في ردِّ مقالة الصوفية في تركِهم لعبادتَيِ الخوف والرجاء | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 21 ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 22 أغسطس 2019 م



الفتوى رقم: ١٥٧

الصنف: فتاوى العقيدة - التوحيد وما يُضادُّه - الألوهية والعبادة

في ردِّ مقالة الصوفية في تركِهم لعبادتَيِ الخوف والرجاء

السؤال:

فضيلةَ الشيخ، هل يعبد المسلمُ اللهَ تعالى لأنه يَستحِقُّ العبادةَ، أم يعبده طمعًا في جنَّته وخوفًا مِنْ ناره؟ وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ مِنْ حقِّ اللهِ سبحانه وتعالى على عِبادِه توحيدَه وإخلاصَ العبادة له سبحانه، وهو يأمر عِبادَه أَنْ يَدْعوه ويعبدوه خوفًا مِنْ نارِه وعذابِه وطمعًا في جنَّتِه ونعيمِه، قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًا [الأعراف: ٥٦]، والخوفُ والرغبةُ مِنْ أنواع العبادة المقرِّبة إليه سبحانه؛ إذ الخوفُ مِنَ الله يحمل العبدَ على الابتعاد عن المعاصي والنواهي، والطمعُ في جنَّته يحفِّزه على العملِ الصالحِ وكُلِّ ما يُرْضي اللهَ تعالى؛ لذلك امتدح اللهُ أنبياءَه الذين هم أَكْمَلُ الناسِ عقيدةً وإيمانًا وأحوالًا، فوَصَفهم في عبادتهم وتقرُّبهم ودعائهم بقوله: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ ٩٠ [الأنبياء]، أي: راغبين في جنَّته وخائفين مِنْ عذابه، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿نَبِّئۡ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٤٩ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلۡعَذَابُ ٱلۡأَلِيمُ ٥٠ [الحجر]، وقال تعالى ـ وهو يُخاطِبُ رسولَه الكريم ـ: ﴿قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٥ [الأنعام: ١٥، الزُّمَر: ١٣]، وممَّا يؤكِّد ذلك مِنَ السنَّةِ أحاديثُ كثيرةٌ منها ما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم لِرَجُلٍ: «مَا تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ؟» قَالَ: «أَتَشَهَّدُ ثُمَّ أَسْأَلُ اللهَ الجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِهِ مِنَ النَّارِ، أَمَا وَاللهِ مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ»، قَالَ: «حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ»(١)؛ فإذا كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ وهو أَكْمَلُ الخَلْقِ وأَعْلَمُهم بالله وأَخْشاهم له ـ يُدَنْدِن بدعائه حول الجنَّةِ فحَرِيٌّ بأمَّتِه أَنْ تقتديَ به؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا ٢١ [الأحزاب].

ولا شكَّ أنَّ عبادة الله تعالى مجرَّدةً عن الرجاء والخوف والرغبة والرهبة تؤدِّي ـ بطريقٍ أو بآخَرَ ـ إلى التدرُّج إلى غاياتٍ فاسدةٍ أخرى على نحوِ ما سعى إليه المتصوِّفةُ، وهي: القولُ بالفَناء في الربِّ، وما جرَّهم إلى عقيدة الحلول، وفي نهايةِ المَطاف إلى وحدة الوجود.

هذا، والصوفية في مُعتقَدهم خالَفوا هذه النصوصَ الصريحة في دعوتهم إلى أَنْ تكون عبادةُ الله لا خوفَ فيها مِنَ النار ولا طَمَعَ فيها في الجنَّة، بل يجعلون ذلك مِنَ الشرك بالله تعالى كما جاء عن بعضِ المفسِّرين المتصوِّفة؛ فهؤلاء يتركون صريحَ القرآنِ والسنَّةِ وما أجمعَتْ عليه الأمَّةُ، ويستشهدون بقولِ رابِعةَ العدويةِ(٢): «اللَّهمَّ، إِنْ كنتُ أعبدُكَ طمعًا في جنَّتك فاحْرِمْني منها، وإِنْ كنتُ أعبدُك خوفًا مِنْ نارك فاحْرِقْني فيها»، وبقولِ عبد الغنيِّ النابلسيِّ(٣): «مَنْ كان يعبد اللهَ خوفًا مِنْ نارِه فقَدْ عَبَدَ النارَ، ومَنْ عَبَدَ اللهَ طلبًا للجنَّة فقَدْ عَبَد الوَثَنَ»، فاللهُ المستعان.

ولا يخفى أنَّ هذه الأقوالَ مُخالِفةٌ لعبادة الملائكة الذين ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ [النحل: ٥٠]، وعبادةِ الأنبياء الذين يعبدون اللهَ رغَبًا ورهَبًا ـ كما تقدَّم ـ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٨ رجب ١٤٢٤ﻫ
الموافق ﻟ: ١٢ سبتمبر ٢٠٠٣م

 


(١) أخرجه ابنُ ماجه في «الدعاء» باب الجوامع مِنَ الدعاء (٣٨٤٧) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٣١٦٣).

(٢)     هي أمُّ الخيرِ رابعةُ بنتُ إسماعيل العدويةُ البصرية، مولاةُ آل عتيكٍ، صوفيةٌ مشهورةٌ، ظَهَرَتْ منها أقوالٌ مُستَنْكَرةٌ في الحبِّ والعشق الإلهيِّ للتعبير عن المحبَّة بين العبد وربِّه، تُوُفِّيَتْ بالقدس سنة: (١٨٥ﻫ) على الأصحِّ.

انظر ترجمتها في:«تاريخ بغداد» للخطيب (٢/ ٣٩)، «وفيات الأعيان» لابن خِلِّكان (٢/ ٢٨٥)، «سِيَر أعلام النُّبَلاء» للذهبي (٨/ ٢٤١)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١٠/ ١٨٦)، «طبقات الأولياء» لابن الملقِّن (٤٠٨)، «شذرات الذهب» لابن العماد (١/ ١٩٣)، «أعلام النساء» لكحالة (١/ ٤٣٠).

(٣)      هو عبد الغنيِّ بنُ إسماعيل بنِ عبد الغنيِّ النابلسيُّ الدمشقيُّ الحنفيُّ، متصوِّفٌ سَلَك الطريقةَ القادرية على شيخه عبد الرزَّاق الكيلاني، والطريقةَ النقشبندية على شيخه سعيدٍ البلخيِّ، له تصانيفُ في التصوُّف وديوانُ شعرٍ، كما له رحلاتٌ عديدةٌ، واستقرَّ في دمشق حتَّى وفاته سنة: (١١٤٣ﻫ).

انظر ترجمته في:«خلاصة الأثر» للمُحِبِّي (٢/ ٣٩٥)، «معجم المؤلِّفين» لكحالة (٢/ ١٧٦)، «الأعلام» للزركلي (٤/ ٣٢)، «معجم أعلام شعراء المدح النبوي» لدرنيقة (٢٣٤).