في حكم الخُلْع على إسقاط الحضانة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 15 ذي القعدة 1445 هـ الموافق لـ 23 مايو 2024 م



الفتوى رقم: ١٥٩

الصنف: فتاوى الأسرة ـ انتهاء عقد الزواج ـ الخُلع

في حكم الخُلْع على إسقاط الحضانة

السؤال:

لو تتكرَّمون ـ أَحسنَ اللهُ إليكم ـ بالإجابة على مسألةٍ تطرحها إحدى الأخوات، فستكون لكم مِنَ الشاكرين، ولمعروفكم مِنَ الذاكرين، واللهُ لا يُضِيعُ أجرَ المحسنين، وخُلاصةُ المسألة: أنَّ المرأة ـ بعد استحالة العيش مع زوجها لأمورٍ عديدةٍ ـ سَعَتْ في طلبِ سَراحِها، ولم تتمكَّنْ إلَّا بشرطٍ شُرِط عليها في مجلسٍ حَضَره شهودٌ؛ وهذا الشرطُ هو تمكينُ المرأةِ هذا الرَّجلَ مِنِ استلام الوليد ـ الذي كان إذ ذاك حملًا ـ بعد سنتين؛ فقَبِلَتِ المرأةُ الشرطَ قَبولَ المُكْرَهِ في صورة المختار لأنَّها لم تَجِدْ لها سبيلًا للخلاص إلَّا هذا؛ وهي ـ الآنَ ـ تسأل: هل مِثْلُ هذا الشرطِ جائزٌ شرعًا؟ وهل يَلْزَمُها الوفاءُ به؟ وهل يترتَّبُ عليها ـ إِنْ هي رجعَتْ فيه ـ إثمٌ؟ هذا مُلخَّصُ سؤالها. وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فهذه المسألة ترجع إلى الاختلاف في التكييف الشرعيِّ للحضانة: أهي حقٌّ للحاضنة، أم واجبٌ عليها، أم الحضانةُ حقٌّ مشترَكٌ بين الصغير وأمِّه، أم هي حقٌّ خاصٌّ للولد الصغير؟ علمًا أنَّ الأصل في الحضانةِ أَنْ تكون للنساء على الأولاد الصغار ذكورًا وإناثًا؛ لأنَّهنَّ أشفقُ وأرفقُ وأهدى إلى تربية الصغار وتأديبِهم.

وأرجحُ الأقوالِ في هذه المسألةِ: أنَّ الحضانة حقٌّ للولد الصغير؛ لاحتياجه إلى مَنْ يرعاه ويحفظه ويقوم على شؤونه ويتولَّى تربِيَتَه؛ فمشروعيَّةُ الحضانةِ قائمةٌ على أساسِ تحصيلِ مصلحة الصغير المحضون، وهي أحقِّيَّةٌ ثابتةٌ لهذا المعنى، لا مِنْ أجلِ تحصيلِ مصلحة المُستحِقِّ للحضانة؛ وعليه فالحضانةُ حقٌّ مشروعٌ ثابتٌ مِنْ أجلِ تحصيلِ مصلحة الصغير، وكُلُّ مَنْ هو أقدرُ على تحقيقِ مَصالحِه وتحصيلِ منافعِه ورعايتِه كان أَوْلَى به.

هذا، وإذا كانَتِ الحضانةُ حقًّا للولد الصغير فإنَّ الأمَّ تُجْبَرُ عليها ـ لزومًا ـ إذا احتاج الطفلُ إليها؛ حتَّى لا يَضيعَ حقُّه في الحفظ والرعاية والتربية والتأديب؛ وكُلُّ شرطٍ وَقَع لإهدارِ حقِّ الولد المشروعِ في الحضانة لمَنْ كان أَقْدَرَ على تحصيلِ مصالحِه فهو باطلٌ؛ فإذا اختلعَتِ المرأةُ مِنْ زوجِها على أَنْ تترك له ولَدَها فالخُلعُ جائزٌ صحيحٌ، والشرطُ فاسدٌ ويقع لاغيًا لا يَلْزَمُها الوفاءُ به؛ لأنَّه إذا ثَبَت أنَّ هذا مِنْ حقِّ الولد فليس له ولا لها أَنْ تُبْطِله بالشرط؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ»(١)، أي: ليس في كتاب اللهِ جوازُه أو وجوبُه، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا»(٢).

وهذا بخلافِ ما لو تزوَّجَتْ: لم تكن أحَقَّ بالحضانة؛ لانشغالها بخدمةِ زوجها؛ فلا منفعةَ للولد في كونه عندها؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي»(٣)؛ وتُناطُ الحضانةُ بمَنْ يَليها في الاستحقاق لتحصيلِ مصلحةِ المحضون نظرًا لوجودِ مانع الزواج؛ ويعود حقُّ الحضانة لها إذا زال المانعُ؛ بناءً على قاعدةِ: «إِذَا زَالَ المَانِعُ عَادَ المَمْنُوعُ».

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٧ ربيع الأوَّل ١٤٢٥ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٥ جوان ٢٠٠٤م

 



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه بهذا اللفظِ النسائيُّ في «الطلاق» بابُ خيارِ الأَمَة تُعتَقُ وزوجُها مملوكٌ (٣٤٥١)، وابنُ ماجه في «العتق» باب المكاتب (٢٥٢١)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها، وهو حديثُ عِتق بريرة رضي الله عنها، وهو في الصحيحين بلفظِ: «مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ...»: أخرجه البخاريُّ في «البيوع» باب: إذا اشترط شروطًا في البيع لا تَحِلُّ (٢١٦٨)، ومسلمٌ في «العتق» (١٥٠٤)، وانظر: «إرواء الغليل» للألباني (٥/ ١٥٢).

(٢) أخرجه الترمذيُّ في «الأحكام» بابُ ما ذُكِر عن رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في الصلح بين الناس (١٣٥٢) مِنْ حديثِ عمرو بنِ عوفٍ المُزَنيِّ رضي الله عنه، وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ». قال ابنُ تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ١٤٧): «وهذه الأسانيد ـ وإِنْ كان الواحدُ منها ضعيفًا ـ فاجتماعُها مِنْ طُرُقٍ يَشُدُّ بعضُها بعضًا»، وصحَّحه بمجموعِ طُرُقِه الألبانيُّ في «الإرواء» (٥/ ١٤٢) رقم: (١٣٠٣) و«السلسلة الصحيحة» (٢٩١٥).

(٣) أخرجه أبو داود في «الطلاق» باب: مَنْ أحقُّ بالولد؟ (٢٢٧٦)، والدارقطنيُّ (٣٨٠٨)، والحاكم (٢٨٣٠)، وأحمد (٦٧٠٧)، والبيهقيُّ (١٥٧٦٣)، مِنْ حديثِ عمرو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عبد الله بنِ عمرٍو رضي الله عنهما. وصحَّحه ابنُ الملقِّن في «البدر المنير» (٨/ ٣١٧)، وابنُ كثيرٍ في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٢٥٠)، وأحمد شاكر في تحقيقه ﻟ «مسند أحمد» (١٠/ ١٧٧)، وحسَّنه الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٧/ ٢٤٤) رقم: (٢١٨٧) وفي «السلسلة الصحيحة» (١/ ٧١٠) عند الحديث رقم: (٣٦٨).