في حكم مشاركة المرأة سياسيًّا | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 19 صفر 1441 هـ الموافق لـ 18 أكتوبر 2019 م



الفتوى رقم: ٢٨٠

الصنف: فتاوى الأسرة - المرأة

في حكم مشاركة المرأة سياسيًّا

السؤال:

نرجو ـ مِنْ فضيلتكم ـ إفادتَنا بحكم مشاركة المرأة سياسيًّا، وخاصَّةً في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والبلدية، وهل عضويَّتُها في المجلس البرلمانيِّ أو المجلس الشوريِّ تتعارض مع المَناهي الواردةِ في الاختلاط، أم يجوز ذلك للحاجة؟ حفظكم الله تعالى. 

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلئلَّا يَلتبِسَ الحقُّ بالباطل ينبغي التفريقُ بين حكمِ مشاركة المرأة سياسيًّا في النظام الإسلاميِّ، وبين الأنظمة السياسية الأخرى، وخاصَّةً النظام الديمقراطي الذي سارَتْ عليه ـ للأسف ـ معظمُ البلدان الإسلامية.

فمشاركةُ المرأة سياسيًّا في النظام الإسلاميِّ يُنْظَر إليها مِنْ حيث مشاركتُها في مَنْصِب الخليفة (رئيس الدولة) أو مشاركتها في بقيَّة الولايات العامَّة، أو مِنْ حيث مشاركتُها في اختيار الخليفة وانتخابه، أو انتخاب الوُلَاة واختيارهم.

ومِنْ جهةٍ أخرى يُنْظَر إليها مِنْ حيث مشاركتُها في عضوية مجلس الشورى، ومِنْ حيث مشاركتُها في اختيارِ أعضائه وانتخابهم.

أمَّا بخصوصِ تولِّي مَنْصِبِ الخليفة (رئيس الدولة) أو ما يقوم مَقامَه مِنْ سائر المسئوليَّات الكبرى والولايات العامَّة، فإنَّ الذكورة فيها شرطٌ مُجْمَعٌ عليه، قال الجُوَينيُّ ـ رحمه الله ـ: «وأجمعوا أنَّ المرأة لا يجوز أَنْ تكون إمامًا»(١)، وهو ما نصَّ عليه ابنُ حزمٍ ـ رحمه الله ـ في «مراتب الإجماع»(٢) لِمَا رواه البخاريُّ وغيرُه مِنْ حديثِ أبي بكرة رضي الله عنه قال: «لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»»(٣). قال الشوكانيُّ ـ رحمه الله ـ: «فيه دليلٌ على أنَّ المرأة ليسَتْ مِنْ أهل الولايات، ولا يَحِلُّ لقومٍ توليتُها؛ لأنَّ تجنُّب الأمر المُوجِب لعدم الفلاح واجبٌ»(٤).

هذا، وإذا كان لا يَحِقُّ لها أَنْ تتولَّى مَنْصِبَ الخلافةِ أو الإمامة فلها أَنْ تُشارِك ـ عن بُعْدٍ ـ في إبداءِ رأيها فيمَنْ يصلح لهذا المَنْصِب إِنْ كانت أهلًا للرأي والمشورة والاجتهاد، مِنْ غيرِ أَنْ تكون عضوًا في المجلس الشوريِّ؛ لأنَّ إبداء الرأي مِنْ لوازم المشاورة ومُقتضَيَاتها، وتدخل في عمومِ قوله تعالى: ﴿وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ [الشورى: ٣٨]، ويُقوِّي ذلك ويشهد له ما نَقَله ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ في قصَّةِ اختيار الخليفة بعد وفاةِ عمرَ بنِ الخطَّاب رضي الله عنه مِنْ بين الستَّة الذين اختارهم عمر بنُ الخطَّاب رضي الله عنه، حيث قال: «بقي عبد الرحمن يُشاوِر الناسَ ثلاثةَ أيَّامٍ، وأخبرَ أنَّ الناسَ لا يَعْدِلون بعثمان، وأنه شاوَرَ حتَّى العذارى في خدورهنَّ»(٥).

ـ أمَّا مجلس الشورى القائمُ على أركان الحكم في الإسلام، والذي تجري المشاوَرةُ فيه مع خيار الأمَّة في الأمور الشرعية الاجتهادية التي لا نصَّ فيها، فإنَّ أهل الشورى هم أهلُ الحَلِّ والعقد الذين يقومون باختيار الخليفة عند شغور مَنْصِبه، ويُراقِبون تصرُّفاتِه وتصرُّفاتِ نُوَّابِه، فهذا المجلسُ الذي يجمعهم يقوم بوضع التنظيمات اللازمة لإدارة شؤون الدولة طبقًا لأحكام الشريعة الإسلامية المنصوصِ عليها في الكتاب والسنَّة، ووفقًا للأحكام الشرعية الناتجة عن طريق الاجتهاد والاستنباط، وهو غيرُ المجلس الشعبيِّ أو مجلس الأمَّة أو البرلمان كما هو معهودٌ في النظام الديمقراطيِّ، فإنَّ للمرأة أَنْ تُبْدِيَ رأيها ـ بمَنْأًى عن المجلس الشوريِّ في اختيارِ أهل الشورى وانتخابهم ـ إذا كانَتْ مِنْ أهل الاجتهاد والرأي؛ لأنَّ الاجتهاد والإفتاء غيرُ مقصورٍ على الرجال وغيرُ محظورٍ على النساء، وموضوعُ الاجتهاد شاملٌ لشؤون الدولة وعلاقةِ الخليفة بالأمَّة، وقد صرَّح الفقهاءُ بأنَّ الأنوثة لا تمنع الأهليَّةَ للإفتاء والاجتهاد(٦)، وقد قال ابنُ حزمٍ ـ رحمه الله ـ: «لو تفقَّهَتِ امرأةٌ في علوم الديانة لَلَزِمَنا قَبولُ نذَارتها»(٧)، وقد أشارَتْ أمُّ سلمة رضي الله عنها على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بنحرِ بُدنِهِ وفَعَل ذلك(٨)، وكذلك خولةُ بنتُ ثعلبة رضي الله عنها وعظَتْ عمر بنَ الخطَّاب رضي الله عنه وهو خليفةُ المسلمين(٩).

غيرَ أنَّ المرأة ـ وإِنْ جازَتْ لها المشارَكةُ ـ مِنْ بُعدٍ ـ في أعمالِ مجلس الشورى بإبداء الرأي في أمور الدولة إِنْ كانَتْ مِنْ أهل الرأي والاجتهاد ـ إلَّا أنه لا تَلْزَمُ مشارَكتُها البدنية بأَنْ تكون عضوًا في المجلس الشوريِّ لِمَا يترتَّب على عضويتها فيه مِنْ محاذيرَ منها:

ـ تزاحُمُ عمل المرأة في بيتها ـ وهو الأصل الذي هي مسؤولةٌ عنه، وهو في حقِّها مِنْ قبيل الواجب العينيِّ ـ مع المشاركة السياسية بغضِّ النظر عن حكمها، فإنه ـ في حالِ تعارضِ المَهامِّ وتزاحمِها ـ يُقَدَّم الواجبُ العينيُّ على سائر الواجبات والمأمورات الأخرى كما هو مقرَّرٌ أصوليًّا، وخاصَّةً إذا ما اعتُبِرَتْ هذه المشاركةُ واجبًا كفائيًّا؛ فإنه يسقط وجوبُه بقيام الرجال به.

ـ وكذلك اعتبار العضوية في مجلس الشورى وظيفةً عامَّةً يُسترزَقُ منها ويُكْتَسَبُ بها، والمرأةُ مكفيَّةُ المؤونة إمَّا بوليِّها أو زوجها.

ـ فضلًا عن خروجها لغير حاجةٍ وبدونِ ضوابطَ شرعيةٍ، واختلاطها بالرجال مِنْ أعضاء المجلس أو الخلوة ببعضهم، وقد ورَدَتْ نصوصٌ شرعيةٌ تمنع ذلك.

فالحاصل أنَّ المرأة وإِنْ كانَتْ لا تصلح سياسيًّا لتولِّي مَنْصِب الخليفة (رئيس الدولة) ولا العضوية في مجلس الشورى، إلَّا أنها تصلح ـ تبعًا للشروط الواجبِ توافُرُها(١٠) في المرأة ـ لأَنْ تُبْدِيَ الرأيَ فيمَنْ يتولَّى مَنْصِبَ الخلافة ويصلح لها على وجه الاستقلال عن مجلس الشورى إذا احتِيجَ إلى حُسنِ رأيها ورجاحةِ عقلها وسَدادِ قولها ـ في حدودِ ما يسمح به الشرعُ، أي: بالضوابط الشرعية ـ وبهذا المعيارِ نفسِه تُشارِك بالرأي ـ أيضًا ـ في اختيار أعضاءِ مجلس الشورى مِنْ أهل الحَلِّ والعقد.

ـ أمَّا الأنظمة الأخرى ـ وخاصَّةً النظام الديمقراطي بقواعده وأحكامه القانونية المُستمَدَّة مِنْ أعراف الناس وما هُدِي إليه عقلُ الإنسان مِنْ خلالِ ممارسته لشؤون الحياة أو ما نَتَج مِنَ الأوضاع المُتوارَثة ـ فهو مُخالِفٌ ـ مِنْ حيث المصدر ـ للشريعة الإسلامية؛ لأنَّ مصدرها الوحيُ الإلهيُّ؛ فكُلُّ الأحكام مُستمَدَّةٌ مِنَ الكتاب والسنَّة أو مُستلهَمةٌ مِنْ مقاصد الشريعة وأسرارها، والنصوصُ الشرعية تأبى أَنْ تجعل حاكمًا غيرَ الله سبحانه وتعالى أو شريكًا له في الحكم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُشۡرِكُ فِي حُكۡمِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٦ [الكهف]، وقولِه تعالى: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٠ [يوسف]، وقولِه تعالى: ﴿وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ [الشورى: ١٠]، وقولِه تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا ١٠٥ [النساء]، وقولِه تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥ [النساء]، وغيرِها مِنَ الآيات، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»(١١)، وفي لفظٍ لمسلمٍ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(١٢).

وعليه، فالمشاركةُ في كُلِّ ما خالف حُكْمَ الله الذي هو مِنْ مقتضى ربوبيته وكمالِ مُلْكه وتصرُّفه فهو اعتداءٌ وطغيانٌ على حقِّ مَنْ له الحكمُ وإليه يُرْجَعُ الأمرُ كُلُّه؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۘ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ كُلُّ شَيۡءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُۥۚ لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٨٨ [القَصص]، وقال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٥٤ [الأعراف]، وهذا الاعتداء على حقِّ الله سبحانه في الحكم يظهر جليًّا في جَعْل الشعبِ مصدرَ السلطة في النظام الديمقراطيِّ الذي معناه: «حكمُ الشعب بالشعب مِنْ أجل الشعب» الذي يترتَّب على اعتقاده واعتناقه والعملِ به المفاسدُ التالية:

۱ ـ الوقوع في شرك الحاكمية، وذلك بجَعْل الشعب شريكًا مع الله في الحكم، وهو مِنْ شرك الربوبية، ويتجلَّى ذلك عن طريقِ نُوَّاب الشعب المُنتخَبين الذين يظهر عملُهم في سَنِّ وتشريعِ قوانينَ وضعيةٍ وإلغاءِ أحكامٍ شرعيةٍ، حيث يُعْرَف الحقُّ في البرلمان بكثرة الأصابع والأيادي المرفوعة في المجالس النيابية، ولو كانَتْ تأييدًا لِمَا حرَّمه الله تعالى كالفواحش والمُنْكَرات والشركيات والنوادي الليلية ومصانعِ الخمر وغيرِها.

۲ ـ اتِّهام الشريعة بأنها لا تصلح أَنْ تكون نظامَ حكمٍ، وأنها عاجزةٌ عن إصلاحِ حياة الناس، واستبدالُ أنظمةٍ أخرى مكانَها.

۳ ـ عدم مراعاة الضوابط الشرعية في المُنتخَبين والمُنتخِبين، فاشتراطُ العدالة مُنتفٍ فيهما، وهذا ـ ولا شكَّ ـ يُنافي قولَه تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ [البقرة: ١٤٣]، وقولَه تعالى: ﴿وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ [الطلاق: ٢]، وغيرَ هذا مِنَ النصوص الشرعية.

لذلك يُلاحَظُ الجَوْرُ وعدمُ العدل في الانتخابات في النظام الديمقراطيِّ، حيث تعتمد على المساواة بين صوت المسلم والكافر، والرجلِ والمرأة، والأمينِ والخائن، وصوتِ أهل الحَلِّ والعقد وأهلِ اللهو والمجون، وقد حرَّم الله مِثْلَ هذه التسويةِ في قوله تعالى: ﴿أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٥ مَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ٣٦ [القلم]، وقولِه تعالى: ﴿أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِينَ كَٱلۡفُجَّارِ ٢٨ [ص].

٤ ـ التسابق السياسيُّ يُفضي ـ بطريقٍ أو بآخَرَ ـ إلى انتظام المسلمين ضِمْنَ أحزابٍ سياسيةٍ مُتنازِعةٍ ومُتناحِرةٍ، يُوالون عليها ويُعادون، مُضيِّعين لمبدإ الولاء والبراء في الإسلام وهو أوثقُ عُرَى الإيمان، كما يتَّخِذون الحزبيةَ ـ ضِمْنَ ما يُمليهِ الدستورُ في النظام الديمقراطيِّ ـ وسيلةً ليَصِلوا إلى الحقِّ بالباطل؛ لأنَّ «الغاية ـ عندهم ـ تبرِّر الوسيلةَ»، وهذه القاعدةُ الميكيافيلية يهوديةُ الأصل، وقد ذَكَر ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ في كتابه: «إعلام الموقِّعين»(١٣) تسعةً وتسعين دليلًا على تحريم الوسائل التي تُؤدِّي إلى الحرام، وعليه فإنَّ الانتظامَ في أحزابٍ على هذا المفهومِ ممزِّقٌ لجماعة المسلمين ومفرِّقٌ لكلمتهم ومُشتِّتٌ لوحدتهم، وقد أَمَر اللهُ تعالى بالوحدة والاجتماع، ونهى عن الفُرْقة والاختلاف؛ فقال تعالى: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْ [آل عمران: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍۚ إِنَّمَآ أَمۡرُهُمۡ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ١٥٩ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٣١ مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۢ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٣٢ [الروم].

فهذا غيضٌ مِنْ فيضٍ، والمَفاسِدُ المترتِّبة على هذا النظامِ الديمقراطيِّ المعمولِ به كثيرةٌ ومحاذيرُها خطيرةٌ، وعلى المسلم أَنْ يسلك سبيلَ البرِّ والتقوى والتعاون عليهما، وأَنْ يَدَعَ سبيلَ الإثم والعدوان ولا يتكتَّل عليهما؛ قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ [المائدة: ٢]، وليس مِنَ البرِّ والتقوى المشاركةُ في البرلمانات، سواءٌ في عضويتها أو انتخابِ أعضائها لِمَا فيها مِنْ مخالفة الشرع وتضمُّنِها لمحاذيرَ شركيةٍ، وإنما هي مِنَ التعاون على الإثم والعدوان، كما يلحقُ الحكمُ سائرَ أنماط الانتخابات الأخرى: كالانتخابات الرئاسية والولائية والمحلِّية، فإنَّ جميعها لا يُعَدُّ مِنَ التكاليف المأمورِ بها شرعًا؛ لأنها مسؤوليةُ أهل الحَلِّ والعقد في النظام الإسلاميِّ، وواجبُ الأمَّةِ اختيارُ الكفءِ لهذه المَناصِبِ العليا وَفْقَ معاييرَ شرعيةٍ موضوعةٍ لهذا الشأنِ مع امتدادِ واجبهم إلى مراقبةِ تصرُّفاتِ أصحاب القرار مِنْ أهل هذه المَناصِب وإلى نُوَّابهم، ومَدَى مُطابَقتها لأحكام الدِّين ومقاصد التشريع؛ لذلك لا ينبغي للمسلم أَنْ يُقْحِمَ نَفْسَه في مُعترَكِ الفتن، بل مقتضى التقوى يُوجِبُ عليه أَنْ ينزِّهها عن أيِّ تزكيةٍ لها بالمشاركة لهذا النظامِ المُستبدِل لشريعة الإسلام، لا مِنْ قريبٍ ولا مِنْ بعيدٍ، حتَّى يلقى اللهَ بقلبٍ سليمٍ، وما تقرَّر ـ لاحقًا ـ فهو شاملٌ للذكور والإناث على حدٍّ سواءٍ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٣ مِنْ ذي القعدة ١٤٢٥ﻫ
الموافق ﻟ: ١٥ ديسمـبر ٢٠٠٤م

 


(١) «الإرشاد» (٤٢٧).

(٢) (١٢٦).

(٣) أخرجه البخاريُّ في «المغازي» بابُ كتابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى كسرى وقيصر (٤٤٢٥) مِنْ حديثِ أبي بكرة رضي الله عنه.

(٤) «نيل الأوطار» للشوكاني (١٠/ ٢٥٥).

(٥) «منهاج السنَّة» لابن تيمية (٦/ ٣٥٠).

(٦) انظر: «أدب القاضي» للماوردي (١/ ٦٢٨).

(٧) «الإحكام» لابن حزم (٣/ ٣٢٤).

(٨) أخرجه البخاريُّ في «الشروط» باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط (٢٧٣١)، وأحمد (١٨٩١٠، ١٨٩٢٨)، مِنْ حديثِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمةَ رضي الله عنه ومروان بنِ الحكم.

(٩) قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في «تفسيره» (٤/ ٤٠٢): «وقال ابنُ أبي حاتمٍ: حدَّثنا أبي: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل أبو سلمة: حدثنا جريرٌ ـ يعني: ابنَ حازمٍ ـ قال: سمعتُ أبا يزيدَ يحدِّث قال: لقِيَتِ امرأةٌ عمرَ يُقالُ لها: خولةُ بنتُ ثعلبة، وهو يَسيرُ مع الناس، فاستوقفَتْه فوَقَف لها ودَنَا منها وأصغى إليها رَأْسَه ووَضَع يدَيْه على منكبَيْها حتَّى قَضَتْ حاجتَها وانصرفَتْ، فقال له رجلٌ: «يا أميرَ المؤمنين، حبَسْتَ رجالاتِ قريشٍ على هذه العجوز»، قال: «ويحك وتدري مَنْ هذه؟» قال: «لا»، قال: «هذه امرأةٌ سَمِع اللهُ شكواها مِنْ فوقِ سبعِ سمواتٍ، هذه خولةُ بنت ثعلبة، واللهِ لو لم تنصرف عنِّي إلى الليل ما انصرفتُ عنها حتَّى تقضيَ حاجتها، إلَّا أَنْ تحضر صلاةٌ فأصلِّيها، ثمَّ أرجع إليها حتَّى تقضيَ حاجتَها». هذا مُنقطِعٌ بين أبي يزيد وعمر بنِ الخطَّاب وقد رُوِي مِنْ غيرِ هذا الوجه».

(١٠) وهي: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والعدالة فلا تُعْرَف بفسقٍ ولا إصرارٍ على معصيةٍ، مع حُسنِ رأيٍ ومعرفةٍ بالأشخاص.

(١١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصلح» باب: إذا اصطلحوا على صُلحِ جَوْرٍ فالصلحُ مردودٌ (٢٦٩٧)، ومسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٨)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(١٢) أخرجه مسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٨) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(١٣) (٣/ ١٣٤ ـ ١٥٩).