في صفة القسمة المالية في عطيَّة الأولاد | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 8 شوال 1439 هـ الموافق لـ 22 يونيو 2018 م



الفتوى رقم: ٣٠٥

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - الهبات

في صفة القسمة المالية في عطيَّة الأولاد

السؤال:

هل يجوز للأب أو صاحب المال أَنْ يقسم تَرِكتَه مِنْ مالٍ وأرضٍ ... لأبنائه وبناته وزوجته قبل وفاته ـ مثلًا ـ عن طريق الوصيَّة أو شيءٍ مِنْ هذا القبيل بصفةٍ موثَّقةٍ؛ اجتنابًا للفتنة بين الأولاد بعد موته، فإِنْ كان الجواب بالنفي فما هو الحلُّ لتجنُّب النزاع المتوقَّع بينهم؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ التركاتِ لا تقبل القسمةَ إلَّا بعد تحقُّقِ موت المورِّث وتحقُّقِ حياة الوارث، كما أنَّ الوصيَّة لا تنفذ إلَّا لغيرِ وارثٍ بعد وفاة المُوصي فيما لا يتجاوز ثُلُثَ التركة، وإنَّما يَسَعُه أَنْ يقسم أموالَه بين أولاده مِنْ باب الهِبَة أو العطيَّة، ويُشترَطُ فيها ـ إذا استوى أولادُه في الحاجة ـ العدل بينهم ذكورًا وإناثًا مِنْ غيرِ تفضيلٍ ولا تخصيصٍ ـ على أرجح الأقوال ـ عملًا بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم للبشير بنِ سعدٍ في عطيَّتِه لولده النعمان رضي الله عنهما: «أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟» قَالَ: «لَا»، قَالَ: «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ»(١)، وفي روايةٍ لمسلمٍ: «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟» قَالَ: «بَلَى»، قَالَ: «فَلَا إِذًا»(٢)، وفي روايةٍ للنسائيِّ: «هَلْ لَكَ بَنُونَ سِوَاهُ؟» قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: «سَوِّ بَيْنَهُمْ»(٣).

وصِفَةُ العدل والتسوية بين الأولاد: أَنْ يُعطى للذَّكَر ضعفُ قَدْرِ ما يُعطى للأنثى على حسَبِ قسمة الميراث الشرعيِّ على أصحِّ الأقوال، وبهذا قال عطاءٌ وشُرَيْحٌ ومحمَّد بنُ الحسن الشيبانيُّ، وهو مذهب الحنابلة واختاره ابنُ تيمية(٤)؛ ذلك لأنَّ تفضيل الذَّكَر في قسمة المواريث إنَّما هو لزيادة حاجته وإناطة مَهمَّة التكليف به؛ إذ المهر والنفقة على الزوجة والأولاد هما على الذَّكر، أمَّا الأنثى فحاصلٌ لها ذلك، وهذا المعنى موجودٌ في الهِبَة، وهذه الصفةُ في العطيَّة كانَتْ معروفةً في العهود المفضَّلة كما قال عطاءٌ ـ رحمه الله ـ: «لَا نَجِدُهُمْ كَانُوا يَقْسِمُونَ إِلَّا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ»(٥)، وهو خبرٌ عن جميعهم، وفي ذلك حجَّةٌ شرعيةٌ قائمةٌ على أنَّهم كانوا يعطون الذَّكرَ مِثْلَ حظِّ الأنثيين.

ويجدر التنبيه إلى أنه لا يتمُّ صحيحًا احتجاجُ القائلين بأنَّ المراد بالتسوية هي المماثلةُ بين الذَّكر والأنثى في العطيَّة؛ استنادًا لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما مرفوعًا: «سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي العَطِيَّةِ؛ فَلَوْ كُنْتُ مُفَضِّلًا أَحَدًا لَفَضَّلْتُ النِّسَاءَ»(٦)؛ فهذا الحديث لا ينتهض للاحتجاج بسببِ ضعفه؛ لأنَّ في سنده: سعيد بنَ يوسف، وقد اتَّفَق أهلُ الحديث على تضعيفه. 

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٢ ربيع الأوَّل ١٤٢٠ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٦ جوان ١٩٩٩م

 


(١) مُتَّفَقٌ عليه: البخاريُّ في «الهِبَة» باب الإشهاد في الهِبَة (٢٥٨٧)، ومسلمٌ في «الهِبَات» (١٦٢٣)، مِنْ حديثِ النعمان بنِ بشيرٍ رضي الله عنهما.

(٢) أخرجه مسلمٌ في «الهِبَات» (١٦٢٣) مِنْ حديثِ النعمان بنِ بشيرٍ رضي الله عنهما.

(٣) أخرجه النسائيُّ في «النُّحْل» بابُ ذكرِ اختلافِ ألفاظ الناقلين لخبر النعمان بنِ بشيرٍ في النُّحْل (٣٦٨٥، ٣٦٨٦). وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح سنن النسائي».

(٤) انظر: «المغني» لابن قدامة (٥/ ٦٠٦ ـ ٦٠٧)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣١/ ٢٧٦ ـ ٢٩٧).

(٥) أخرجه عبد الرزَّاق في «مصنَّفه» (١٦٤٩٩)، والطبرانيُّ في «المعجم الكبير» (١٨/ ٣٤٨).

(٦) أخرجه البيهقيُّ (١٢٠٠٠والطبرانيُّ في «الكبير» (١١/ ٣٥٤)، وابنُ عديٍّ في «الكامل» (٢/ ١٧٨)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١١/ ١٠٩). وضعَّفه الألبانيُّ في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (٣٤٠) و«إرواء الغليل» (١٦٢٨). وانظر: «تقريب التهذيب» (٢٤٣) و«تهذيب التهذيب» (٤/ ١٠٣) كلاهما لابن حجر.