حكمُ حِرمانِ أصحابِ الأمراضِ المَيئوسِ منها والمُستعصِيَةِ مِنَ العلاجِ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 13 شوال 1445 هـ الموافق لـ 22 أبريل 2024 م

الفتوى رقم: ١٣٥٩

الصنف: فتاوى طبِّيَّة

حكمُ حِرمانِ أصحابِ الأمراضِ المَيئوسِ منها
والمُستعصِيَةِ مِنَ العلاجِ

السؤال:

يَتمُّ ـ في بعضِ المُستشفَيَاتِ ـ التَّعاملُ الطِّبِّيُّ القاسِي مع أصحابِ الأمراضِ العقليَّةِ والحالاتِ المَرَضيَّةِ الميئوسِ منها والمُستعصِيةِ، فهل يجوزُ حِرمانُهم مِنْ بعضِ أنواعِ العلاجِ كأجهزةِ الإنعاشِ الطِّبِّيَّةِ، أو تأخيرُهم عنها لصالحِ مَرْضَى آخَرِين، علمًا أنَّ تأخيرَهم قد يعرِّضُهم للموتِ أو التَّهلكةِ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمعلومُ أنَّ الطِّبَّ ليس مجرَّدَ مِهنةٍ يمتهنُها الطَّبيبُ، وإنَّما هو أمانةٌ ورحمةٌ ورِفقٌ بالمريضِ لِمَا في حديثِ أبي رِمْثةَ رضي الله عنه قال: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي نَحْوَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا هُوَ ذُو وَفْرَةٍ بِهَا رَدْعُ حِنَّاءٍ(١)، وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ أَخْضَرَانِ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: «أَرِنِي هَذَا الَّذِي بِظَهْرِكَ، فَإِنِّي رَجُلٌ طَبِيبٌ»، قَالَ: «اللهُ الطَّبِيبُ، بَلْ أَنْتَ رَجُلٌ رَفِيقٌ، طَبِيبُهَا الَّذِي خَلَقَهَا»(٢)؛ قال ابنُ رسلان ـ رحمه الله ـ «أي: تَرفُق بالمريض وتتلطَّفه، واللهُ تعالى الذي يُبرِئُه ويُعافيه، والرِّفقُ لِينُ الجانب، وهو ضِدُّ العنفِ»(٣)؛ والطَّبيبُ مسؤولٌ دِينيًّا وخُلُقيًّا وجِنائيًّا تُجاهَ المريضِ وذَوِيهِ والمُجتمَعِ عمَّا هو موكولٌ إليه، وليس الغَرضُ مِنْ أداءِ مِهنتِه الشَّريفةِ هو القَسوةَ على المرضى الضُّعَفاءِ وإنهاءَ حياتِهم؛ وإنَّما مَهمَّته تعتمدُ أساسًا على السعيِ والاجتهاد والتَّلطُّفِ بتدقيقِ النَّظرِ في المَرضِ لتشخيصِ أسبابه والسَّعي في سُبُلِ شفائه بتقديرِ الله، بما يسَّره مِنَ الأسباب المعتادة الحِسِّيَّة والمعنويَّة، والَّتي مِنْ شأنِها بعثُ حُسنِ الظَّنِّ بالله وشُعلةِ الأملِ في المريضِ؛ فينبغي على الطَّبيبِ أَنْ يتلطَّفَ به ويُطمئِنَه، ويجلبَ له التَّفاؤلَ، ويدفعَ عنه اليأسَ مِنَ الشِّفاء والقُنوطَ مِنْ رحمة الله، ويقوِّيَ يقينَه بالله وصبرَه، ويرفعَ مَعنويَّاتِه عاليًا، ويسعى جاهدًا للوصولِ إلى إيجادِ علاجٍ مُناسِبٍ لمرَضِهِ، وقصدُه في ذلك استبقاءُ المريضِ حيًّا يتماثلُ للشِّفاءِ شيئًا فشيئًا وتخفيفُ ألمِه بحسبِ المُستطاعِ، لا التَّغليظُ عليه أو الانتقاصُ منه أو التَّعدي عليه وإنهاءُ حياته بالامتناعِ مِنْ تمريضِه، هذا مِنْ حيث التَّعاملُ الطِّبِّيُّ في الجملةِ.

أمَّا الحكمُ المقرَّرُ شرعًا في قتلِ النَّفسِ فهو التحريمُ، فيَحرُمُ على المسلمِ أَنْ يقتلَ نَفْسَه أو نفسَ غيرِه، ويُستثنَى منه ما كان بالحقِّ؛ ويدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿‌وَلَا ‌تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ ‌وَلَا ‌تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٥١[الأنعام]، وقولُه تعالى: ﴿‌وَلَا ‌تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡۚ إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡـٔٗا كَبِيرٗا ٣١ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا ٣٢ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا ٣٣[الإسراء]، وقولُه تعالى: ﴿‌وَلَا ‌تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٢٩[النساء].

فمِمَّا يستثنى مِنْ تحريمِ قتلِ النَّفسِ: قتلُ الكُفَّارِ في الجهادِ في سبيل اللهِ، وقتلُ القاضي الجانيَ القاتلَ بواسطةِ مأمورِهِ قِصاصًا، والدِّفاعُ الشَّرعيُّ للصَّائلِ (أو دفعُ الصَّائلِ) عنِ النَّفسِ والمالِ والعِرضِ، والإجهاضُ بعد نفخِ الرُّوح في الجنينِ عند الضَّرورةِ لإنقاذ الأمِّ مِنَ الموتِ المحقَّق، لأنَّ فيها إزهاقَ روحِ الجنينِ لإحياءِ رُوحِ أُمِّه(٤)، ويدخلُ في هذا المعنى: جوازُ إزالةِ أجهزةِ الإنعاشِ الطِّبِّيَّةِ مِنَ الميِّتِ دماغيًّا بعد تأكيدٍ مِنَ الأطبَّاءِ المُتخصِّصين؛ بتفصيلٍ وشروطٍ تقدَّم ذِكرُها في فتوَى سابقةٍ(٥)، ونحوِ ذلك.

وأمَّا حِرمانُ أصحابِ الأمراضِ العقليَّةِ والحالاتِ المَرَضيَّةِ الميئوسِ منها والمُستعصِيةِ مِنْ أجهزةِ الإنعاشِ الطِّبِّيَّةِ أو تأخيرُهم لصالحِ مَرْضَى آخَرِين، فلا يجوزُ حِرمانُهم منها إذا ما توفَّرَتِ الأجهزةُ، وانتفَتْ عليها الزَّحمةُ، وتحقَّقَتِ المصلحةُ(٦)؛ غيرَ أنَّه ينبغي ـ في حالِ قِلَّتها وتزاحُمِ المرضى عليها ـ تقديمُ الأَوْلى فالأَوْلى على هذه الأجهزةِ بحَسبِ الحاجةِ والانتفاعِ، أي: أنَّ الطَّبيبَ المختصَّ يُراعي في التَّقديمِ ما غلَبَ على ظنِّه أنَّ العلاجَ بالجهازِ ينفعُ المريضَ، ويؤخِّرُ أو يتركُ ما غلَبَ على ظنِّه أنَّه لا ينفعُه، إذ لا جدوَى مِنْ شَغْلِ الجهاز بمَنْ لا يَنفعه العلاجُ به إلَّا إضاعةَ الأموالِ والجهودِ والأوقاتِ، علمًا أنَّ السلطةَ التَّقديريَّةَ لتقريرِ المصلحةِ الغالبةِ عندَ تزاحُمِ المصالحِ واستحالةِ الجمعِ بينها تعودُ للطَّبيبِ المُختصِّ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٩ جمادى الأولى ١٤٤٥ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٢ نـوفـــمبر ٢٠٢٣م



(١) قوله: ذو وفرةٍ بها رَدْعُ حِنَّاءٍ: أي: أنَّ شعرَ رأسِه يَصِلُ إلى شَحمةِ أذُنِه، وبه لطخٌ مِنَ الحنَّاءِ لم يَعُمَّها كُلَّها؛ [انظر: «النهاية» لابن الأثير (٢/ ٢١٥، ٥/ ٢١٠)].

(٢) أخرجه أبو داود في «التَّرجُّل» بابٌ في الخضاب (٤٢٠٦، ٤٢٠٧) مِنْ حديثِ أبي رِمثةَ رضي الله عنه؛ وانظر: «السلسلة الصحيحة» (١٥٣٧).

(٣) «شرح سُنَن أبي داود» لابن رسلان (١٦/ ٥٧٢).

(٤) انظر الفتوى رقم: (1286) الموسومة ﺑ: «في حكم الاختزال الجنينيِّ» على الموقع الرسميِّ، والفتاوى المُحالَ عليها فيها في الهامش (4).

(٥) انظر الفتوى رقم: (1181) الموسومة ﺑ: «في الموت الدماغيِّ وانتفاءِ تأثيره على الأحكام» على الموقع الرسميِّ.

(٦) وجديرٌ بالتنبيه: أنَّ الطَّبيبَ قد يُعَدُّ مِنْ مُرتكِبي جريمةِ الامتناعِ إذا كان قادرًا على إنقاذِ المريضِ أو إسعافِه لِتَوَفُّرِ أسبابِ الإنقاذِ ووسائلِه، وامتنع عنِ استعمالِهَا عمدًا؛ فإنَّه يأثَمُ على تَرْكِه ويَضمَنُ دِيَتَه على الصَّحيحِ مِنْ قولَيِ العلماء؛ لأنَّ التركَ ـ على التَّحقيقِ ـ فعلٌ على ما هو مُقَرَّرٌ في موضِعِه؛ ومثَّل الشنقيطيُّ ـ رحمه الله ـ بفروعٍ كثيرةٍ في المَذاهِب، قال: «كمَنْ مَنَعَ مضطرًّا فَضْلَ طعامٍ أو شرابٍ حتَّى مات، فعلى أنَّ التركَ فعلٌ فإنه يضمن دِيَتَه» [«مذكِّرة أصول الفقه» للشنقيطي (٣٩)].