في صحَّة تعداد القيء والرُّعاف مِنْ نواقض الوضوء | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 24 ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 25 أغسطس 2019 م

الفتوى رقم: ٣٠٤

الصنف: فتاوى الطهارة - الوضوء

في صحَّة تعداد القيء والرُّعاف
مِنْ نواقض الوضوء

السؤال:

ثَبَتَ عن ابنِ عمر رضي الله عنهما قال: «إِذَا رَعَفَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ ذَرَعَهُ القَيْءُ، أَوْ وَجَدَ مَذِيًّا؛ فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ وَيَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُتِمُّ مَا بَقِيَ عَلَى مَا مَضَى مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ»(١)، فهل القيءُ والرُّعاف مِنْ نواقض الوضوء؟ وما هو الحكمُ المستنبَط مِنْ قوله رضي الله عنه: «فَيُتِمُّ مَا بَقِيَ عَلَى مَا مَضَى مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ»؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالأصلُ استصحابُ الوضوءِ حتى يَثْبُتَ انتقاضُهُ، والحديثُ الواردُ في السؤال ضعيفٌ مرفوعًا(٢)، والأَوْلى منه في الاحتجاج حديثُ أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أَنَّهُ «قَاءَ فَتَوَضَّأَ»(٣).

غيرَ أنَّ غايةَ ما يدلُّ عليه هذا الحديثُ هو مشروعيةُ الوضوءِ واستحبابُه لِمَنْ قَاءَ؛ لأنَّ الأصلَ في أفعال النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إذا لم تكن لِبيانِ مُجْمَلٍ دالٍّ على الوجوب ووَرَدَتْ قُرْبَةً ـ فإنَّها تُحْمَلُ على النَّدب، والزيادةُ عليه تحتاج إلى دليلٍ؛ ذلك «لأنَّ ظهورَ قصدِ القُربة فيه يوضِّح رجحانَ فعلِه على تركه، والزيادةُ عليه منتفيةٌ بالأصل، وذلك هو معنى الندب»(٤)؛ وعليه فالقيءُ ـ قليلُه وكثيرُه ـ لا ينقض الوضوءَ، بل الحديثُ المرفوعُ يدلُّ على الندب ـ كما تَقدَّم ـ والقولُ بنقضه ووجوبِ الوضوء مِنْ وقوعه يَلْزَمُه دليلٌ خاصٌّ مُوجِبٌ له، وكذلك القولُ في الرُّعاف أو خروجِ الدَّم السائل مِنَ الجروح أو الحجامة ونحوِ ذلك؛ فلا يُعَدُّ ناقضًا للوضوء(٥)؛ لأنَّ الصحابة رضي الله عنهم كانوا يُصلُّون في جراحاتهم ودمائهم(٦)، وصحَّ أنَّ عمر رضي الله عنه صلَّى وجُرْحُه ينبع دمًا، كما ذَكَره ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ(٧).

هذا، ويتفرَّع عن هذه المسألةِ أنَّ الأحناف يُوجِبون البناءَ على مَنْ رَعَف أو قَاءَ في الصلاة، بمعنَى أنَّ ما أدركه مع الإمام قبل الانصراف يُعْتَدُّ به عند الائتمام به مِنْ جديدٍ ويبني عليه؛ عملًا بمقتضى حديثِ عائشة رضي الله عنها الذي لم يعمل به الجمهورُ لضعفه(٨)؛ لذلك يرَوْن حتميةَ الإعادة عليه.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٥ رجب ١٤٢٦ﻫ
الموافق ﻟ: ٣٠ أوت ٢٠٠٥م

 


(١) أخرجه عبد الرزَّاق في «المصنَّف» (٢/ ٣٣٩) رقم: (٣٦٠٩).

(٢) قال ابن أبي حاتم في «عِلَل الحديث» (٢/ ٤٥٩): «وسُئِل أبو زُرْعة عن حديثٍ رواه إسماعيلُ ابنُ عيَّاشٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن ابنِ أبي مُلَيْكة، عن عائشة، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «إذا قاء أحَدُكم في صلاته أو رَعَف أو قَلَسَ؛ فلْيَنصرِفْ فلْيَتوضَّأْ، ثمَّ يبني على ما مضى مِنْ صلاته ما لم يتكلَّمْ؟»، قال أبو زُرْعة: «هذا خطأٌ؛ الصحيح: عن ابن جُرَيْجٍ، عن أبيه، عن ابنِ أبي مُلَيْكة، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، مُرْسَلٌ»».

(٣) أخرجه الترمذيُّ في «الطهارة» باب الوضوء مِنَ القيء والرُّعاف (٨٧) مِنْ حديثِ أبي الدرداء رضي الله عنه. وهو صحيحٌ، انظر: «الإرواء» للألباني (١/ ١٤٧) رقم: (١١١).

(٤) «مفتاح الوصول» للتلمساني ـ بتحقيقي ـ (٦٢٤).

(٥) انظر الفتوى رقم: (٢٧٩) الموسومة ﺑ: «في حكم الصلاة بقميصٍ فيه دمٌ» على الموقع الرسميِّ لفضيلة الشيخ أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ.

(٦) علَّقه البخاريُّ بصيغة الجزم في «الوضوء» (١/ ٢٨٠) بابُ مَنْ لم يَرَ الوضوءَ إلَّا مِنَ المخرجين: مِنَ القُبُل والدُّبُر، عن الحسن البصريِّ. وانظر: «تمام المِنَّة» للألباني (٥٠).

(٧) انظر الحديثَ الذي أخرجه عبد الرزَّاق في «المصنَّف» (١/ ١٥٠) رقم: (٥٧٩)، وابنُ أبي شيبة في «المصنَّف» (٢/ ٢٢٦) رقم: (٨٣٨٨)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (١٦٧٣)، مِنْ حديثِ المِسْوَر بن مَخْرَمة رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (١/ ٢٢٥) رقم: (٢٠٩). وانظر: «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٨١).

(٨) أخرجه ابنُ ماجه في «إقامة الصلاة» بابُ ما جاء في البناء على الصلاة (١٢٢١)، ولفظُه: «مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ أَوْ قَلَسٌ أَوْ مَذْيٌ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ». وضعَّفه الألبانيُّ في «ضعيف الجامع» (٥٤٢٦).