في حكم ألبان البقر المعلوفة بموادَّ محرَّمةٍ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 19 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 18 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٣٦٩

الصنف: فتاوى الأشربة والأطعمة - الأشربة

في حكم ألبان البقر المعلوفة بموادَّ محرَّمةٍ

السؤال:

هناك أنواعٌ مِن الحليب تأتي مِن مَناطِقَ غيرِ مسلمةٍ، ويُطْعِمون أبقارَهم عَلَفًا لا ندري ما هو؟! وقد يكون مخلوطًا ببعض الأعلاف النَّجِسة والمُنْتَجات الحيوانية في بلادهم؛ فهل هذا محرَّمٌ؟ جزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فألبانُ الأبقار التي تُعْلَفُ الموادَّ التي يُشَكُّ فيها أنها محرَّمةٌ فإنَّ الجواب عنها مِن جهتين:

الأولى: أنه إذا خَفِيَ عنَّا ما تُعْلَفُ هذه الأنعامُ فإنَّ الأصل أنَّنا لا نسأل عنها بناءً على القاعدة: «مَا غَابَ عَنَّا لَا نَسْأَلُ عَنْهُ»، كما صحَّ عن عائشة رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم سُئِلَ: «إِنَّ هَا هُنَا أَقْوَامًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِشِرْكٍ، يَأْتُونَا بِلُحْمَانٍ لَا نَدْرِي: يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا أَمْ لَا»، قَالَ: «اذْكُرُوا أَنْتُمُ اسْمَ اللهِ وَكُلُوا»(١).

الثانية: إذا ما عُلِمَ علمًا قَوِيَ الظنُّ فيه أنها تُعْلَفُ نجاساتٍ تُعْطَى لها فإنَّ حُكْمَها ـ والحالُ هذه ـ حكمُ الجلَّالة(٢) التي اعتراها خُبْثُ النجاسات وجراثيمُها ممَّا يُؤثِّرُ سَلْبًا في طِيبِ لحمِها ولبنِها؛ لذلك فالقولُ بالمنع أَوْلى وأَحْوَطُ للدين؛ لِمَا رواهُ ابنُ عمر رضي الله عنهما أنه: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا»(٣)، وفي لفظٍ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الجَلَّالَةِ فِي الْإِبِلِ: أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا أَوْ يُشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِهَا»(٤)، وفي حديثِ عبد الله بنِ عَمْرِو بنِ العاص رضي الله عنهما: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الجَلَّالَةِ: عَنْ رُكُوبِهَا وَأَكْلِ لَحْمِهَا»(٥).

ويجدر التنبيهُ ـ أيضًا ـ أنَّ الأثر الطارئ النَّجِسَ الواقعَ على الحيوان يضرُّ بالإنسان متى أَكَلَ مِن الحيوان أو شَرِبَ مِن لبنِه قبل حَبْسِه وإعلافِه العَلَفَ الطاهر، وهذا الحكمُ يبقى قائمًا إلَّا إذا كان الأثرُ الطارئُ النَّجِسُ الذي اعترى الحيوانَ في تغذيته أُزيلَ مِن خلالِ تغذيتِه العَلَفَ الطاهر؛ فقَدْ يُتيقَّنُ ذلك مِن خلالِ تَقَدُّمِ الطبِّ البيطريِّ، أو بمُضِيِّ أقصى مُدَّةٍ يُتَأكَّدُ ـ مِن خلالها ـ طِيبُ لحمِ الحيوانِ ولَبَنِه، وذلك حفاظًا على صحَّةِ الإنسان وسلامتِه مِن الأضرار التي تُفْضي به إلى التهلكة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٢٩[النساء]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ[البقرة: ١٩٥]، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»(٦).

هذا، وإذا كان مِن النجاسات اليسيرةِ المطعومةِ ما ينغمر تحت الأعلافِ الطيِّبة الطاهرةِ مِن الموادِّ التي تُعْطى لهذه الأنعامِ فحكمُها حِلُّ لحمِها إِنْ ذُبِحَتْ بيدِ مسلمٍ أو كتابيٍّ، وتَحِلُّ ألبانُها ـ أيضًا ـ جريًا على قاعدةِ أنَّ «مُعْظَمَ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَ الكُلِّ» أو قاعدةِ: «الأَكْثَرُ يَقُومُ مَقَامَ الكُلِّ».

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٨ جمادى الثانية ١٤٢٦ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٤ جويلية ٢٠٠٥م


(١) أخرجه البخاريُّ في «التوحيد» بابُ السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذةِ بها (٧٣٩٨) مِن حديث عائشة رضي الله عنها.

(٢) الجلَّالةُ مِن الحيوان: ما تتبعُ النجاساتِ فتأكلُ العَذِرَةَ والبعر ونحوَ ذلك، [انظر: «النهاية» لابن الأثير (١/ ٢٨٨)، «مختار الصحاح» للرازي (١٠٧)].

(٣) أخرجه أبو داود في «الأطعمة» بابُ النهي عن أكلِ الجلَّالة وألبانها (٣٧٨٥)، والترمذيُّ في «الأطعمة» بابُ ما جاء في أكلِ لحوم الجلَّالة وألبانها (١٨٢٤)، وابنُ ماجه في «الذبائح» باب النهي عن لحوم الجلَّالة (٣١٨٩)، مِن حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٨٥٥).

(٤) أخرجه أبو داود في «الأطعمة» باب النهي عن أكلِ الجلَّالة وألبانها (٣٧٨٧) مِن حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما. وقال الألبانيُّ في «صحيح أبي داود» برقم: (٢٣٠٦): «إسنادُه حَسَنٌ صحيحٌ».

(٥) أخرجه أبو داود في «الأطعمة» بابٌ في أكلِ لحوم الحُمُرِ الأهلية (٣٨١١)، والنسائيُّ في «الضحايا» بابُ النهي عن أكلِ لحوم الجلَّالة (٤٤٤٧)، مِن حديث عبد الله بنِ عمرِو بنِ العاص رضي الله عنهما. وانظر: «إرواء الغليل» (٨/ ١٥٠).

(٦) أخرجه ابنُ ماجه في «الأحكام» بابُ مَن بَنَى في حقِّه ما يضرُّ بجارِه برقم: (٢٣٤٠) مِن حديث عُبادة بنِ الصامت رضي الله عنه، وبرقم: (٢٣٤١) مِن حديث ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٨٩٦).