في حكم الإخبار عن الله تعالى بِاسْمِ «القديم» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 17 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ 14 نوفمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٢٣٩

الصنف: فتاوى العقيدة - التوحيد وما يُضادُّه - الأسماء والصفات

في حكم الإخبار عن الله تعالى بِاسْمِ: «القديم»

السؤال:

قرَأْتُ في أجوبتِكم على المسائل الاعتقادية أنَّ لفظَ: «القديم» يُطْلَقُ مِنْ باب الإخبار عن الله جلَّ في عُلاهُ لا مِنْ باب الصفات التوقيفية، أَلَا يمكن القولُ: إنَّ لفظَ: «القديم» ممَّا وَصَفَ اللهُ به نَفْسَه، وهذا للدعاء الوارد عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عند دخول المسجد: «أَعُوذُ بِاللهِ العَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ القَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»(١)، وبما أنَّ سلطانَه جلَّ وعَلَا مِنْ صفاته الذاتية ـ وهي موصوفةٌ بالقِدَمِ ـ فنقول: إنَّ الله موصوفٌ بالقِدَمِ تطبيقًا للقاعدة: «الكَلَامُ فِي الصِّفَاتِ فَرْعٌ عَنِ الكَلَامِ فِي الذَّاتِ»، أفيدونا ـ رعاكم الله ـ.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ أسماءَ الله تعالى توقيفيةٌ، أي: تُثْبَتُ مِنْ نصوص الكتاب والسُّنَّة، كما أنَّ الاسْمَ يُشْتَقُّ منه الصفةُ والفعل، ولا يُشْتَقُّ مِنَ الصفةِ والفعلِ اسْمٌ، كما هو جارٍ على قواعدِ أهل السُّنَّةِ والجماعة؛ ذلك لأنَّ باب الصفاتِ أَوْسَعُ مِنْ باب الأسماء؛ وعليه، فإنَّ الاسْمَ إذا أُطْلِقَ عليه جازَ أَنْ يُشْتَقَّ منه المصدرُ والفعلُ:

• فيُخْبَرُ به عنه فعلًا ومصدرًا إِنْ كان مُتعدِّيًا: كاسْمِ الله: «السميع»؛ فَوُرُودُهُ في القرآن والسُّنَّةِ مُرادُه التسمِّي، كما في قوله تعالى: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١١[الشورى]، وهو مِنَ الفعل المتعدِّي: «سَمِعَ»، قال تعالى: ﴿قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا[المجادلة: ١]، ويقال ـ في غير القرآن ـ: «سَمِعَ اللهُ ويَسْمَعُ فلانًا»، ويُشْتَقُّ منه المصدرُ: «سَمْعٌ» فيقالُ مُخْبَرًا به: «للهِ سَمْعٌ»، و«سَمْعُ اللهِ مُحِيطٌ بجميع مخلوقاته».

• فَإِنْ كان الفعلُ لازمًا لم يُخْبَرْ به عنه، بل يُطْلَقُ عليه الاسْمُ والمَصْدَرُ دون الفعل: كاسْمِ الله: «الحيِّ»؛ فلا يُخْبَرُ عنه بفعله، أمَّا المصدرُ والاسْمُ منه فيجوزُ الإخبارُ بهما فيقالُ: «اللهُ حَيٌّ»، و«الحيُّ هو اللهُ»(٢).

واسْمُ «القديم» ـ عند أهل السُّنَّة ـ هو: الموجودُ الأوَّلُ الأزليُّ، الخالقُ الغنيُّ عمَّا سِواهُ، الذي لا بِدايةَ لوجوده، أي: لم يُسْبَقْ بِعدَمٍ، وهو المقصودُ مِنْ قولهم: «واجبُ الوجودِ لذاته»، وهذه العبارةُ أَحْدَثَها الفلاسفةُ والمتكلِّمون، وهي غيرُ معروفةٍ في كلام الله ولا في كلام رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم ولا في أقوال السلف، لكنَّ مَعْناها ثابتٌ في كلام الشارع ومُجْمَعٌ عليه، وهو قولُه تعالى: ﴿هُوَ ٱلۡأَوَّلُ[الحديد: ٣]، وفي قوله صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: «اللهم أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ»(٣)، وليس «القديمُ» مِنْ أسماء الله الحُسْنى، وإنَّما أَدْخَلَهُ المتكلِّمون في أسمائه، لكنَّ العرب لم يستعملوا هذا الاسْمَ إلَّا في المتقدِّم على غيره، لا فيما لم يَسْبِقْه عدمٌ، فإذا وُجِدَ جديدٌ قِيلَ للأوَّل قديمٌ، كما قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ ٣٩[يس]؛ فالعرجونُ القديمُ: الذي يبقى إلى حينِ وجودِ العرجون الثاني(٤)، ثمَّ اسْتُعْمِلَ «القديمُ» بمَعْنَى: «غير مخلوقٍ» وهو: «واجبُ الوجود»، في مُقابَلةِ: «الحادث» وهو: «مُمْكِنُ الوجود»، وهو: ما كان وجودُه بعد العدم، ومَعْناه: أنه مخلوقٌ.

وعليه، يكون لفظُ: «القديم» مِنْ باب الإخبار لعدَمِ ورودِه في الكتاب والسُّنَّة، ولا يكونُ اسْمًا؛ لأنَّ «بَابَ الأَخْبَارِ أَوْسَعُ مِنْ بَابِ الصِّفَاتِ، وَبَابَ الصِّفَاتِ أَوْسَعُ مِنْ بَابِ الأَسْمَاءِ».

أمَّا لفظُ: «سلطان» فهو بمَعْنَى القوَّةِ والقهر، وهو ـ في الحديث ـ مِنْ بابِ إضافةِ الصفةِ إلى الموصوف؛ فيكونُ مِنَ الصفات الذاتية اللازمة التي لم يُشْتَقَّ لها اسْمٌ؛ فلا يمكن تسميتُه تعالى بما لم يُسَمِّ به نَفْسَه؛ فلا يُقالُ: «سليطٌ».

أمَّا قاعدةُ: «القَوْلُ فِي الصِّفَاتِ كَالقَوْلِ فِي الذَّاتِ، وَالقَوْلُ فِي بَعْضِهَا كَالقَوْلِ فِي البَعْضِ الآخَرِ» فهي مُتعلِّقةٌ بقواعدِ الردِّ والمُناظَرة، وهي غيرُ واردةٍ هنا؛ لأنَّها تَتعلَّقُ بشِقَّيْن:

ـ الأوَّل: بيانُ بطلانِ التكييف، وهو: حكايةُ حقيقةِ الصفةِ كما هو مُتَّصِفٌ بها تعالى.

ـ والشقُّ الثاني: بيانُ بطلان التمثيل، وهو: دعوى إثباتِ المُساواةِ له بالمخلوقات.

فيكونُ ردًّا على الأشاعِرةِ القائلين بنفيِ بعض الصفات، والمعتزلةِ القائلين بنفي الصفات، والجهميةِ القائلين بنفي الأسماء والصفات؛ فكانَتِ القاعدةُ متعلِّقةً بإثباتِ أسماء الله وصفاتِه مِنْ غيرِ تكييفٍ ولا تشبيهٍ ولا تحريفٍ ولا تعطيلٍ؛ فكما نقول في ذاته: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞ[الشورى: ١١] فكذلك نقول في الصفات الذاتية أو الصفات الفعلية، كما أنَّها تُسْتَعْمَلُ في الردِّ على مَنْ أَثْبَتَ بعضَ الصفاتِ ونَفَى بعضَها أو أَثْبَتَ ذاتًا ولم يُثْبِتْ صفةً.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

 



(١) أخرجه أبو داود في «الصلاة» بابٌ فيما يقوله الرجلُ عند دخوله المسجدَ (٤٦٦) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٤٧١٥‌).

(٢) انظر معنى هذه القاعدةِ في: «بدائع الفوائد» لابن القيِّم (١/ ١٦٢).

(٣) أخرجه مسلمٌ في «الذِّكْر والدعاء» (٢٧١٣) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٤) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» لأبي العزِّ الحنفي (١/ ٧٧).