في علاقة القَدَر باختيار الإنسان | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 24 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٢٧٨

الصنف: فتاوى العقيدة - أركان الإيمان - القَدَر

في علاقة القَدَر باختيار الإنسان

السؤال:

ما علاقةُ القَدَرِ باختيار الإنسان؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ المسلمين وسائِرَ أهلِ المِلَلِ مُتَّفِقون على أنَّ اللهَ تعالى على كُلِّ شيءٍ قديرٌ، وأنَّ قُدْرتَه عامَّةٌ على كُلِّ شيءٍ بما في ذلك أفعالُ العبادِ واختياراتُهم، كما أنَّ اللهَ قدَّر على الخَلْق ما يكون مِنْ أعمالهم مِنْ خيرٍ وشرٍّ مِنْ شقِيٍّ وسعيدٍ، وأنَّ قَدَرَ اللهِ واقعٌ مِنَ الله تعالى على العباد، جارٍ على مقتضى قضائه وقَدَرِه، وسائرٌ تحت تصرُّفه وإرادتِه، لا مُبدِّلَ لكلماته ولا رادَّ لحُكْمِه، على ما ثَبَتَ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا قَدْ كُتِبَ: شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً»، فَقَالَ رَجُلٌ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ العَمَلَ؟ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ»، قَالَ: «أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ»، ثُمَّ قَرَأَ: «﴿فَأَمَّا مَنۡ أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ ٥ وَصَدَّقَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ ٦[الليل]»(١)؛ فالقَدَرُ لا يمنع العملَ ولا يُوجِبُ الاتِّكالَ، بل يُوجِبُ الجِدَّ والحِرْصَ على الأعمالِ الصالحةِ؛ لقوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»(٢)، إلَّا أنَّ الإنسان أَلْهَمَهُ اللهُ تعالى عَقْلًا به يختار سبيلَ الخيرِ أو سبيلَ الشرِّ، قال الله تعالى: ﴿وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا ٧ فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا ٨[الشمس]، قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «فاتَّفَقَتْ هذه الأحاديثُ ونظائرُها على أنَّ القَدَرَ السابقَ لا يمنع العملَ ولا يُوجِبُ الاتِّكالَ عليه، بل يُوجِبُ الجِدَّ والاجتهاد؛ ولهذا لمَّا سَمِعَ بعضُ الصحابةِ ذلك قال: «ما كنتُ أَشَدَّ اجتهادًا منِّي الآنَ»(٣)»(٤)؛ فالإنسانُ مخيَّرٌ في فعلِ الأوامر أو تَرْكِها، وفي اجتنابِ المَعاصي أو فِعْلِها، وهذا الذي يُحاسَبُ عليه المرءُ يومَ القيامة؛ فلا يُمْكِنُه أَنْ يَحْتَجَّ بالقَدَرِ فيما أَمَرَهُ اللهُ تعالى أو نَهَاهُ عنه، وشرُّ الناس مَنْ يحتجُّ بالقَدَرِ لنَفْسِه ولا يَراهُ حُجَّةً لغيره، يَسْتَنِدُ إليه في الذنوب ولا يَطْمئِنُّ إليه في المَصائب، أمَّا خيرُ الخَلْقِ فيَسْتغفِرون في المَعايب والذنوب، ويصبرون على المَصائب والكروب(٥).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

 



(١) أخرجه البخاريُّ في «الجنائز» بابُ موعظةِ المحدِّث عند القبر وقعودِ أصحابه حوله (١٣٦٢)، ومسلمٌ في «القَدَر» (٢٦٤٧)، مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه.

(٢) أخرجه البخاريُّ في «تفسير القرآن» باب: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡعُسۡرَىٰ ١٠[الليل: ١٠] (٤٩٤٩)، ومسلمٌ في «القَدَر» (٢٦٤٧)، مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه.

(٣) رواهُ ابنُ حبَّان في «صحيحه» (٢/ ٤٩) مِنْ قولِ سُراقة بنِ مالكٍ رضي الله عنه. ولفظُه: «فَلَا أَكُونُ أَبَدًا أَشَدَّ اجْتِهَادًا فِي العَمَلِ مِنِّي الآنَ». وصحَّحه الألبانيُّ في «التعليقات الحسان» (٣٣٨).

(٤) «شفاء العليل» لابن القيِّم (١/ ١١٩).

(٥) للمَزيدِ مِن البيان راجِعِ: «التعليق النفيس» للمؤلِّف في فصل: «العملُ بالشرع والجِدُّ في السعي مع الإيمان بالقَدَر»، وفصل: «في الاحتجاج بالقَدَر» ص (٦٣ ـ ٨٣).