في حقوق التسجيل والتأليف | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 21 ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 22 أغسطس 2019 م

الفتوى رقم: ٣٥٤

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - البيوع

في حقوق التسجيل والتأليف

السؤال:

لقد بلغَتْنا فتواكم فيما يخصُّ: Mحقوق تسجيل أشرطة الشيخ الألباني ~L والتي تنصُّ ـ باختصارٍ ـ على أنَّ الشيخ الألبانيَّ أوقف أشرطتَه فلا يجوز لورثته أو لغيرهم أَنْ يدَّعيَ حِفْظَ حقوق الشيخ، كما أنه لا يجوز الرجوعُ في الوقف.

وهذه مراحلُ مؤسَّسةِ منار السبيل مع هذه القضيَّة.

لقد كانَتْ أوَّلُ وقفةٍ مع حقوق الشيخ رسالةَ: Oالتوحيد أوَّلًاN وهي ـ في الأصل ـ شريطٌ مفرَّغٌ طُبِع في المجلَّة السلفية بالسعودية؛ فاتَّصَلْنا بالقائمين على التفريغ بُغْيةَ طلبِ الإذن في طبعِ الرسالة المذكورة؛ فأحالونا على صاحبِ مكتبة المعارف بالرياض لأنه صاحبُ الحقوق، ولمَّا زار صاحبُ مكتبة المعارفِ الجزائرَ عرَضْنا عليه القضيَّةَ وطلَبْنا منه الإذنَ لتسجيلِ أشرطة الشيخ الألبانيِّ ~ فمَنَع ذلك وقدَّم لنا عقودًا مع الألبانيِّ ~ فتوقَّفْنا عن التسجيل، وبقِيَتْ عندنا بعضُ أشرطته مسجَّلةً فطلَبْنا الإذنَ مِنْ صاحب مكتبة  المعارف في بيعها فأَذِن لنا دفعًا للمفسدة على أَنْ نتوقَّف بعدها، وبقي بعضُ إخواننا يسجِّلون مُعتمِدين على كلامٍ سابقٍ للقائمين على تفريغ الشريط: Mالأمرُ لم ينضبط بعدُL، مع العلم بأنَّ هذا الكلامَ كان قبل مجيءِ صاحبِ مكتبة المعارف للجزائر، أمَا وقد جاء وقال: لا أسمحُ بتسجيل أشرطة الشيخ ~ فقَدْ أعَدْنا الاتِّصالَ بالقائمين على تفريغ الشريط فكان الجواب: أنَّ الأمر انضبط بمجيءِ صاحب مكتبة المعارف؛ فمَنْ أراد التسجيلَ فلْيُراجِعْه، وفي إطارِ اتِّصالاتنا بصاحبِ مكتبة المعارف، جدَّدْنا معه الاتِّفاقَ بشروطٍ جديدةٍ، وبقي الأمرُ كذلك إلى أَنْ وصلَتْنا فتواكم السالفةُ البيان، التي انبنى عليها السؤالُ التالي:

هل إذنُ الشيخ الألبانيِّ ~ يُعَدُّ وقفًا عامًّا، أم يُقالُ: إنَّ بيع الشيخ لحقوقه يُسْقِط هذا الفهمَ لأنَّ العبرة بالنيَّات والمعاني لا الألفاظ والمباني؟ أفيدونا جزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

ففي المسألة الواردة في قضيَّةِ حقوقِ أشرطة الألبانيِّ ~ فإنَّ الطرح ـ في اعتقادي ـ ليس على مسألةِ ما اصطُلِح عليه بحقِّ الإنتاج الذهني أو الحقِّ الفكريِّ أو حقِّ الابتكار بشِقَّيْه الأدبيِّ والماليِّ، هذا نوعٌ مِنَ الحقِّ لم يكن معروفًا في الشرائع القديمة، تَولَّد مِنَ العوامل والوسائل المدنية والاقتصادية الحديثة، وفرَضَ نفسَه كمبدإٍ شرعيٍّ مخرَّجٍ على قاعدةِ المصالح المُرْسَلة في مجال الحقوق الخاصَّة، فإنَّ المنظور المقاصديَّ في إقرارِ مثلِ هذه الحقوقِ مبنيٌّ على تشجيع الاختراع والإبداع بحمايته مِنْ سطو الغير على حصيلة الجهد وثمرة الابتكار والتفكير، ولا شكَّ أنَّ حرمةَ هذا الحقِّ مِنْ جهته الأدبية يبقى لصاحب الحقِّ خالصًا مِنْ غيرِ مُنازِعٍ، وهو ما تقتضيه الديانةُ وتحمُّلُ الأمانة، لكنَّ الطرح الذي يفرض نَفْسَه يكمن في التساؤل عن حرمةِ هذا الحقِّ مِنْ جانبه الماليِّ بعد انتشار الإنتاج الذهنيِّ على وجه العموم واستفادةِ الناس منه مِنْ غيرِ مطالبةِ صاحب الحقِّ ـ مبدئيًّا ـ بحقِّ الاحتفاظ به، فهل ينقلب الحقُّ الخاصُّ مِنْ هذا الجانبِ إلى حقٍّ عامٍّ يفقد صاحبُه حمايةَ الحقِّ الماليِّ أم لا؟؟

وفي تقديري أنَّ حقَّه الخاصَّ صار مِنْ حقِّ الأمَّةِ في الاستفادة مِنْ تلك العلوم والمعارف الشرعية لسَدِّ حاجاتها وتنميةِ مواهبها وتعميمِ نفعها، ويتبلور ذلك في حلقاته العامَّة التي أجاز فيها لمُبتغي العلمِ التسجيلَ؛ لذلك لا يَسَعُ صاحبَ مكتبةِ المعارفِ المطالبةُ بحماية الحقِّ الماليِّ ما دام أنَّ الألبانيَّ ~ لم يشترطِ ابتداءً حمايتَه، وإنَّما أَطْلَقه للنفع العامِّ، مع آكَدِيَّة الاحتفاظ بحقِّه الأدبيِّ، ومراعاةِ شروطه وآدابه والأحكامِ المتعلِّقة به، شأنُه في ذلك كالمؤلَّفات القديمة والكُتُب التراثية.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٩ ربيع الثاني ١٤٢٢ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٠ جوان  ٢٠٠٢م