في الفرقِ بين القاعدةِ الفقهيَّة والضَّابطِ الفقهيِّ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 11 ذي الحجة 1445 هـ الموافق لـ 17 يونيو 2024 م

الفتوى رقم: ١٣٧٤

الصنف: فتاوى الأصول والقواعد الفقهيَّة ـ القواعد الفقهيَّة

في الفرقِ بين القاعدةِ الفقهيَّة والضَّابطِ الفقهيِّ

السؤال:

يجري على لسانِ كثيرٍ مِنَ الفقهاءِ استعمالُ لفظِ «القاعدةِ» ويَعنون بها الضَّابطَ، ويَستعملون لفظَ «الضَّابطِ» ويَعنون به القاعدةَ، فهل يسوغُ مثلُ هذا الإطلاقِ دون مُراعاةِ التَّمييزِ بين القاعدةِ والضَّابطِ، أم يجبُ أَنْ يُراعى الفرقُ الاصطلاحيُّ بينهما في عمومِ الخِطاباتِ؛ وخاصَّةً ذات الصِّبغةِ الفقهيَّةِ؟

أفيدونا، جزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فممَّا ينبغي التَّنبيهُ عليه وبيانُه هو أنَّه: قبلَ أَنْ يَحْدُثَ تمييزٌ بين كلمتَيِ «القاعدة» و«الضَّابط» في المجالات الفقهيَّة، فإنَّ العديد مِنْ مؤلِّفي القواعد لم يتمسَّكوا بالفرق بين الاصطلاحَيْن، بل أَطلَقوا على ما يتضمَّن أحكامَ بابٍ واحدٍ أو أبوابٍ مختلفةٍ تسميةَ «القاعدة» غالبًا، أو تسميةَ «الكُلِّيَّات» أو «الأصول» تارةً، بل يَصِلُ الأمرُ إلى إطلاقِ كلمةِ «القاعدة» على الضَّابط، مِثلَ ما وَرَد في «قواعدِ ابنِ رجبٍ الحنبليِّ(١)»، حيث أَدرجَ جملةً مِنَ الضَّوابطِ تحت عنوانِ القواعد، وقد أشار إلى ذلك في مقدِّمةِ كتابِه، مثل قولِه في «القاعدة الثَّانية»: «شعرُ الحيوانِ في حُكمِ المنفصلِ عنه لا في حُكمِ المتَّصِل»(٢)، أو في «القاعدة السَّادسةِ والثَّلاثين»: «مَنِ استأجرَ عينًا ممَّنْ له ولايةُ الإيجارِ ثُمَّ زالتْ ولايتُه قبل انقضاءِ المدَّة، فهل تَنفسِخُ الإجارةُ؟»(٣)؛ وكذلك فعَلَ بدرُ الدِّين محمَّدٌ البكريُّ(٤) في كتابه «الاعتناء في الفرق والاستثناء»، حيث اشتمل مؤلَّفُه على سِتِّمِائةِ قاعدةٍ مُعظَمُها ضوابطُ فقهيَّةٌ قيِّمةٌ؛ ويُطلق ـ أحيانًا ـ على فرعٍ مخصوصٍ لفظة «قاعدةٍ» بِاعتبارِ مآلِ ذلك الفرعِ إلى أصلٍ هو قاعدةٌ كُلِّيَّةٌ مِنْ بابِ إطلاقِ الجزءِ وإرادةِ الكُلِّ، وهو ما درَجَ على استعماله أبو حامدٍ الغزَّاليُّ(٥).

وقد أشار إلى ذلك تاجُ الدِّينِ السُّبكيُّ ـ رحمه الله ـ بقوله: «فإِنْ قلتَ: فخرَجَ عن القاعدةِ نحوُ قول الغزَّاليِّ ـ رحمه الله ـ في «الوسيط»: «قاعدة: لو تَحرَّم بالصَّلاة في وقت الكراهة ففي الانعقاد وجهان»، فقَدْ أَطلقَ القاعدةَ على فرعٍ منصوصٍ، قلتُ: إنَّما أَطلقَها عليه لِمَا تضمَّنَتْه مِنَ المأخذ المقتضي للكراهة، لأنَّ فِعلَ الشَّيءِ في الوقت المنهيِّ عنه: هل ينافي حصولَه؟ فلمَّا رجَعَ الفرعُ إلى أصلٍ هو قاعدةٌ كُلِّيَّةٌ حَسُنَ إطلاقُ لفظِ القاعدة عليه، وذلك نظيرُ قولِه ـ أيضًا ـ: قواعدُ ثلاثٌ:

ـ الأولى: التَّطوُّعات الَّتي لا سببَ لها لا حصرَ لركعاتها.

ـ الثَّانية: في قضاء النَّوافلِ أقوالٌ.

ـ الثَّالثة: تُؤدَّى النَّوافلُ قاعدًا مع القدرة.

وقال في «الوجيز»: «قاعدة: ينكشف حالُ الخُنثى بثلاثِ طُرُقٍ»، وقال ـ وتَبِعه الرَّافعيُّ وغيرُه ـ فيما إذا وهبَتِ المرأةُ الزَّوجَ صَداقَها: قاعدةٌ في ألفاظ التَّبرُّع، وقاعدةٌ في أنَّ الوليَّ: هل له العفوُ عن الصَّداق؟ وأمثلةُ هذا كثيرةٌ؛ فاعْتَبِرْ ممَّا تراه بما أَرَيْناك»(٦).

وقد أَدرجَ بعضُ أهلِ العلم تحت عنوانِ «القواعد الخاصَّة» كثيرًا مِنَ الضَّوابطِ الفقهيَّة، أمَّا ما كان أعمَّ وأَكملَ منها مِنْ حيثُ شمولُ الفروعِ والمَعاني فقد عبَّر عنها ﺑ: «القواعد العامَّة»(٧).

هذا، ومع تعاقُبِ العصور وتطوُّرِ مفهومِ الضَّابط إلى أخصَّ ممَّا كان، لاحَظَ العلماءُ(٨) الفرقَ والْتزَمُوا الدِّقَّةَ بين الكلمتين ـ القاعدةِ والضَّابطِ ـ مِنَ النَّاحيةِ الاصطلاحيَّة، وتجلَّى التَّمييزُ بينهما مِنَ الحيثيَّاتِ الآتية:

ـ مِنْ حيثُ النِّطاقُ:

القاعدةُ الفقهيَّةُ تجمعُ فروعًا ومسائلَ مِنْ مختلفِ أبوابِ الفقه، فقاعدةُ: «زَوال الضَّررِ بلا ضَرَرٍ» فإنَّ تطبيقَها في مسائلَ كثيرةٍ في مُعظَمِ الأبوابِ الفِقهيَّة، وقاعدةُ: «الأُمورُ بمَقاصِدِها» فهي شاملةٌ لمباحثِ العباداتِ بشتَّى أنواعِها ومختلفِ أنواعِ المعاملات الماليَّةِ وغيرِ الماليَّة(٩).

بينما الضَّابطُ فإنَّه يجمعُها مِنْ بابٍ واحدٍ، أو يدورُ معناها على موضوعٍ واحدٍ، مِثلَ قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ»(١٠) فهو يُمثِّل ضابطًا فقهيًّا لا يتعدَّى موضوعَه، ويغطِّي بابًا واحدًا مخصوصًا، ومِثلَ قولِ بعضِهم: «ليس لنا عبادةٌ يجبُ العزمُ عليها ولا يجبُ فِعلُها سوى الفارِّ مِنَ الزَّحف: لا يجوزُ إلَّا بقصدِ التَّحيُّزِ إلى فئةٍ، وإذا تَحيَّز إليها لا يَجبُ القتالُ معها في الأصحِّ، لأنَّ العزمَ مرخِّصٌ له في الانصرافِ لا مُوجِبٌ للرُّجوعِ»(١١)، ومثلُه: «ما اقتضى عمدُه البطلانَ اقتضى سهوُه السُّجودَ إذا لم يُبطِل»(١٢).

ـ مِنْ حيث المُستثنَيَات:

الشُّذوذُ والمُستثنَيَاتُ في القاعدةِ الفقهيَّةِ أكثرُ ممَّا هو عليه الضَّابطُ الفِقهيُّ، لكونِ الضَّابطِ يتضمَّنُ موضوعًا واحدًا تَضيقُ معانيهِ وتَقِلُّ فُروعُه، فلا يُتسامَحُ فيه بشُذوذٍ كثيرٍ، بخلافِ القاعدة.

ـ مِنْ حيث الاختصاص:

القاعدةُ الفِقهيَّةُ لا تختصُّ بمذهبٍ معيَّنٍ، فهي ـ في الأغلبِ ـ محلُّ اتِّفاقٍ بين فقهاءِ المذاهبِ أو أكثرِهم، بخلافِ الضَّابطِ فلا يَخرجُ عن حدودِ مذهبٍ فقهيٍّ معيَّنٍ، بل قد تَنضبِطُ به وجهةُ نظرٍ خاصَّةٍ بفقيهٍ وإِنْ خالفَ غيرَه مِنَ الفقهاءِ مِنْ نفسِ المذهبِ(١٣).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٤ مِنْ ذي القعدة ١٤٤٥ هـ
المُـوافق ﻟ: ٢٢ مــايــــــــو ٢٠٢٤م



(١) هو أبو الفَرَج زَينُ الدِّين عبدُ الرَّحمنِ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ رجبٍ الحنبليُّ البغداديُّ ثمَّ الدِّمشقيُّ الملقَّبُ ﺑ زَيْنِ الدِّين بنِ رجبٍ وهو لقبُ جدِّه عبدِ الرَّحمن؛ الإمامُ المحدِّثُ الفقيه الواعظ الزَّاهد؛ له مصنَّفاتٌ كثيرةٌ مُفيدةٌ منها: «شرحُ جامعِ التِّرمذيِّ»، و«شرحُ عِلَل التِّرمذيِّ»، و«شرحُ الأربعين النَّوويَّة» أو «جامعُ العلومِ والحِكَم»، و«القواعدُ الفقهيَّة»، و«الاستخراجُ لأحكام الخَرَاج»؛ تُوُفِّيَ ـ رحمه الله ـ بدمشقَ سَنَةَ: (٧٩٥ﻫ ـ ١٣٩٢م)؛ [انظر ترجمته في: «الدُّرَر الكامنة» لابن حجر (٢/ ٣٢١)، «طبقات الحُفَّاظ» للسُّيوطي (٥٤٠)، «شَذَرات الذَّهب» لابن العِماد (٦/ ٣٣٩)، «البدر الطَّالع» للشَّوكاني (١/ ٣٢٨)، «الفكر السَّامي» للحَجْوي (٢/ ٤/ ٣٦٨)، «فهرس الفهارس» للكتَّاني (١/ ٤٤١، ٢/ ٦٣٦)، «مُعجَم المؤلِّفين» لكحالة (٢/ ٧٤)].

(٢) «قواعد ابنِ رجب» (٤).

(٣) المصدر نفسه (٤٤).

(٤) هو بدر الدِّين محمَّدُ بنُ [أبي بكر] [بنِ] سليمانَ الشَّرفِ ابنِ الإمام الزَّكيِّ البكريُّ المِصريُّ؛ أحَدُ فُضَلاءِ الشَّافعيَّة؛ مِنْ آثاره: «إحياءُ قلوبِ الغافلين في سيرةِ سيِّدِ الأوَّلين»، و«الاعتناءُ في الفرق والاستثناء»؛ قال السَّخاويُّ: «... ممَّنْ أخَذَ عنه: التَّقِيُّ بنُ فهدٍ وغيرُه ممَّنْ أخَذْنا عنه كالشَّمسِ أبي عبدِ الله البنهاويِّ الأشبوليِّ، وما وقفتُ له على ترجمةٍ» اﻫ؛ تُوُفِّيَ ـ رحمه الله ـ سَنَةَ: (٨٧١ﻫ ـ ١٤٦٦م)، وقِيلَ: سَنَةَ: (١٠٦٢ﻫ) والأوَّلُ أصحُّ لِتَقدُّمه على الحافظ السَّخاويِّ (ت: ٩٠٢ﻫ) الَّذي ذكَرَه وذكَرَ كتابَه في «الضَّوء اللَّامع»؛ [انظر ترجمته في: «الضَّوء اللَّامع» للسَّخاوي (٧/ ١٦٩)، «إيضاح المكنون» (١/ ٩٨) و«هديَّة العارفين» (٢/ ٢٨٦) كلاهما لإسماعيل البغدادي، «مُعجَم المؤلِّفين» لكحالة (٣/ ٣٣١)].

(٥) هو أبو حامدٍ محمَّد بنُ محمَّد بنِ محمَّدِ بنِ أحمد الغزَّاليُّ الطُّوسيُّ الشَّافعيُّ الملقَّبُ بحجَّة الإسلام؛ وَصَفه ابنُ السُّبكيِّ ﺑ «جامعِ أشتات العلوم، والمبرِّز في المنقول منها والمفهوم»، صاحبُ التَّصانيفِ المُفيدة العديدة ﻛ: «المستصفى» و«المنخول» في أصول الفقه، و«الوسيط» و«البسيط» و«الوجيز» و«الخلاصة» في الفقه، وله «إحياءُ علومِ الدِّين»، و«تهافُتُ الفلاسفة»، و«معيارُ العلم»، و«المُنقِذُ مِنَ الضَّلال»؛ تُوُفِّيَ ـ رحمه الله ـ سَنَةَ: (٥٠٥ﻫ)؛ [انظر ترجمته في: «تبيين كذِب المُفتري» لابن عساكر (٢٩١)، «اللُّباب» (٢/ ٣٧٩) و«الكامل» (١٠/ ٤٩١) كلاهما لابن الأثير، «وفَيَات الأعيان» لابن خلِّكان (٤/ ٢١٦)، «سِيَر أعلام النُّبَلاء» للذَّهبي (١٩/ ٣٢٢)، «طبقات الشَّافعيَّة الكبرى» للسُّبكي (٦/ ١٩١)، «طبقات الشَّافعيَّة» للإسنوي (٢/ ١١١)، «البداية والنِّهاية» لابن كثير (١٢/ ١٧٣)، «وفَيَات ابنِ قنفذ» (٢٢٦)، «شَذَرات الذَّهب» لابن العِماد (٤/ ١٠)، «الأعلام» للزِّرِكلي (٧/ ٢٢)].

(٦) «الأشباه والنَّظائر» لابن السُّبكي (١/ ١١ ـ ١٢).

(٧) وهو صنيعُ تاجِ الدِّين السُّبكيِّ ـ رحمه الله ـ في «أشباهه»؛ [انظر الكلامَ في «القواعد العامَّة» (ص ١/ ٩٤ وما بعدها)، والكلامَ في «القواعد الخاصَّة» (ص ١/ ٢٠٠ وما بعدها).

(٨) أمثال: ابنِ السُّبكيِّ في «أشباهه» (١/ ١١)، والسُّيوطيِّ في «الأشباه والنَّظائر في النَّحو» (١/ ٧ وما بعدها)، وابنِ نُجيمٍ في «الأشباه والنَّظائر» (١٩٢)، والبَنَّانيِّ في «حاشِيَتِه على شرح الجلال المَحلِّي على جمع الجوامع» (٢/ ٢٩٠)، وغيرِهم.

(٩) تتفاوت القواعدُ الفقهيَّةُ في تطبيقاتها شُمولًا واتِّساعًا، فبعضُها يَحُلُّ في جُلِّ الأبوابِ ومُعظَمِ الموضوعاتِ كقاعدةِ: «الأمورُ بمَقاصِدِها» فإنَّها تدخل في سبعين بابًا على ما صرَّح به الإمامُ الشَّافعيُّ، [انظر: «الأشباه والنَّظائر» للسُّيوطي (٩)]، وقاعدةِ: «الضَّررُ يُزالُ» ففيها مِنَ الفقه ما لا حصرَ له، ولعلَّها تتضمَّن نِصفَه، [انظر: «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (٤/ ٤٤٣ ـ ٤٤٤)]، في حينِ لا تتَّسِعُ قواعدُ أخرى إلَّا لليسيرِ مِنَ المسائلِ في أبوابٍ قليلةٍ كقاعدةِ: «الدَّفعُ أقوى مِنَ الرَّفع» فلم يُذكَرْ فيها سوى الفروعِ المتعلِّقة بالطَّهارة والحجِّ والنِّكاحِ والإمامة، [انظر: «الأشباه والنَّظائر» للسُّيوطي (١٣٨)].

(١٠) أخرجه مسلمٌ في «الحيض» (٤/ ٥٣) بابُ طهارةِ جلودِ المَيْتة بالدِّباغ، وأبو داود في «اللِّباس» (٤/ ٣٦٧) بابٌ في أُهُبِ المَيْتة، والتِّرمذيُّ في «اللِّباس» (٤/ ٢٢١) بابُ ما جاء في جلود المَيْتة إذا دُبِغَتْ، والنَّسائيُّ في «الفَرَع والعتيرة» (٧/ ١٧٣) بابُ جلودِ المَيْتة، وابنُ ماجه في «اللِّباس» (٢/ ١١٩٣) بابُ لُبسِ جلودِ المَيْتة إذا دُبِغَتْ، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، واللَّفظُ للتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ وابنِ ماجه.

(١١) «الأشباه والنَّظائر» للسُّيوطي (١٣).

(١٢) «الأشباه والنَّظائر» لابن السُّبكي (١/ ٢١٨).

(١٣) انظر: «الوجيز» للبورنو (٢٤).