في حكم يمين المحامي التي يؤدِّيها قبل مباشرةِ عملِه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 12 ربيع الآخر 1442 هـ الموافق لـ 28 نوفمبر 2020 م



الفتوى رقم: ١٦٤

الصنف: فتاوى الأيمان والنذور

في حكم يمين المحامي التي يؤدِّيها قبل مباشرةِ عملِه

السؤال:

نريد الاستفسارَ حول حكمِ القَسَمِ الذي يؤدِّيه المحامي قبل مُباشَرةِ عمله، فأنتم ـ كما تعلمون ـ أنَّه لا يمكن لأيِّ مُحامٍ أَنْ يصبح كذلك حتَّى يؤدِّيَ اليمينَ القانونية، وصيغتُه كالتالي: «أُقْسِمُ بالله العليِّ العظيم أَنْ أؤدِّيَ أعمالي بأمانةٍ وشرفٍ، وأَنْ أحافِظَ على سرِّ المهنة وتقاليدها وأهدافها النبيلة، وأَنْ أحترم القوانين».

والذي نريد أَنْ نوضِّحه لكم ونستفسرَ عنه هو ما إذا كان المحامي مستقيمًا وطالِبَ علمٍ شرعيٍّ ويخشى اللهَ تعالى فإنَّه لا يمكنه مُباشَرةُ أيِّ قضيَّةٍ حتَّى يَزِنَها بميزان الشرع، فإِنْ لم يجد مُعارَضةً للشرع أَقْدَمَ عليها. والمحامي بما أنَّه يعمل لحسابه الخاصِّ فهو أميرُ نَفْسِه وله مجالٌ واسعٌ في اختيار القضايا التي يقتنع بوجود الظلم فيها؛ وعلى هذا يكون سؤالُنا باختصار: هل يجوز للمحامي أَنْ يؤدِّيَ هذا اليمينَ مُعْتَقِدًا وقاصدًا في جزئه الخاصِّ «وأَنْ أحترم القوانين»: احترام القوانين المُسايِرةِ للشرع دون غيرها مِنَ القوانين؟ أثابكم الله وجزاكم خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمحامي ـ في القضاء ـ هو الوكيل بالخصومة أي: المدافع عن أحَدِ الخصمين(١)، فإِنْ كانَتْ مُرافَعتُه في القضاء الشرعيِّ المُنْبَثِقِ مِنَ الشريعة الإسلامية ـ كما هو شأنُ المرافعة في أحكام الأحوال الشخصية والوصايا والميراثِ ونحوِها ـ فإنَّ حُكْمَ مُرافَعتِه يختلف باختلافِ نوعِ الحماية التي يقوم بها، حقًّا كانَتْ أم باطلًا، وحكمُ التعاونِ في الحالتين منصوصٌ عليه في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ[المائدة: ٢]، والحكمُ بالتنزيل في كُلِّ ما تَنازَعَتْ فيه الأمَّةُ سواءٌ كان في الأمور الاعتقادية أم العملية واجبٌ على كُلِّ مسلمٍ لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا ٥٩[النساء].

أمَّا إذا كانَتِ المرافعةُ فيما عدا القضاءَ الشرعيَّ مِنَ التشريعات الوضعيةِ المُنافِيةِ له فإنَّها تُعَدُّ مِنَ التحاكم إلى غيرِ شرعِ الله تَبارَكَ وتعالى؛ فحكمُه إِنْ لم يكن كفرًا فهو محرَّمٌ باتِّفاقٍ وفاعلُه آثمٌ؛ لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا ٦٠[النساء]، ولقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥[النساء]، والآياتُ مُتضافِرةٌ في هذا المعنى قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «فمَنْ لم يَلتزِمْ تحكيمَ اللهِ ورسولِه فيما شَجَر بينهم فقَدْ أقسم اللهُ بنفسه أنه لا يؤمن، وأمَّا مَنْ كان مُلتزِمًا لحكمِ الله ورسولِه باطنًا وظاهرًا، لكِنْ عصى واتَّبع هواه؛ فهذا بمنزلةِ أمثالِه مِنَ العُصَاة»(٢).

والقَسَمُ مِنْ لوازمِ عمله الوظيفي، والحكمُ على صفة العمل هو حكمٌ على لازِمِه.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٤ رمضان ١٤٢٢ﻫ
الموافق ﻟ: ١٠ ديسمبر ٢٠٠١م

 


(١) انظر: «المعجم الوسيط» (١/ ٢٠١).

(٢) «منهاج السنَّة النبوية» لابن تيمية (٥/ ١٣١).