في صفة يدَيِ الله سبحانه وتعالى | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 16 رجب 1440 هـ الموافق لـ 23 مارس 2019 م



الفتوى رقم: ٢٦٤

الصنف: فتاوى العقيدة - التوحيد وما يُضادُّه - الأسماء والصفات

في صفة يدَيِ الله سبحانه وتعالى

السؤال:

كيف الجمعُ بين هذين الحديثين: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» أخرجه مسلمٌ، وجاء في «صحيح مسلم» لفظةُ الشِّمال: «ثُمَّ يَطْوِي الأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ»، ويندرج تحت هذا السؤال: هل يُقالُ: للرحمن جلَّ وعَلَا يمينٌ وشِمالٌ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ منهجَ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ: إثباتُ ما أَثْبَتَه اللهُ لنَفْسِه مِنَ الأسماء الحُسْنى والصفاتِ العُلَى وما أَثْبَتَه له رسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي لا ينطق عن الهوى، إثباتًا بلا تكييفٍ ولا تمثيلٍ، وتنزيهُه سبحانه عن مُشابَهةِ خَلْقه أو مماثلتهم تَنْزيهًا بلا تَأويلٍ ولا تعطيلٍ، وهذا مِنَ الأمور التي أَجْمَعُوا عليها واتَّفَقَتْ عليها كلمتُهم، فَيَدَا اللهِ سبحانه اثنتان ـ بلا ريبٍ ـ كما وَرَدَتْ به النصوصُ الشرعية، فمِنْ ذلك: قولُه تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٧[الزُّمَر]، وقولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَبَضَ قَبْضَةً بِيَمِينِهِ فَقَالَ: هَذِهِ لِهَذِهِ وَلَا أُبَالِي، وَقَبَضَ قَبْضَةً أُخْرَى ـ يعني بيده الأخرى ـ فَقَالَ: هَذِهِ لِهَذِهِ وَلَا أُبَالِي»(١).

وأمَّا روايةُ مسلمٍ في «صحيحه»: «ثُمَّ يَطْوِي الأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ»(٢): فإِنْ كانَتْ روايةُ: «بشِماله» شاذَّةً فلا يجوز إطلاقُ وصفِ إحدى يدَيِ اللهِ عزَّ وجلَّ بالشِّمال أو اليسار، بل كلتاهما يمينان؛ لأنَّ صفاتِ الله توقيفيةٌ لا نُثْبِتُها إلَّا بدليلٍ صحيحٍ وصريحٍ، وإلى نفيِ الشمال واليسار في إحدى يديه ذَهَبَ ابنُ خزيمة ـ رحمه الله ـ بقوله: «بابُ ذِكْرِ سُنَّةٍ ثامنةٍ تُبيِّنُ وتُوضِّحُ: أنَّ لخالِقِنا جلَّ وعَلَا يدَيْنِ كلتاهما يمينان، ولا يسارَ لخالِقِنا عزَّ وجلَّ؛ إذ اليسارُ مِنْ صفة المخلوقين؛ فجلَّ ربُّنا عن أَنْ يكون له يسارٌ»(٣).

أمَّا إِنْ كانَتِ الروايةُ محفوظةً فالواجبُ إثباتُ صفةِ الشِّمال كما ذَهَبَ إليه عثمان بنُ سعيدٍ الدارميُّ(٤)، وأبو يعلى الفرَّاءُ(٥)، والشيخ محمَّد بنُ عبد الوهَّاب(٦)، وصِدِّيق حسن خان(٧)، ولا تعارُضَ يحصل مع قوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ»(٨)؛ لأنَّ المراد أنَّ شِماله ـ سبحانه ـ ليسَتْ بأَنْقَصَ عن يمينه كما هو شأنُ المخلوق، بل إنَّ كِلْتَا يدَيْه يمينٌ؛ فقولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واصِفًا المُقْسِطين أنَّهم على منابِرَ مِنْ نورٍ إنما هو لبيانِ فضلِهم أنَّهم على يمين الرحمن، وليسَتْ يمينُه ـ سبحانه ـ بأفضلَ مِنْ شِماله، ولا شِمالُه ـ سبحانه ـ بأنقصَ مِنْ يمينه، بل كِلْتَا يدَيْه يمينٌ، قال ابنُ قُتَيْبة ـ رحمه الله ـ في وصفِ اليدَيْن بأنَّ كلتيهما يمينٌ: «وإنما أراد بذلك: معنَى التمام والكمال؛ لأنَّ كُلَّ شيءٍ فمَياسِرُه تنقص عن ميامِنِه في القوَّة والبطش والتمام، وكانَتِ العربُ تُحِبُّ التيامنَ وتكره التياسرَ؛ لِمَا في اليمين مِنَ التمام، وفي اليسار مِنَ النقص»(٩)؛ لذلك كان جديرًا أَنْ يُطْلَقَ على كِلْتا يدَيْهِ ـ سبحانه ـ أنهما يمينٌ مِنْ بابِ التأدُّبِ والتعظيم؛ لأنَّ صفةَ الشمالِ واليسار مِنْ صفات النقص والضعف عند المخلوق.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٣٠ جمادى الثانية ١٤٢٦
الموافق ﻟ: ٥ أوت ٢٠٠٥م

 



(١) أخرجه أحمد (٢٠٦٦٨) مِنْ حديث أبي عبد الله: رجلٍ مِنْ أصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٥٠).

(٢) أخرجه مسلمٌ في «صفة القيامة والجنَّة والنار» (٢٧٨٨) مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما، ولفظه بتمامه: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَطْوِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟».

(٣) «التوحيد» لابن خزيمة (٦٦).

(٤) في «الردِّ على المِرِّيسي» للدارمي (١٥٥) .

(٥) في «إبطال التأويلات» لأبي يعلى (١٧٦).

(٦) في «التوحيد» لمحمَّد بنِ عبد الوهَّاب، ومعه: «تيسير العزيز الحميد» لسليمان بنِ عبد الله بنِ محمَّد بنِ عبد الوهَّاب (٧٣٦).

(٧) «قِطْف الثمر» لصِدِّيق حسن خان (٧٠).

(٨) أخرجه مسلمٌ في «الإمارة» (١٨٢٧) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمرٍو رضي الله عنهما.

(٩) «تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة (٢١٠) .