في التردُّدِ بين قَبول الزواج بعقيمٍ والامتناعِ منه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 14 شوال 1445 هـ الموافق لـ 23 أبريل 2024 م



الفتوى رقم: ٢٥٠

الصنف: فتاوى الأسرة ـ عقد الزواج ـ إنشاء عقد الزواج

في التردُّدِ بين قَبول الزواج بعقيمٍ والامتناعِ منه

السؤال:

أخٌ مستقيمٌ تَقَدَّمَ لخِطْبةِ أختٍ، فلمَّا تمَّ القَبولُ ـ وبعد العقد الشرعيِّ ـ صرَّح لها بمشكلةٍ وهي: أنَّ به نقصًا في جهازِه التناسليِّ وأنَّ له خصيةً واحدةً، فالأختُ لمَّا سألَتْ قِيلَ لها: إنه يمكن أَنْ يكون عقيمًا، فطَرَحَتْ عليه فكرةَ أَنْ يذهب إلى الطبيب ويُجْرِيَ تحاليلَ طبِّيَّةً والتي أظهَرَتْ أنَّ بِمَائِه حيواناتٍ مَنَويَّةً جُلُّها ضعيفةٌ وغيرُ طبيعيَّةٍ، وأنَّ هناك احتمالًا كبيرًا للعقم، علمًا أنَّ الأخت كبيرةٌ في السنِّ (٣٠ سنةً)؛ فإذا رفضَتْه فيمكن ألَّا تَتزوَّجَ، وإذا قَبِلَتْ به خَشِيَتْ ألَّا تُطيقَ العيشَ مِنْ غيرِ أولادٍ؛ فنرجو منكم ـ يا شيخَنا الفاضلَ ـ النصيحةَ والتوجيه. وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ مِنْ حقِّ المرأة فَسْخَ عقدِ الزواج لوجودِ عيبٍ في زوجِها، ويجوز لها أَنْ تَسْتبقيَ الزواجَ ولا تُبْطِلَه إِنْ رَضِيَتْ بحالِه؛ فهي بخير النظرين: فإِنْ رأَتْ في زواجها به إعفافَ نَفْسِها وحِفْظَ فَرْجِها والأمنَ تحت عصمة رجلٍ صاحِبِ خُلُقٍ ودِينٍ فلها أَنْ ترضى به وتَسْتبقيَ العقدَ ولا تُلْغِيَه، والولدُ ليس بشرطٍ في الزواج، ولكنَّه يُسْتَحَبُّ إنجابُه لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ»(١)، ولِمَا في إيجاد الذُّرِّيَّةِ المؤمنة الصالحةِ مِنَ المَنافِعِ كالذَّبِّ عن المؤمنين والاستغفارِ لهم وللوالدَيْن، والدعاءِ لهما والشفاعةِ لدخول الجنَّة، وقد امتنَّ اللهُ تعالى على قومِ شعيبٍ عليه السلام بتكثيرِ العددِ في قوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡ[الأعراف: ٨٦]، كما امتنَّ على الرُّسُل وعلى الناسِ بأَنْ جَعَلَ لهم أزواجًا وذُرِّيَّةً كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِ‍َٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ ٣٨[الرعد]، وقولِه تعالى: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةٗ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ هُمۡ يَكۡفُرُونَ ٧٢[النحل]؛ لذلك كان مِنْ حقِّ كِلَا الزوجين تحقيقُ نعمةِ الولد والشكر عليها، ومِنْ شُكْرِه عليها تقويمُ الولدِ وإصلاحُه، وليس كُلُّ مَنْ له الولدُ يستطيع شُكْرَ النعمةِ عمليًّا بتقويمِ اعوجاجه إلَّا مَنْ قدَّره اللهُ سبحانه وتعالى على ذلك؛ فقَدْ يُرْهِقُ الولدُ الوالدَ طغيانًا وكفرًا؛ قال تعالى: ﴿ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا ٤٦[الكهف]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٥[التغابن]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ٱلۡغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤۡمِنَيۡنِ فَخَشِينَآ أَن يُرۡهِقَهُمَا طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗا ٨٠[الكهف].

هذا، وعلى كُلٍّ فالعقيمُ كالسليم مِنْ حقِّه أَنْ يتزوَّج لعمومِ قوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ؛ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»(٢).

فإِنْ رأَتْ مِنْ نَفْسِها إعانتَه على تحصينِ فَرْجِه وكَسْرِ شهوته وغَضِّ بَصَرِه، وإعفافِ نَفْسِها وتحصيلِ الأجرِ مِنَ الجماعِ في الحلال ونحوِ ذلك مِنْ فوائدِ الزواج ومَنافِعِه؛ فلها أَنْ ترضى به، وخاصَّةً إذا بانَ لها أنَّ حظوظَ زواجِها ضئيلةٌ وتخشى على نَفْسِها الفتنةَ؛ وإِنْ راعَتِ الولدَ في نَظَرِها مع التحصين، ولها في ربِّها كبيرُ الثقة في أَنْ يفتح عليها بزوجٍ أَوْلى وأَحْسَنَ؛ فلها أَنْ تمتنع وتصبر إلى أَنْ يفتح اللهُ وهو خيرُ الفاتحين؛ وعليها باللجوء إلى استخارةِ ربِّها في خيرِ الأمرين ثمَّ الإقدامِ عليه؛ والخيرُ فيما اختارَهُ اللهُ تعالى.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٢ جمادى الثانية ١٤٢٦ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٨ جويلية ٢٠٠٥م

 



(١) أخرجه أبو داود بهذا اللفظ في «النكاح» باب النهي عن تزويجِ مَنْ لم يَلِدْ مِنَ النساء (٢٠٥٠)، والنسائيُّ دون لفظة: «الأمم» في «النكاح» بابُ كراهِيَةِ تزويجِ العقيم (٣٢٢٧)، مِنْ حديثِ مَعْقِل بنِ يسارٍ رضي الله عنه؛ وأخرجه أحمد بلفظ: «مُكَاثِرٌ [بِكُمُ] الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ» في «مسنده» (١٢٦١٣، ١٣٥٦٩) مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه. وحسَّنه الهيثميُّ في «مجمع الزوائد» (٤/ ٢٥٨)، وصحَّحه العراقيُّ في «تخريج الإحياء» (٢/ ٥٣)، وابنُ حجرٍ في «فتح الباري» (٩/ ١١١)، والألبانيُّ في «الإرواء» (٦/ ١٩٥) رقم: (١٧٨٤) وفي «آداب الزفاف» (ص ١٣٢).

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «النكاح» بابُ قولِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيتزوَّجْ» (٥٠٦٥) وباب: مَنْ لم يستطعِ الباءةَ فلْيَصُمْ (٥٠٦٦)، ومسلمٌ في «النكاح» (١٤٠٠)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه.