في حكم حَلِّ سِحْرٍ بسحرٍ مماثل | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 5 جمادى الآخرة 1439 هـ الموافق لـ 20 فبراير 2018 م



الفتوى رقم: ٢٣٨

الصنف: فتاوى العقيدة - التوحيد وما يُضادُّه - الألوهية والعبادة

في حكم حَلِّ سِحْرٍ بسحرٍ مماثل

السـؤال:

هل يجوز ردُّ السحر بسحرٍ مماثلٍ؟ أو بالأحرى أيجوز الدفاعُ عن النفسِ والوقايةُ مِنَ الشرِّ بإنشاءِ أو عَقْدِ سحرٍ ضِدَّ سحرٍ ما، رغم أنِّي أعلم أنه مِنَ السبع المُوبِقات، وهذا مُلَخَّصُ مشكلتي: لي مِنَ الأقارب مَنْ عَمِيَ بصرُه لثلاثِ مرَّاتٍ، والرُّقاةُ يقولون: إنه بسببِ ساحرٍ أو مُشَعْوِذٍ بطلبٍ مِنْ إنسانٍ يُريدُ إفسادَ العلاقة الزوجية، ولا ندري ما السببُ؟ وفي كُلِّ مرَّةٍ بعد الرقية يأتي اللهُ بشفائه بعد مدَّةٍ، ثمَّ تعود العلَّةُ ويذهب البصرُ مِنْ جديدٍ، وأنت تعلم ما للبصر مِنْ أهمِّيةٍ!! لذلك نريد إيجادَ الحلِّ الذي ـ بإذن الله ـ يَقينَا مِنْ هؤلاء عَبَدَةِ الشيطان. أيَحِقُّ لي أَنْ أقَعَ في فخِّهم وأستخدمَ سحرًا مماثلًا لردِّ ذلك السحرِ أم ماذا أستطيع أَنْ أفعل؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعلَمْ أنَّ النُّشْرةَ هي حَلُّ السحرِ عن المسحور:

ـ فإِنْ كان حَلُّ السحر بمثلِه فذلك عملٌ شيطانيٌّ، يُتوصَّلُ إليه ـ غالبًا ـ بالشرك، وذلك بالاستعانة بالشياطين والمَرَدة، والتقرُّبِ إليهم بأنواعِ ما يُحِبُّونه مِنَ الشركيات؛ ليقوموا بإبطال السحر عن المسحور، ويدلُّ على تحريم العلاج بالسحر: قولُه تعالى: ﴿وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٢[البقرة]، وقولُه تعالى: ﴿وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ ٦٩[طه]، وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ» وذَكَر منها السِّحْرَ(١)، وثَبَت ـ أيضًا ـ مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ»(٢).

فالمقصود بالرُّقى ـ في الحديث ـ: هو الرُّقى غيرُ الشرعية، والتميمةُ: ما يُعلَّقُ لدفعِ العَين، والتِّوَلَةُ: هي شيءٌ كانَتِ المرأةُ تجلِبُ به محبَّةَ زوجِها، وهو ضَرْبٌ مِنَ السحر؛ فأفاد الحديثُ مَنْعَ التداوي بالسحر وما كان فيه شيءٌ مُنافٍ للتوحيد بحيث يصيرُ القلبُ معلَّقًا بغير الله في دفعِ ضررٍ أو جَلْبِ نفعٍ، وعن جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما قال: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النُّشْرَةِ فَقَالَ: «هُوَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ»(٣)، وعملُ الشيطانِ مذمومٌ وقبيحٌ شرعًا يَحْرُمُ فعلُه.

ـ وإِنْ كانَتِ النُّشْرةُ بالرقية الشرعية بالأذكار والآيات والتعوُّذات والدعوات المُباحة فقَدْ دلَّتِ السنَّةُ المطهَّرةُ على مشروعيته؛ لحديثِ عَوْفِ بنِ مالكٍ الأَشْجَعِيِّ رضي الله عنه قال: «كُنَّا نَرْقِي فِي الجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ؟» فَقَالَ: «اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ»»(٤)، وحديثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرُّقَى، فَجَاءَ آلُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ، وَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى»، قَالَ: فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ فَقَالَ: «مَا أَرَى بَأْسًا، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ»»(٥)، قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «ومِنْ أنفعِ علاجات السحر: الأدويةُ الإلهية، بل هي أدويتُه النافعةُ بالذات؛ فإنه مِنْ تأثيرات الأرواح الخبيثة السُّفْلية، ودفعُ تأثيرها يكون بما يُعارِضها ويُقاوِمها مِنَ الأذكار والآيات والدعواتِ التي تُبْطِل فِعْلَها وتأثيرَها»(٦).

فالحاصلُ: أنَّ ما كان بالقرآن والدعوات والأدوية المُباحةِ فجائزٌ، وما كان منه بالسحر فيَحْرُمُ لِمَا تقدَّم بيانُه.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١١ جمادى الثانية ١٤٢٦ﻫ
الموافق ﻟ: ١٧ جويلية ٢٠٠٥م



(١) أخرجه البخاريُّ في «الوصايا» بابُ قولِ الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا ١٠[النساء] (٢٧٦٦)، ومسلمٌ في «الإيمان» (٨٩)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) أخرجه أبو داود في «الطبِّ» بابٌ في تعليق التمائم (٣٨٨٣)، وابنُ ماجه في «الطبِّ» بابُ تعليقِ التمائم (٣٥٣٠)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٣٣١).

(٣) أخرجه أبو داود في «الطبِّ» بابٌ في النُّشْرة (٣٨٦٨) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٢٧٦٠).

(٤) أخرجه مسلمٌ في «السلام» (٢٢٠٠) مِنْ حديثِ عوف بنِ مالكٍ الأشجعيِّ رضي الله عنه.

(٥) أخرجه مسلمٌ في «السلام» (٢١٩٩) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(٦) «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٤/ ١٢٦).