في رفع شكوى جماعية لأولي الأمر لإزالة منكر | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 24 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2019 م

الفتوى رقم: ٤١٦

الصنف: فتاوى منهجية

في رفع شكوى جماعية لأولي الأمر لإزالة منكر

السؤال:

كيف يتصرَّفُ المسلمُ الغَيُورُ على دِينِه مع أُناسٍ يَسُبُّونَ اللهَ ودِينَه في الطُّرُقات؟ وهل يجوز الإمضاءُ على شَكْوَى جماعيةٍ يُطالِبُ فيها المُشْتَكُونَ السلطاتِ المَعْنِيَّةَ بالتصدِّي للتجاوزات التي تَصْدُرُ مِنْ بعض المُنْحَرِفين؟

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقد أجمعَتِ الأُمَّةُ على وجوبِ إنكارِ المُنْكَرِ لِمَا فيه مِنْ صلاحِ العباد والبلاد، قال تعالى: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ[آل عمران: ١١٠]، وقال اللهُ تعالى: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٧١[التوبة].

ولكِنْ كُلٌّ بحَسَبِ قُدْرَتِه على تغييرِ المُنْكَرِ بالقول أو الفعل: بيده أو بلسانه أو بقلبه؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ»(١).

وإنكارُ المُنْكَرِ بالقلب مِنَ الفروض العينية، ويكون بكراهةِ المُنْكَرِ وحصولِ الأثر في القلب بسبَبِ ذلك، ولا يَسْقُطُ الإنكارُ بالقلب عن أَحَدٍ في كُلِّ الأحوال، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِذَا عُمِلَتِ الخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا ـ وَقَالَ مَرَّةً: أَنْكَرَهَا ـ كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا»(٢).

أمَّا التغييرُ باليد واللِّسان فهو على الكفاية، ويَتعيَّنُ تغييرُ المُنْكَرِ ـ وجوبًا ـ على الواحد مِنَ الجماعةِ إذا لَمْ يَتغيَّرْ إلَّا به لقُدْرَتِه عليه، والتغييرُ باليد يكونُ مِنَ السلطانِ ونُوَّابِهِ في الولايات العامَّة، ويجوز استعمالُ التدرُّجِ الإداريِّ والأمنيِّ لرَفْعِ المُنْكَراتِ وقَمْعِ أهلِ المَعاصي والفجور وتخليصِ الناسِ مِنْ أضرارِهم، برَفْعِ شَكْوَى جماعيةٍ أو مُنْفَرِدةٍ للمَصالِحِ المَعْنِيَّة، وبالطُّرُقِ الإداريةِ المعلومة، مِنْ غيرِ أَنْ يأخذ هذا المسلكُ طابعَ تأليبِ الناسِ على وُلَاةِ أمورهم، والتشهيرِ بعيوبهم بسبَبِها، والتشنيعِ عليهم؛ لأنَّ هذا المَسارَ يُؤدِّي بطريقٍ أو بآخَرَ إلى إثارةِ الرَّعاعِ وإشعالِ الفتنة، ويُوجِبُ الفُرْقَةَ بين الإخوة، وهذه النتائجُ غيرُ مَرْضِيَّةٍ شرعًا، والغايةُ فيها لا تُبرِّرُ الوسيلةَ.

هذا، والتغييرُ باليد واجبٌ ـ أيضًا ـ على مَنْ يَتمتَّعُ بقدرةٍ على التغييرِ في الولايات الخاصَّةِ كصاحِبِ البيت مع مَنْ هُمْ تحت سَقْفِه وولايته، أو مَنْ له عليهم سلطةٌ أدبيةٌ كالمعلِّم والمدرِّس مع تلامذته ونحوِهم، وإلَّا انتقل إلى الإنكار باللسان.

والتغييرُ ينبغي أَنْ يكون بأسلوبِ اللِّينِ والمُجامَلةِ والمُداراةِ والحكمةِ والموعظةِ الحسنة، كما نَصَّتْ على ذلك الآياتُ والأحاديثُ الشرعية، وهذا إذا كان اللِّينُ والمُداراةُ أَنْفَعَ له وأَبْلَغَ في الزجر؛ فالناسُ محتاجون إلى المُداراةِ والرِّفْقِ والأمرِ بالمعروف بلا غِلْظةٍ، إلَّا رجلًا مُعْلِنًا بالفسقِ فلا حُرْمةَ له كما قال الإمامُ أحمد، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡ[التوبة: ٧٣؛ التحريم: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ[العنكبوت: ٤٦].

هذا، ولا يجب على الواحدِ مُصابَرةُ أَكْثَرَ مِنِ اثنين إلَّا إذا قَدَرَ على ذلك، ولا يَسْقُطُ عنه واجبُ الإنكارِ للسبِّ والشتمِ والكلامِ السيِّئ إذا قَوِيَ على ردِّه، مع وجوبِ تَحَمُّلِ الأذى والصبرِ لله ربِّ العالَمِين، قال تعالى حاكيًا قولَ لقمانَ لابنه: ﴿يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٧[لقمان].

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٩ ربيع الثاني ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ٦ ماي ٢٠٠٦م



(١) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (٤٩) مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه.

(٢) أخرجه أبو داود في «المَلاحِم» بابُ الأمر والنهي (٤٣٤٥) مِنْ حديثِ العُرْس بنِ عَمِيرةَ الكنديِّ رضي الله عنه. والحديث حسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٨٩).