في حكم غَسْلِ بعض أجزاء الميِّت وكفنِه والصلاة عليه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 20 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١٤٧

الصنف: فتاوى الجنائز

في حكم غَسْلِ بعض أجزاء الميِّت
وكفنِه والصلاة عليه

السؤال:

وُجِد ـ في قريتنا ـ جسمٌ لإنسانٍ مقطوعِ الرأس، وبعد التعرُّف على شخصيته لم يعثروا على بقيَّةِ جسمه، واختلفوا في غَسْله وكَفَنِه والصلاةِ عليه بهذه الصورة، وما دام الأمرُ مُستعجَلًا فيُرْجى منكم الجوابُ عن حكم غَسْلِ بعض الميِّت ـ كأطرافه وأجزائه ـ وكفَنِه والصلاةِ عليه؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلم يختلف أهلُ الفقه في أنَّ غَسْلَ الميِّت المسلمِ وتكفينَه والصلاة عليه ودَفْنَه فرضُ كفايةٍ؛ لأَمْرِه صلَّى الله عليه وسلَّم ومحافظةِ المسلمين عليه. كما اتَّفق الأئمَّةُ الأربعةُ وغيرُهم على أنَّ الميِّت المسلم إِنْ وُجِد أكثرُ مِنْ نصفه غُسِّل وصُلِّيَ عليه ودُفِن.

غيرَ أنهم يختلفون فيما إذا عُثِر على نصفه أو دون النصف على قولين، والمختارُ في ذلك مذهبُ الشافعيِّ وأحمد(١) وابنِ حزمٍ الظاهريِّ(٢)، وهو أَنْ تُغْسل أطرافُه وتُكفَّن ويُصلَّى عليه وإِنْ كان دون النصف أو أقلَّ منه، خلافًا لأبي حنيفة ومالكٍ، اللَّهمَّ إلَّا أَنْ يكون شهيدًا فلا يُغَسَّل ـ وإِنْ كان جُنُبًا ـ ولا يُصلَّى عليه(٣).

ويدلُّ على مشروعية الغَسْل والتكفين والصلاةِ فعلُ الصحابة، مِنْ ذلك: صلاةُ عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه على عظامٍ بالشام، وصلاةُ أبي أيُّوب الأنصاريِّ على رِجْلٍ(٤)، وبما نَقَله الشافعيُّ قال: «وبَلَغَنا أنَّ طائرًا ألقى يدًا بمكَّةَ في وقعة الجمل فعرفوها بالخاتم، فغسَّلوها وصلَّوْا عليها»(٥)، وكان ذلك بمَحْضَرِ الصحابة.

هذا كُلُّه إِنْ لم يكن قد صُلِّيَ عليه؛ فإنه يُغَسَّل ويُصلَّى على ذلك الجزء ويُدْفَن؛ لأنَّ الآثار السابقة ـ وإِنْ كانَتْ دائرةً بين الضعف والإرسال ـ إلَّا أنَّ الأقرب إلى الصوابِ هو هذا القولُ؛ لأنه مُوافِقٌ لأصل وجوب الصلاة على المسلم، وإذا جازَتِ الصلاةُ على الميِّت الغائب فإنه تجوز على جزءٍ منه جريًا على الكُلِّ.

أمَّا إذا صُلِّيَ عليه ثمَّ وُجِد جزءٌ منه فإنه يُغَسَّلُ ويُدْفَن مِنْ غير صلاةٍ.

غيرَ أنه إِنْ صلَّى على بعضه فإنه ينوي الصلاةَ على كُلِّه: جسدِه وروحِه على ما قرَّره أهلُ العلم.

وهذا كُلُّه إِنْ تَيقَّنَ موتَه، فإِنْ كان العضوُ قُطِع مِنْ حيٍّ كَيَدِ السارق، أو شكَّ في العضو: أهو مُنفصِلٌ مِنْ حيٍّ أو ميِّتٍ؛ لم يُصَلِّ عليه ـ على أرجحِ الأقوال(٦) ـ عملًا بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ»(٧).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 


(١) انظر: «المجموع» للنووي (٥/ ٢٥٣ ـ ٢٥٥).

(٢) انظر: «المحلَّى» لابن حزم (٥/ ١٣٨).

(٣) وعدمُ الصلاة على الشهيد لا يُنافي مشروعيةَ الصلاة عليه بدون وجوبٍ؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم صلَّى على حمزة رضي الله عنه دون بقيَّةِ شُهَداءِ أُحُدٍ، كما صلَّى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على أهل أُحُدٍ بعد ثماني سنين صلاتَه على الميِّت كالمودِّع للأحياء والأموات، [راجِعْ: «أحكام الجنائز» للألباني (٤٥ ـ ٨٢)].

(٤) قال الألبانيُّ في «الإرواء» (٣/ ١٦٩): «موقوفاتٌ ضعيفةٌ».

(٥) انظر: «الأمَّ» للشافعي (١/ ٢٦٨).

(٦) انظر: «المجموع» للنووي (٥/ ٢٥٤).

(٧) أخرجه الترمذيُّ في «صفة القيامة» (٢٥١٨)، والنسائيُّ في «الأشربة» باب الحثِّ على تركِ الشُّبُهات (٥٧١١)، مِنْ حديثِ الحسن بنِ عليٍّ رضي الله عنهما. وصحَّحه أحمد شاكر في تحقيقه ﻟ: «مسند أحمد» (٣/ ١٦٩)، والألبانيُّ في «الإرواء» (١/ ٤٤) رقم: (١٢) وفي «صحيح الجامع» (٣٣٧٧)، والوادعيُّ في «الصحيح المسند» (٣١٨).