّ قولَه تعالى: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ[الإسراء: ٧٨] يدلُّ على أنَّ الخطابَ بصلاةِ الظُّهرِ يتعلَّقُ بجميعِ وقتِها لا على التَّعيين أي: أنَّها تجبُ في جزءٍ مِنَ الوقتِ غيرِ معيَّنٍ، لأنَّها واجبٌ مُوَسَّعٌ يتعلَّق بجميعِ الوقتِ، فإذا صلَّاها في أوَّلِ الوقتِ وجبَتْ في ذلك الوقتِ وكذا إذا صلَّاها في وسطِ الوقتِ أو آخرِه، فهو أداءٌ وليس قضاءً، فلو كان الخطابُ يتعلَّق بأوَّلِ الوقتِ دون ما بعده إلى آخِرِه كان فعلُ مَنْ صلَّى في وسطِه أو في آخرِه قضاءً لا أداءً، وتأخيرُه لها لا يَأثَمُ به، لأنَّه لم يتعيَّن وقتُ الأداء لكونه موسَّعًا؛ ولأنَّه فَعَلَ ما يجوزُ له فعلُه، ما دام باقيًا مِنَ الوقتِ مقدارُ ما يَسَعُ الصلاةَ، فإذا لم يُصَلِّ حتى لم يَبْقَ مِنَ الوقتِ إلَّا ما يَسَعُ ركعةً تَعيَّن ذلك الوقتُ المُتبقِّي ولم يَجُزِ التأخيرُ، ومعنى ذلك: أنَّ المكلَّفَ متى شَرَعَ فيها وجبَتْ عليه بصِفَتِها مِنَ القَصر والإتمامِ حسَبَ حالِه ذلك الوقتَ مِنَ السَّفر والإقامة، فإِنْ كان مسافرًا حالَ أدائها وجَبَتْ في حقِّهِ قَصْرًا، وإِنْ شَرَعَ فيها في بلدِه تعيَّنت عليه إتمامًا.

ـ ولأنَّ عِلَّةَ قصرِ المسافرِ الصَّلاةَ إنَّما هو «السَّفرُ»، وهو مظنَّةُ المشقَّةِ، والحكمُ يدورُ مع عِلَّته وجودًا وعدمًا؛ فإِنْ زالَ السَّفرُ بالإقامةِ؛ فإنَّ الرُّخصةَ تَسقطُ، ويعودُ الحكمُ الأصليُّ وهو الإتمامُ.

وعليه، فإنَّ المُسافرَ الَّذي دخَلَ عليهِ وقتُ صلاةِ الظُّهرِ وهو في السَّفرِ، ثمَّ وصلَ إلى منزلهِ فإنَّه يُؤدِّيها إتمامًا؛ عملًا بقاعدةِ: «العِبرةُ بزمن فعلِ الصَّلاةِ وأدائها لا بزمنِ دخولِ الوقتِ»، وكذلك الحكمُ لمَنْ جمَعَ جَمْعَ تأخيرٍ فوصَلَ الى بلدِه قبلَ دخولِ وقتِ الصَّلاةِ الثَّانيةِ أي: العصرِ ـ مثلًا ـ فإنَّه يُصلِّيها أربعًا.

وأمَّا قضاءُ فائتةِ الصَّلاةِ في السَّفرِ فإنَّه يقضِيها فيه قصرًا ما دام سفرُه قائمًا، فإِنْ لم يَقضِها حتَّى عادَ إلى بلدِه وانقطعَ سفرُه ففيه اختلافٌ، والظَّاهرُ أنَّه يقضِيها تامَّةً غيرَ مقصورةٍ، لانتفاءِ عِلَّةِ القصرِ وزوالِهَا بالإقامةِ كما تقدَّم.

وأمَّا إذا فاتَته الصَّلاةُ في الحضَرِ وأراد قضاءَها في السَّفر؛ فما عليه عامَّةُ الفقهاءِ: وجوبُ قضائها تامَّةً غيرَ ناقصةٍ(٤)، مِنْ بابِ تغليبِ جانبِ الإتمامِ على القَصرِ، خلافًا لِمَا ذهَبَ إليهِ الحسنُ البصريُّ وَالمُزَنيُّ(٥) مِنْ أنَّه يَقْصُرُ، وهو ما رجَّحه ابنُ حزمٍ في «المحلَّى»(٦).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٧ ربيع الآخِر ١٤٤٥هـ
المُوافـق ﻟ: ٠١ نوفمـبر ٢٠٢٣م



(١) «الإنصاف في معرفة الراجح مِنَ الخلاف» للمَرْداوي (٢/ ٣١٠)؛ وتمامُ العبارة: «وعنه: يَقصُرُ، اختارَهُ في «الفائقِ»، وحكاهُ ابنُ المُنذِرِ إجماعًا، كَقضاءِ المريضِ ما تَرَكَهُ في الصِّحَّةِ ناقصًا، وكوجوبِ الجمعةِ على العبدِ الَّذي عَتَقَ بعدَ الزَّوالِ، وكالمسحِ على الخُفَّينِ، وقِيلَ: إِنْ ضاقَ الوقتُ لم يَقصُرْ، وعنه: إنْ فَعلَهَا في وقتِها قَصَرَ: اختارَها ابنُ أَبِي مُوسَى».

(٢) المصدر السابق، الجزء والصفحة نفسُها.

(٣) «الإجماع» لابن المنذر (٢٨).

(٤) نَقلَ ابنُ المنذِرِ ـ رحمه الله ـ الإجماعَ في «المصدر السابق» (٢٨) على هذه المسألة حيث قال:«وأجمَعوا على أنَّ مَنْ نَسِيَ صلاةً في حَضَرٍ؛ فذكَرَها في السَّفرِ: أنَّ عليه صلاةَ الحضَرِ إلَّا ما اختلف فيه الحسنُ البصريُّ»؛ وهو ما حكاهُ الإمامُ أحمد ـ رحمه الله ـ.

والحقيقةُ: أنَّ فيه اختلافًا يتجلَّى ممَّا سيأتي ذِكرُه عن الحسنِ البصريِّ والمُزَنيِّ وابنِ حزمٍ، ويظهرُ ـ أيضًا ـ مِنْ كلامِ المَرْداويِّ ـ رحمه الله ـ في «الإنصاف» (٢/ ٣١٠) حيث قال: «.. وقِيلَ: يَقصُر فيما إذا ذكَرَ صلاةَ سفرٍ في حضَرٍ، وحُكِي وجهٌ، يَقصُر ـ أيضًا ـ في عكسها، اعتبارًا بحالةِ أدائها، كصلاةِ صِحَّةٍ في مرضٍ، وهو خلافُ ما حكاه الإمامُ أحمدُ وابنُ المنذرِ إجماعًا».

(٥) انظر: «المجموع» للنَّووي (٤/ ٣٧٠)

(٦) انظر: «المحلَّى» لابن حزم (٥/ ٣١)