في اعتبارِ التردُّد في قبضِ نَفْس المؤمنِ صفةً لله عزَّ وجلَّ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 17 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 16 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٢٦٥

الصنف: فتاوى العقيدة - التوحيد وما يُضادُّه - الأسماء والصفات

في اعتبارِ التردُّد في قبضِ نَفْس المؤمنِ
صفةً لله عزَّ وجلَّ

السؤال:

جاء في الحديث القدسيِّ المشهورِ الذي رواهُ البخاريُّ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ؛ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»(١)؛ فهل يُعْتَبَرُ التردُّدُ صفةً لله عزَّ وجلَّ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ حقيقةَ التردُّد: أَنْ يكون الشيءُ الواحدُ مُرادًا أو محبوبًا مِن وجهٍ، مكروهًا مِن وجهٍ، مع لزومِ ترجيحِ أحَدِ الجانبَيْن، مثل إرادةِ المريض لدوائه الكريه وحصولِ الترجيح بتَناوُلِه مع كُرْهِهِ له، وكذلك ترجيحِ القتال مع كُرْهِ المسلمين له، أو الْتزامِ الطاعات مع حصول المَكارِهِ، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ»(٢).

ومنه يتبيَّنُ أنَّ الله تعالى يُحِبُّ محبوبَه الذي يَتقرَّبُ إليه بالفرائض والنوافل، فيُحِبُّ ما يُحِبُّه ويَكْرَهُ ما يَكْرَهُه، واللهُ تعالى يَكْرَهُ أَنْ يَسُوءَ محبوبَه بالموت لأنَّه يَكْرَهُه.

غيرَ أنَّ الله تعالى قَضَى بالموت؛ فكُلُّ ما قضى به فهو يريده ولا بُدَّ مِن حصوله، وحصولُه فيه مَساءةٌ لمحبوبه؛ فصارَ الموتُ مُرادًا لله تعالى مِن وجهٍ، مكروهًا له مِن وجهٍ، وهذا مَعْنَى التردُّد مع ترجيحِ إرادة الموت وكراهةِ مَساءةِ عبدِه. وضِمْنَ هذا المنظورِ يقول شيخُ الإسلام ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «فبيَّن ـ سبحانه ـ أنَّه يتردَّد؛ لأنَّ التردُّدَ تَعارُضُ إرادتين، وهو ـ سبحانه ـ يُحِبُّ ما يُحِبُّ عَبْدُه، ويَكْرَهُ ما يَكْرَهُه، وهو يَكْرَهُ الموتَ فهو يَكْرَهُه كما قال: «وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»، وهو ـ سبحانه ـ قد قضى بالموت فهو يريد أَنْ يموت؛ فسمَّى ذلك تردُّدًا، ثمَّ بَيَّنَ أنَّه لا بُدَّ مِن وقوعِ ذلك»(٣).

هذا، ولا يجوز إطلاقُ مَعاني التردُّد التي هي مِن لوازم المخلوق في حقِّ الله تعالى: مِن عدَمِ العلم بعواقب الأمور، أو الشكِّ في المصلحة، أو الشكِّ في القدرة على فعلِ الشيء؛ فإنَّ مِثْلَ هذا التردُّدِ لا يجوز إثباتُه لله تعالى؛ لكمالِ عِلْمِه وقدرتِه.

وإنما نُثْبِتُ صفةَ التردُّد لله تعالى على الوجه السالفِ البيانِ في قَبْضِ نَفْسِ المؤمن رحمةً بعبده المؤمن؛ ولهذا قال: «.. تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»، وفي روايةٍ بزيادةِ: «وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ»(٤).

وعليه، فالتردُّدُ ـ بهذا الاعتبار ـ صفةٌ فعليةٌ خبريةٌ ثابتةٌ لله تعالى على ما يَليقُ بجلاله ـ سبحانه ـ ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞ[الشورى: ١١]، ودليلُه ما ثَبَتَ في حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه المذكورِ في السؤال.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٣٠ جمادى الثانية ١٤٢٦ﻫ
الموافق ﻟ: ٥ أوت ٢٠٠٥م


(١) أخرجه البخاريُّ في «الرِّقاق» باب التواضع (٦٥٠٢) مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) أخرجه مسلمٌ في «الجنَّة وصِفةِ نعيمها» (٢٨٢٢) مِن حديث أنسٍ رضي الله عنه.

(٣) «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٥٨ ـ ٥٩)، وانظر: المصدر نَفْسَه (١٨/ ١٢٩).

(٤) أخرجها ابنُ أبي شيبة في «المصنَّف» (٣٥٤٨١). وصحَّحها الألبانيُّ في «تحقيق كتاب الإيمان» (١٥٩).