في قضاء الوتر ونقضه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 16 صفر 1441 هـ الموافق لـ 15 أكتوبر 2019 م



الفتوى رقم: ٥٥

الصنف: فتاوى الصلاة - صلاة التطوُّع

في قضاء الوتر ونقضه

السؤال:

ثبَتَ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنه أمَرَ بقضاء الوتر لمَنْ فاتَهُ، وثَبَت ـ أيضًا ـ أنه كان إذا فاتَهُ وِرْدُهُ مِنَ الليلِ يقضيه في النهار بأَنْ يشفعَه، كيف يمكن الجمعُ بين هذين الحديثين؛ فإِنْ هو قضى الوترَ ـ ركعةً واحدةً ـ وقضى وِرْدَه شفعًا، فيكون بالتالي كمَنْ لم يشفع وِرْدَه لأنه أضاف له ركعةَ الوتر؟ أم الأمرُ غيرُ هذا؟ وما صحَّةُ مسألةِ نقضِ الوتر؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمسألةُ المطروحةُ مُتعلِّقةٌ بالمعذور، أمَّا غيرُ المعذورِ فلا وِتْرَ له لقوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «مَنْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَلَمْ يُوتِرْ فَلَا وِتْرَ لَهُ»(١)، ولقوله صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إِنَّمَا الوِتْرُ بِاللَّيْلِ»(٢).

وهذه الأحاديثُ إنَّما تُحْمَلُ على غيرِ المعذور؛ لتعلُّقِ النصوصِ الأخرى الواردةِ في مشروعيةِ قضاءِ الوترِ وغيرِه بمَنْ فاتَتْه الصلاةُ لعذرٍ؛ توفيقًا بين الأدلَّةِ وجمعًا بين النصوصِ، منها: قولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ»(٣)، ولعمومِ قوله صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا»(٤)، ولقول عائشةَ رضي الله عنها: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصْبِحُ فَيُوتِرُ»(٥)، وأنَّ ابنَ مسعودٍ رضي الله عنه حدَّث عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «أَنَّهُ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى»(٦)؛ فهذه النصوصُ إنَّما تدلُّ على جوازِ تأخيرِها لعُذْرٍ كما هو بَيِّنٌ مِنْ ظواهرِها، لكنَّ صفةَ قضاءِ الوترِ بالنهارِ تختلف عن صفةِ أدائه بالليلِ بأَنْ يكونَ شفعًا لا وترًا؛ لحديثِ عائشةَ رضي اللهُ عنها: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مِنَ اللَّيْلِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ غَيْرِهِ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً»(٧).

وعليه، فمَنْ فاتَهُ الوترُ لعذر النوم أو النسيان أو المرض، وكانَتْ عادتُه أَنْ يُوتِرَ بواحدةٍ؛ قضى مِنَ النهارِ ركعتين، ومَنْ كانَتْ عادتُه أَنْ يُوتِرَ بثلاثٍ قَضَاها أربعًا، وبخمسٍ قَضَاها ستًّا وهكذا؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يُصَلِّي مِنَ الليل إحدى عَشْرةَ ركعةً فصَلَّى بالنهار ثِنْتَيْ عَشْرَةَ ركعةً.

أمَّا الوِرْدُ فهو الوردُ مِنَ القرآن، المرادُ به: الحزبُ كما ثَبَت مِنْ حديثِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ»، وفي لفظٍ للنسائيِّ: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ ـ أَوْ قَالَ: جُزْئِهِ ـ مِنَ اللَّيْلِ فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إِلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ فَكَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ»(٨).

وأمَّا المسألةُ المعروفةُ بنقضِ الوترِ ـ وصورتُها: أَنْ يُضيفَ إلى الوتر ـ بعد زمنٍ ـ ركعةً ثانيةً لتصبح شفعًا، ثمَّ بعد التنفُّل بالصلوات شفعًا يُوتِر أخراها ـ فإنَّ هذه المسألةَ ـ وإِنْ ثبتَتْ عن بعض الصحابة رضي الله عنهم ـ إلَّا أنها ضعيفةٌ مِنْ جهةِ أنَّ الوتر إذا انقطع بزمنٍ لا ينقلب إلى شفعٍ بإضافةِ ركعةٍ أخرى إليه؛ لأنَّ مَنْ أَوْتَر مِنَ الليلِ فقَدْ قضى وِتْرَه، فإِنْ قام مِنْ نومِه وصلَّى ركعةً أخرى فهي مُستقِلَّةٌ عن الأخرى فلا يصيران صلاةً واحدةً؛ لِمَا تَخلَّلَهما مِنْ نومٍ وحَدَثٍ ووُضوءٍ وكلامٍ، ويكونُ ـ والحالُ هذه ـ قد أَوْتَر مرَّتين، وإذا أضاف الوترَ الأخيرَ فيكونُ مُوتِرًا ثلاثَ مرَّاتٍ، وهذا مُخالِفٌ لقوله صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ»(٩) ـ أوَّلًا ـ ومُخالِفٌ ـ ثانيًا ـ لقوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا»(١٠)، ووجهُ المُخالَفة: أنَّه جَعَل وِتْرَه في مواضعَ مِنْ صلاةِ الليل.

أمَّا المنقولُ عن ابنِ عُمَرَ (١١) وعليِّ بنِ أبي طالبٍ(١٢) رضي الله عنهم مِنْ جوازِ نقضِ الوترِ بإضافةِ ركعةٍ، فإنَّ الأثرين يُعارِضُهما المرفوعُ ممَّا سَبَق ذِكْرُه، و«الرَّفْعُ مُقَدَّمٌ عَلَى الوَقْفِ».

وإذا تقرَّر مرجوحيَّةُ نقضِ الوترِ فإنَّ ما عليه أكثرُ العلماء: جوازُ الصلاة بعد الوترِ مِنْ غيرِ أَنْ يُعيدَه، وهو مرويٌّ عن أبي بكرٍ وسعدٍ وعمَّارٍ وابنِ عبَّاسٍ وعائشةَ(١٣) رضي الله عنهم، ويدلُّ على ذلك حديثُ عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان «يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ»(١٤)، وحديثُ أمِّ سَلَمةَ رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ [خَفِيفَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ]»(١٥)، وقد تقدَّم حديثُ: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» المُفيدُ لِمَنْعِ تَكرارِ الوتر.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٧ مِنْ ذي القعدة ١٤٢٧م
الموافق ﻟ: ٨ ديسمبر ٢٠٠٦م

 


(١) أخرجه ابنُ حِبَّان في «صحيحه» (٢٤٠٨)، وابنُ خزيمة (١٠٩٢)، وعبد الرزَّاق في «المصنَّف» (٤٥٩١)، والحاكم (١١٢٥)، وعنه البيهقيُّ في «الكبرى» (٤١٩٢)، مِنْ حديثِ أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الحاكم ووافقه الذّهبيُّ، وكذا الألبانيُّ في «الإرواء» (٢/ ١٥٤).

(٢) أخرجه الطبرانيُّ في «المعجم الكبير» (١/ ٣٠٢والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٤٢٠٠)، مِنْ حديثِ معاوية بنِ قُرَّةَ عن الأغرِّ المُزَنيِّ رضي الله عنه. والحديث حسَّنه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (١٧١٢).

(٣) أخرجه أبو داود في «الوتر» بابٌ في الدعاء بعد الوتر (١٤٣١)، والترمذيُّ في «الوتر» بابُ ما جاء في الرجل ينام عن الوتر أو ينساه (٤٦٥)، وابنُ ماجه في «إقامة الصلاة» بابُ مَنْ نام عن الوتر أو نَسِيه (١١٨٨)، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٢/ ١٨٩).

(٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «مواقيت الصلاة» باب: مَنْ نَسِي صلاةً فلْيُصَلِّ إذا ذَكَر، ولا يُعيدُ إلَّا تلك الصلاةَ (٥٩٧)، ومسلمٌ في «المساجد» (٦٨٤)، مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه.

(٥) أخرجه أحمد (٢٦٠٥٨)، وعبد الرزَّاق في «مصنَّفه» (٤٦٠٣)، والبيهقيُّ (٤١٩٦)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها. والحديث حسَّنه الهيثميُّ في «مجمع الزوائد» (٢/ ٥١١)، وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٢/ ١٥٥).

(٦) أخرجه النَّسائيُّ في «المواقيت» بابُ فضلِ الصلاة لمواقيتها (٦١٢) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٢/ ١٥٦).

(٧) أخرجه مسلمٌ في «صلاة المسافرين وقصرِها» (٧٤٦) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٨) أخرجه مسلمٌ في «صلاة المسافرين» (٧٤٧)، والنَّسائيُّ في «قيام الليل وتطوُّع النهار» باب: متى يقضي مَنْ نام عن حزبه مِنَ الليل؟ (١٧٩١)، مِنْ حديثِ عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه.

وقِيلَ: إنَّ المرادَ بالحزبِ هو: ما كان مُعتادَه مِنْ صلاة الليل.

(٩) أخرجه أبو داود في «الوتر» بابٌ في نقض الوتر (١٤٣٩)، والترمذيُّ في «الوتر» بابُ ما جاء: لا وتران في ليلةٍ (٤٧٠)، والنَّسائيُّ في «قيام الليل وتطوُّع النهار» بابُ نهيِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن الوترين في ليلةٍ (١٦٧٩)، مِنْ حديثِ طلق بنِ عليٍّ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٧٥٦٧).

(١٠) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الوتر» باب: لِيَجْعلْ آخِرَ صلاته وترًا (٩٩٨)، ومسلمٌ في «صلاة المسافرين» (٧٥١)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمر رضي الله عنهما.

(١١) انظر ما أخرجه أحمد (٦١٩٠)، وصحَّحه أحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد» (٩/ ٣٩)، وحسَّنه الألبانيُّ في «الإرواء» (٢/ ١٩٤).

(١٢) انظر ما أخرجه عبد الرزَّاق في «المصنَّف» (٤٦٨٤)، وصحَّحه زكريَّا بنُ غلام قادر الباكستاني في «ما صحَّ مِنْ آثار الصحابة في الفقه» (١/ ٣٩٤).

(١٣) انظر بعضَ هذه الآثارِ وتخريجَها في: «ما صحَّ مِنْ آثار الصحابة في الفقه» لزكريَّا بنِ غلام قادر الباكستاني (١/ ٣٩٥ ـ ٣٩٧).

(١٤) أخرجه مسلمٌ في «صلاة المسافرين» (٧٤٦) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(١٥) أخرجه الترمذيُّ دون ما بين المعقوفين في «الوتر» بابُ ما جاء: لا وتران في ليلةٍ (٤٧١)، وابنُ ماجه في «إقامة الصلاة» بابُ ما جاء في الركعتين بعد الوتر جالسًا (١١٩٥). وصحَّحه الألبانيُّ في «المشكاة» (١٢٨٤).