في حكم الاستفادة مِن كتاب «إحياء علوم الدين» لأبي حامدٍ الغزَّالي | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 20 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٣٧٠

الصنف: فتاوى متنوِّعة - العلم والعلماء

في حكم الاستفادة مِن كتاب
«إحياء علوم الدين» لأبي حامدٍ الغزَّالي

السؤال:

أريد ـ منكم ـ جوابًا شافيًا عن حكمِ الاستفادة مِن كتابِ: «إحياء علوم الدين» ونبذةٍ عن مُؤلِّفِه. وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فكتابُ «إحياءِ علوم الدِّين» لأبي حامدٍ الغزَّاليِّ تَضمَّنَ موضوعاتٍ فاسدةً وموادَّ مذمومةً هي مِن خُزَعْبلات الفلاسفة وتَمحُّلاتِ المتكلِّمين وأغاليطِ الصوفية وأحوالِهم وتُرَّهاتِهم ورموزِهم، خاصَّةً فيما يَتعلَّقُ بالتوحيد والنبوَّةِ والمَعاد وغيرِها، كما شَحَنَ صاحِبُه كتابَه بالأحاديث الباطلة والآثارِ الضعيفة، بل بأحاديثَ مكذوبةٍ وموضوعةٍ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وضَمَّنَ كتابَه ـ أيضًا ـ بآدابٍ ورسومٍ وزُهْدٍ على طريقةِ مُنْحرِفي الصوفية، ونحوِ ذلك ممَّا ذَكَرَه علماءُ الشريعة في كتابه «الإحياء».

وعليه، فمَن كان يتمتَّعُ بقدرةٍ علميةٍ تُمكِّنُه مِن التمييز بين الحقِّ والباطل، والصحيحِ والضعيف، مع الإحاطة بالمُعْتَقداتِ الباطلة ومعرفةِ عقيدة المتصوِّفين ومَن شاكَلَهم؛ فيعتصمُ بما مكَّنه اللهُ مِن العلم مِن غوائلِ هذا الكتاب؛ فله أَنْ يستفيدَ مِن الحقِّ الذي فيه، وعليه أَنْ يَدَعَ عنه الباطلَ على طريقةِ أهل السنَّة.

أمَّا مَن لم تكن له درايةٌ علميةٌ تمييزيةٌ فلا يجوز له أَنْ يقرأه ـ وإِنْ كان فيه ما يُنْتَفَعُ به ـ خشيةَ الوقوعِ في الشُّبَهِ والوساوس والمَفاسِدِ، ويمكن أَنْ يستغنيَ عنه بكتاب «منهاج القاصدين» لأبي الفَرَجِ بنِ الجوزيِّ، أو مُخْتَصره لابن قُدامةَ المقدسيِّ، أو ما سطَّرَهُ القاسميُّ في كتاب «موعظة المؤمنين».

وأمَّا شخصيةُ أبي حامدٍ محمَّدِ بنِ محمَّد بنِ محمَّدٍ الغزَّاليِّ الطوسيِّ الشافعيِّ، الملقَّبِ بحجَّة الإسلام، فهي شخصيةٌ أصوليةٌ نادرةٌ في عصره، وَصَفَهُ ابنُ السبكيِّ بجامعِ أشتات العلوم، والمبرِّزِ في المنقولِ منها والمفهوم، صاحِب التصانيف المُفيدةِ العديدةِ ﻛ: «المستصفى» و«المنخول» و«المكنون» في أصول الفقه، و«الوسيط» و«البسيط» و«الوجيز» و«الخلاصة» في الفقه، وله «إحياءُ علوم الدين» و«تهافُتُ الفلاسفة» و«معيارُ العلم» و«المُنْقِذُ مِن الضلال»، وغيرُها(١).

غير أنَّه اقترنَتْ عقيدتُه بعقيدةِ أبي الحسن الأشعريِّ في مرحلته الثانية، وهو معدودٌ مِن كِبارِ متكلِّمي الأشعرية، ومَسْلَكُه في التزكية مَسْلكُ المتصوِّفين في رياضتهم ومُجاهَدتِهم أَنْفُسَهم وخلواتِهم وغيرِ ذلك ممَّا هو معروفٌ في تراتيبهم ومَدارِجِ السالكين، وهو ـ مِن حيث عقيدتُه ـ مِن الأعلام البارزين للمذهبين الأشعريِّ والصوفيِّ، ومِن دُعَاتِهما والمُدافِعين عنهما، إلَّا أنه كان متقلِّبًا في المذاهب التي تأثَّرَ بها حين دراسته لها كما أَفْصَحَ عن ذلك بنَفْسِه في «المُنْقِذ مِن الضلال»(٢)؛ لذلك قال عنه ابنُ رشدٍ الحفيدُ: «لم يَلْزَم ـ أي: الغزَّاليُّ ـ مذهبًا مِن المذاهب في كُتُبِه، بل هو مع الأشعريَّة أشعريٌّ، ومع الصوفيَّة صوفيٌّ، ومع الفلاسفة فيلسوفٌ...»(٣).

وسببُ اضطرابِه وحيرتِه بين المذاهب هو الْتزامُه لمنهجِ المتكلِّمين وعدَمُ اعتماده على نصوص الكتاب وخاصَّةً السنَّة التي صرَّح بقلَّةِ بضاعته فيها، وانقضى جزءٌ كبيرٌ مِن عُمُره في هذا الطريق.

لكنَّ اللهَ أرادَ له خيرًا؛ فرَجَعَ ـ في آخِرِ أمرِه ـ إلى طريق الحقِّ، كما هو شأنُ كثيرٍ مِن أهل الكلام والمتصوِّفةِ ومَن على شاكِلَتِهم: رجعوا مِن الزيغ والضلال الذي كانوا عليه إلى الحقِّ والنور والهدى الذي عليه أهلُ السنَّة والجماعة، وقد ألَّف كتابًا في ذمِّ علمِ الكلام سمَّاه «إلجامَ العوامِّ عن علمِ أهل الكلام»، وممَّا قاله ـ رحمه الله ـ: «اعْلَمْ أنَّ الحقَّ الذي لا مِراءَ فيه عند أهل البصائر هو مذهبُ السلف أعني: مذهبَ الصحابةِ والتابعين»(٤)، وقال ـ أيضًا ـ: «الدليل على أنَّ مذهب السلفِ هو الحقُّ أنَّ نقيضه بدعةٌ، والبدعة مذمومةٌ وضلالةٌ»(٥)، وقال ـ أيضًا ـ: «إنَّ الصحابة رضوانُ اللهِ عليهم، كانوا محتاجين إلى مُحاجَّةِ اليهود والنصارى في إثباتِ نُبُوَّةِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، فما زادوا على أدلَّةِ القرآن شيئًا، وما رَكِبوا ظَهْرَ اللَّجَاجِ في وَضْعِ المَقاييس العقلية، وترتيبِ المقدِّمات؛ كُلُّ ذلك لعِلْمهم بأنَّ ذلك مَثارُ الفِتَن، ومنبعُ التشويش، ومَن لا يُقْنِعُه أدلَّةُ القرآنِ لا يُقْنِعُه إلَّا السيفُ والسِّنانُ؛ فما بعد بيانِ اللهِ بيانٌ»(٦).

وهكذا أَقْبَلَ على حديثِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ومُجالَسةِ أهلِه ومُطالَعةِ الصحيحين إلى أَنْ تُوُفِّيَ سنة: (٥٠٥ﻫ) وهو على هذه الحال.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٨ جمادى الثانية ١٤٢٦ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٤ جويلية ٢٠٠٥م


(١) انظر ترجمته في: «تبيين كذب المفتري» لابن عساكر (٢٩١)، «اللباب» (٢/ ٣٧٩) و«الكامل» (١٠/ ٤٩١) لابن الأثير، «وفيات الأعيان» لابن خِلِّكان (٤/ ٢١٦)، «دُوَل الإسلام» (٢/ ٣٤) و«سِيَر أعلام النبلاء» (١٩/ ٣٢٢) كلاهما للذهبي، «مرآة الجنان» لليافعي (٣/ ١٧٧)، «طبقات الشافعية» للسبكي (٦/ ١٩١)، «طبقات الإسنوي» (٢/ ٢٤٢)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١٢/ ١٧٣)، «وفيات ابن قنفذ» (٢٢٦)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٤/ ١٠)، «الأعلام» للزركلي (٧/ ٢٤٧)، ومؤلَّفنا: «الإعلام» (٣٧٨).

(٢) «المُنْقِذ مِن الضلال» للغزَّالي (٣).

(٣) «فصل المَقال فيما بين الحكمة والشريعة مِن الاتِّصال» لابن رشدٍ الحفيد (٥٢).

(٤) «إلجام العوامِّ» للغزَّالي (٣).

(٥) المصدر السابق (٨٩).

(٦) المصدر السابق (٩٠).