في حكم تسويق البضائع المغشوشة والمزوَّرة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 19 ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 20 أغسطس 2019 م



الفتوى رقم:  ٣٥٩

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - البيوع

في حكم تسويق البضائع المغشوشة والمزوَّرة

السؤال:

لقد عمَّتْ ظاهرة الغشِّ في المعاملات التجارية، حتَّى أضحى كثيرٌ مِنَ المُستورِدين يأخذون سلعةً أصليةً إلى الصين ويصنعون أمثالَها، وتُوضَع في عُلَبٍ شبيهةٍ بالأصلية، وتُسوَّق على أنها الأصليةُ، فهل يُعَدُّ هذا اعتداءً على حقوق الآخَرِين؟ وماذا يَلْزَم مَنْ يملك مِثلَ هذه البضائع؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمسلم ينبغي أَنْ يكون صادقًا ويلتزمه خُلُقًا له ظاهرًا وباطنًا، فإذا عامل غيرَه صَدَقه في معاملته؛ فلا يغشُّه، ولا يخدعه، ولا يغرِّر به، ولا يزوِّر عليه بحالٍ مِنَ الأحوال؛ ذلك لأنَّ الصدق مِنْ متمِّماتِ إيمانه، ومكمِّلات إسلامه؛ قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «[عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ]، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، [وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ]، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا»(١)؛ لذلك أَمَر اللهُ تعالى المؤمنين بالْتزامِ صفات الصادقين في القول والفعل والحال؛ قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩ [التوبة]، قال السعديُّ ـ رحمه الله ـ: «﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بالله وبما أَمَر اللهُ بالإيمان به، قوموا بما يقتضيهِ الإيمانُ، وهو القيامُ بتقوى الله تعالى، باجتنابِ ما نهى اللهُ عنه والبعدِ عنه. ﴿وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩﴾ في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، الذين أقوالُهُم صدقٌ، وأعمالهم وأحوالهم لا تكون إلَّا صدقًا خليَّةً مِنَ الكسل والفتور، سالمةً مِنَ المقاصد السيِّئة، مُشتمِلةً على الإخلاص والنيَّة الصالحة، فإنَّ الصدق يهدي إلى البرِّ، وإنَّ البرَّ يهدي إلى الجنَّة»(٢).

ومِثلُ هذا البيعِ صحيحٌ مع أنه حرامٌ لغيره؛ لِمَا فيه مِنْ أكلِ مال الآخَرِين بغير إذنهم، والكذبِ على الناس وغِشِّهم، ومخالفةِ وليِّ الأمر، وهذه صفاتٌ قبيحةٌ وإذايةٌ للمسلمين، والقبحُ وأذى المسلمين لا يكون خُلُقًا للمسلم ولا وصفًا له بحالٍ؛ قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ٥٨ [الأحزاب]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ ٱلۡمَكۡرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهۡلِهِۦ [فاطر: ٤٣]، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي»(٣).

والمسلم قريبٌ مِنَ الخير بعيدٌ عن الشرِّ؛ فيجتنبه ولا يُعينُ عليه لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ [المائدة: ٢].

وبناءً عليه، فمَنْ باع هذه السِّلَعَ والبضائع المغشوشة على صِفَتها فهو غيرُ ناصحٍ ولا أمينٍ، وفي الحديث: «أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ»(٤)، ويلحقه الإثمُ، ويبقى البيعُ موقوفًا على رأي المشتري في التخيير بين الإمساك والردِّ، وذلك بعد علمه، وربحُ البائع ليس محرَّمًا لذاته؛ لذلك يصحُّ له أَنْ ينتفع به، وعليه أَنْ يتوب مِنْ معاملته، وما بقي عنده مِنْ تلك البضاعةِ فعليه تعريفُ المشتري بحالها إِنْ رَغِب في شرائها منه، ويمتنِع ـ بعد التخلُّص منها ـ أَنْ يعود إليها أو يعين عليها.

علمًا أنَّ النهي عن الكذب والغشِّ والتدليس وكتمانِ العيب ونحوِها في المعاملات أو في حقِّ العبد لا يُفْسِد أصلَ البيع، ويدلُّ عليه حديثُ حكيم بنِ حزامٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ـ أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا ـ فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا»(٥)، وحديثُ أبي هريرة رضي الله عنه في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا: إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ»(٦)، ولا يخفى أنَّ ثبوت الخيار قاضٍ بصحَّة البيع؛ فيصير بذلك العقدُ جائزًا لا لازمًا.

هذا، وعلى المسلم أَنْ يتَّقيَ اللهَ ويسلك طُرُقَ الكسب الحلال، فإنَّ تقوى الله وإرضاءَه سببٌ لتيسير اللهِ أمرَه؛ قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢ وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا ٣ [الطلاق]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا ٤ ذَٰلِكَ أَمۡرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُۥٓ إِلَيۡكُمۡۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّ‍َٔاتِهِۦ وَيُعۡظِمۡ لَهُۥٓ أَجۡرًا ٥ [الطلاق].

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١ صفر ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ١ مارس ٢٠٠٦م

 


(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأدب» بابُ قولِ الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩[التوبة] وما يُنهى عن الكذب (٦٠٩٤)، ومسلمٌ ـ واللفظُ له ـ في «البرِّ والصِّلَة والآداب» (٢٦٠٧)، مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه. وما بين المعقوفين مِنْ زيادةِ مسلمٍ.

(٢) «تفسير السعدي» (٤٠٦ ـ ٤٠٧).

(٣) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (١٠١، ١٠٢) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٤) أخرجه أبو داود في «الإجارة» بابٌ في الرجل يأخذ حقَّه مَنْ تحت يده (٣٥٣٥)، والترمذيُّ في «البيوع» (١٢٦٤)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٤٢٣).

(٥) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «البيوع» باب: إذا بيَّن البيِّعان ولم يكتما ونَصَحا (٢٠٧٩)، ومسلمٌ في «البيوع» (١٥٣٢)، مِنْ حديثِ حكيم بنِ حِزامٍ رضي الله عنه.

(٦) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «البيوع» باب النهي للبائع أَنْ لا يحفِّلَ الإبلَ والبقر والغنم وكُلَّ محفَّلةٍ (٢١٤٨، ٢١٥٠)، ومسلمٌ في «البيوع» (١٥١٥)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.