في حكم التجنُّس بجنسية الكُفَّار | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 19 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 18 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٢٩

الصنف: فتاوى العقيدة - الولاء والبراء

في حكم التجنُّس بجنسية الكُفَّار

السؤال:

هل يجوز التجنُّسُ بالجنسية الكندية اضطرارًا لغرضٍ مادِّيٍّ، علمًا أنَّ أَخْذَ الجواز الكنديِّ لا يُلْغي جنسيَّتي الجزائرية، كما أنه يُمْكِنني ـ مِن جهةٍ أخرى ـ التخلِّي عن هذا الجواز في أيِّ وقتٍ شئتُ؟ أفيدونا بارَكَ اللهُ فيكم.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فإنه لا يجوز التجنُّسُ بالجنسية الكُفرية ولو مع المُحافَظةِ على الجنسيةِ الأصلية؛ للآثار السَّلْبية التي تعود على دِينِ المسلمِ وعقيدتِه، ويكفي أَنْ يُعْلَمَ أنه يَترتَّبُ عليه الرِّضا الضِّمْنِيُّ بتطبيقِ الأعراف والقوانين الكفرية لذلك البلد على المتجنِّس، فضلًا عن التحاكمِ إليهم، والاعتزازِ بكونه مُواطِنًا كَنَدِيًّا، وما يُفْضي إليه مِن المودَّةِ والتشبُّه بأفعالهم وأقوالهم، وهو ما يُنافي الإيمانَ إمَّا في كمالِه أو في أصلِه بحَسَبِ الحال، قال تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡ..﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡ[المائدة: ٥١]، وقال تعالى: ﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗ[آل عمران: ٢٨]؛ ففي هذه الآياتِ السابقةِ تصريحٌ بالنهي عن اتِّخاذ الكافرين أولياءَ مِن دونِ المؤمنين، وفيها تبرُّؤُ اللهِ مِن فاعِلِه، ولا شكَّ أنَّ المتجنِّسَ بجنسيةٍ كفريةٍ قد طَلَبَ وَلايةَ الكافرين واختارَ ـ عن طواعِيَةٍ ـ الانضمامَ إليهم؛ فهو معهم في الاجتماعِ والنصرة والمَنْزِل والمودَّة، ويَعُدُّه المشركون منهم؛ لذلك كان مشمولًا بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ»(١) ولو كان مدفوعًا إلى ذلك لأسبابٍ ماليةٍ أو لأغراضٍ تجاريةٍ أو غيرِها؛ لأنَّ فيه تقديمًا للدنيا على الدين، وقد ذمَّ الله تعالى ذلك بقوله: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ[النحل: ١٠٧]، وكذلك ولو كان مُحافِظًا على الجنسية الأصلية؛ لمُنافاةِ الجنسية الكفرية لمبدإ الولاء والبَراء، وهو أَوْثَقُ عُرَى الإسلام.

هذا، والمسلمُ مُطالَبٌ بإكمالِ دِينِه وزيادةِ إيمانِه بتحقيقِ العبودية لله تعالى وإظهارِ الإسلام؛ إذ مِن شروطِ إباحة السفر إلى بلاد الكفرِ: إظهارُ الدِّين والجهرُ بشعائره على سبيل الكمال بلا مُعارَضةٍ في شيءٍ منها، مع القدرة على إقامةِ مبدإِ الولاء والبَراء. ومَن لا يقدر على ذلك فالواجبُ عليه أَنْ يعودَ مِن حيث جاءَ ويجتهدَ في كَسْبِ رِزْقِه ويكتفِيَ بالقليل، ولْيَسْأَلِ اللهَ العونَ والتوفيقَ والسَّدادَ؛ فهو خيرُ مُعِينٍ وأَحْسَنُ كفيلٍ.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٤ مِن المحرَّم ١٤٢٤ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٧ مـارس ٢٠٠٣م


(١) أخرجه أبو داود في «الجهاد» بابٌ في الإقامة بأرض الشرك (٢٧٨٧) مِن حديث سَمُرَةَ بنِ جندبٍ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦١٨٦).