في تحريم الكذب بأنواعه وأشكاله | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 24 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2019 م

الفتوى رقم: ٣٥٥

الصنف: فتاوى متنوِّعة - الرقائق

في تحريم الكذب بأنواعه وأشكاله

السؤال:

ما هو نوع الكذب الذي يُعتبَرُ إثمًا؟ وما حكم الكذب بغير قصدٍ، والكذبِ الأبيض ـ كما يُقال ـ والقصَّة الهادفة المختلَقة لغرض تربويٍّ ونحوِ ذلك؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالكذب خلافُ الصدق، وهو محرَّمٌ شرعًا، ومعدودٌ مِنْ كبائر الذنوب التي تهدي إلى الفجور الذي هو عَلَمٌ على النار وسبيلٌ لها، والمسلم يتَّقي النارَ ويعمل على تجنُّبها لئلَّا يقع فيها؛ لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ[التحريم: ٦] الآية، وقد توعَّد اللهُ الكاذبين باللعنة وسوءِ المصير في نصوصٍ متعدِّدةٍ منها: قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِ‍َٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٠٥[النحل]، وقولُه تعالى: ﴿فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ ٦١[آل عمران]، وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا»(١)، وقد جعل النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم كَذِبَ الحديثِ مِنَ النفاق وآياتِه حيث قال: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ»(٢)، وفي حديثٍ آخَرَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ»(٣)؛ كما أنَّه من أسبابِ مَحْقِ البَرَكةِ حيثُ قال النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في البَيِّعَانِ: «...فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا»(٤).

والكذب حُرِّم بكُلِّ أنواعه وأشكاله لِمَا فيه مِنَ الضرر على الكاذب والمُخاطَب وغيره، فإِنْ تعلَّقَتْ به مصلحةٌ شرعيةٌ أو دفعُ مضرَّةٍ أُجيزَ بالتورية والمعاريض استنثناءً: كما إذا كان لا يتمُّ مقصودُ الحرب أو إصلاحِ ذات البين أو استمالةِ قلب المجنيِّ عليه أو تعاشُرِ الزوجين إلَّا به؛ لقوله صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لَا يَحِلُّ الكَذِبُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: يُحَدِّثُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ لِيُرْضِيَهَا، وَالكَذِبُ فِي الحرْبِ، والكَذِبُ لِيُصْلِحَ بَيْنَ الناسِ»(٥)، ونَقَل ابنُ حزمٍ ـ رحمه الله ـ اتِّفاقَ العلماء على تحريم الكذب في غيرِ هذه الثلاث(٦).

غير أنَّ المراد بالكذب في نصِّ الحديث المتقدِّمِ هو التوريةُ والمعاريض على أصحِّ قولَيِ العلماء(٧)، فمَنْ أمكنه جلبُ منفعةٍ أو حقٍّ مسلوبٍ أو دفعُ مَضرَّةٍ عنه أو عن مسلمٍ بالمعاريض ﻓ «إِنَّ فِي المَعَارِيضِ مَنْدُوحَةً عَنِ الكَذِبِ» كما نُقِلَتْ عن السلفِ هذه المقولةُ.

فإِنْ تعذَّر إبعادُ المفسدة ودفعُ الضرر بالتورية والمعاريض قدَّر المفسدتين أو الضررين وأخذ بأخفِّهما مفسدةً وضررًا؛ عملًا بقاعدةِ: «الضَّرَرُ الأَشَدُّ يُزَالُ بِالضَّرَرِ الأَخَفِّ»، أو قاعدةِ: «إِذَا تَعَارَضَتْ مَفْسَدَتَانِ رُوعِيَ أَعْظَمُهُمَا ضَرَرًا بِارْتِكَابِ أَخَفِّهِمَا»(٨).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.



(١) أخرجه البخاريُّ في «الأدب» بابُ قولِ الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩[التوبة] وما يُنهى عن الكذب (٦٠٩٤)، ومسلمٌ في «البرِّ والصلة والآداب» (٢٦٠٧)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه.

(٢) أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» بابُ علامة المنافق (٣٣)، ومسلمٌ في «الإيمان» (٥٩)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٣) أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» بابُ علامة المنافق (٣٤)، ومسلمٌ في «الإيمان» (٥٨)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنهما.

(٤) أخرجه البخاريُّ في «البيوع» بابُ ما يمحق الكذبُ والكتمانُ في البيع (٢٠٨٢)، ومسلمٌ في «البيوع» (١٥٣٢)، مِنْ حديثِ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ رضي الله عنه.

(٥) أخرجه الترمذيُّ في «البرِّ والصِّلَة» بابُ ما جاء في إصلاحِ ذات البَيْن (١٩٣٩) مِنْ حديثِ أسماء بنت يزيد بنِ السكن الأنصارية رضي الله عنهما. والحديث حسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٧٧٢٣)، وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٢/ ٨٣).

(٦) انظر: «مراتب الإجماع» لابن حزم (١٥٦).

(٧) وجديرٌ بالتنبيه: أنَّ العلماء يختلفون في الكذب المُرخَّصِ فيه في الحديث: هل هو الكذب الصريح أم مجرَّد التورية؟ وقد رجَّح ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ أنَّ المراد بالكذب في الحديث هو التورية، انظر: «مفتاح دار السعادة» لابن القيِّم (٢/ ٣٩٤ ـ ٣٩٦)، والفتوى رقم: (١٠٤٤) بعنوان: «في مداراة الرجل زوجتَه باليمين الكاذبة».

أمَّا حديثُ ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «الْكَذِبُ كُلُّهُ إثْمٌ إِلَّا مَا نُفِعَ بِهِ مُسْلِمٌ، أَوْ دُفِعَ بِهِ عَنْ دِينٍ» الذي أخرجه مرفوعًا الرويانيُّ (٢٤/ ١٢٦/ ٢)، والبزَّار (٢٠٦١)، فقَدْ ضعَّفه الألبانيُّ في «السلسلة الضعيفة» (٥/ ١٩٢ ـ ١٩٣)، وقال: «هذا إسنادٌ ضعيفٌ مُظلِمٌ»، وعلى فرضِ صحَّتِه، أو صحَّةِ وقفِه فيُحْمَل على التورية لا على الكذب الصريح.

(٨) انظر: «الأشباه والنظائر» للسيوطي (٨٧)، «الأشباه والنظائر» لابن نجيم (٩٨)، «شرح القواعد الفقهية» للزرقا (١٤٥ ـ ١٤٧)، «الوجيز» للبورنو (٢٠٣).