في محلِّ التيمُّم | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 20 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٦٢٦

الصنـف: فتاوى الطهارة - التيمُّم

في محلِّ التيمُّم

السؤال:

ما حكمُ التيمُّمِ بما اتَّصلَ بالأرض مِنْ أحجارٍ وحديدٍ ونحاسٍ وأشجارٍ وحشيشٍ وغيرِها؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقَدِ اتَّفق العلماءُ على جواز التيمُّم بالتراب الطيِّب الطاهر(١)، والأصلُ تقديمُه في التيمُّم؛ تقديمًا للمُجْمَع عليه على غيره أوَّلًا، واختلفوا فيما عدَاهُ مِنْ أجزاء الأرض المتولِّدة عنها.

ومَرَدُّ الخلاف ـ في هذه المسألة ـ إلى قوله تعالى: ﴿فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا[النساء: ٤٣؛ المائدة: ٦]، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا»(٢):

ـ فمِنَ العلماء مَنْ أَعْمَلَ دلالةَ الاشتقاقِ في الصعيد وهو الصعودُ، وعمَّم ذلك في كُلِّ ما صَعِدَ على وجه الأرض ممَّا هو مِنْ جنسها، وهو مذهبُ المالكية والحنفية(٣).

ـ ومنهم مَنْ يرى أنَّ العموم غيرُ مُرادٍ، وإنما الصعيدُ هو خصوصُ الترابِ ومُرادِفٌ له؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا»، ولأنَّ الله تعالى وَصَف الصعيدَ بأنه طيِّبٌ، و«الطيِّبُ» ـ عندهم ـ هو المُنْبِتُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَٱلۡبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخۡرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَٱلَّذِي خَبُثَ لَا يَخۡرُجُ إِلَّا نَكِدٗا[الأعراف: ٥٨]، وهو مذهبُ الشافعيِّ ومَنْ وافَقَه.

ومَنَع الآخَرُون تفسيرَ «الطيِّب» بالمُنْبِت؛ لأنَّ وَصْفَ «الصعيد» إنما جاء في مَعْرِضِ الطهارة؛ فلَزِمَ حملُه على معناها؛ فيُفَسَّرُ بالصعيد الطاهر لا بالتراب المُنْبِت، وأيَّدوا هذا الفهمَ بحديثِ عائشة رضي الله عنها ـ في شأن الهجرة ـ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، رَأَيْتُ سَبْخَةً ذَاتَ نَخْلٍ»(٤)، يعني: المدينة، وقد سمَّى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة: طَيْبَةَ(٥)؛ فدلَّ ذلك على أنَّ السبخة ـ وهي الأرضُ المالحةُ التي لا تكاد تُنْبِتُ(٦) ـ تدخل في الطيِّبِ الذي يجوز التيمُّمُ به، ولأنَّ الصعيد إذا كان مُرادِفًا للتراب فيَلْزَمُ منه مخالَفةُ الأصلِ في الألفاظ، وهو أَنْ تكون مُتبايِنةً لا مُترادِفةً؛ فوَجَب كونُ لفظِ الصعيد مُبايِنًا للَفظِ التراب، وإِنْ شَمِلَه لعموم الاشتقاق.

أمَّا سببُ الخلافِ في اشتراط الغبار مِنْ عدمه فيرجع إلى: ﴿مِّنۡهُ﴾ في قوله تعالى: ﴿فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُ[المائدة: ٦]: فهل هي تبعيضيةٌ أم بيانيةٌ؟ فمَنْ قال: إنها تبعيضيةٌ اشترط للتيمُّم غبارًا يَعْلَقُ باليد، ومَنْ حَمَلها على الأخرى لم يَشترِطْ ذلك.

وأقوى الأقوال ـ في تقديري ـ جوازُ التيمُّم بكُلِّ ما صَعِدَ على وجه الأرض مِنْ جنس التراب ممَّا له غبارٌ يَعْلَقُ باليد ثانيًا، وهو إحدى الروايات عن أحمد اختارها ابنُ تيمية(٧)، تقديمًا ترتيبيًّا لمَحَلِّ الوفاق. فإذا تَعذَّرَ ذلك فيجوز ـ ثالثًا ـ التيمُّمُ بكُلِّ ما صَعِدَ على وجه الأرض ولو لم يكن له غبارٌ يَعْلَقُ باليد.

وعليه، فإنه يجوز التيمُّمُ بالتراب والرمل والأحجار والسبخة والجدار والصخرة ونحوِ ذلك، مع مراعاة الترتيب السابق البيان.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٣ مِنَ المحرَّم ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ١١ فبراير ٢٠٠٧م

 


(١) انظر: «الإجماع» لابن المنذر (٢١).

(٢) أخرجه مسلمٌ في «المساجد ومواضع الصلاة» (٥٢٢) مِنْ حديثِ حُذَيفة بنِ اليَمان رضي الله عنهما.

(٣) انظر: «مفتاح الوصول» للتلمساني ـ بتحقيقي ـ (٥٢٦)، والمصادر الفقهية المثبَتة على هامشه.

(٤) أخرجه البخاريُّ في «الكفالة» بابُ جِوارِ أبي بكرٍ في عهد النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وعقدِه (٢٢٩٧) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٥) انظر: حديثَ زيد بنِ ثابتٍ رضي الله عنه المتَّفَقَ عليه الذي أخرجه البخاريُّ في «المغازي» بابُ غزوةِ أحُدٍ (٤٠٥٠)، ومسلمٌ في «الحجِّ» (١٣٨٤)، وفيه: «إِنَّهَا طَيْبَةُ». وحديثَ الجسَّاسة وفي آخِرِه: «هَذِهِ طَيْبَةُ»: أخرجه مسلمٌ في «الفِتَن وأشراط الساعة» (٢٩٤٢) مِنْ حديثِ فاطمةَ بنتِ قيسٍ رضي الله عنها.

(٦) انظر: «النهاية» لابن الأثير (٢/ ٣٣٣).

(٧) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢١/ ٣٦٤ ـ ٣٦٦)، «اختيارات ابنِ تيمية» للبعلي (٢٨)، «الفروع» لابن مُفْلِح (١/ ٢٩٦).