في صفة رضاع الكبير الذي تثبت به الحرمة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 24 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٦٤٥

الصنف: فتاوى الأسرة - عقد الزواج - موانع الزواج - الرضاع

في صفة رضاع الكبير الذي تثبت به الحرمة

السـؤال:

أنا شابٌّ تربَّيتُ في بيت أحد المحسنين، من أمٍّ لا أعرف غيرَ اسمها وأبٍ مجهولٍ، وبعد مُدَّةٍ من الزمن عَلِمتُ أنَّ هذه المرأة التي رعتني لا يجوز لي الخلوة بها، ولا أن تكشف لي زينتَها، ثمَّ اطَّلعتُ على فتوى في حكم رضاع الكبير، فقمتُ بشرب مقدار كوبٍ تقريبًا من حليب بنت أخيها قسَّمتُه على خمس جرعاتٍ في مجلسٍ واحدٍ، ثمَّ طلبتُ كوبًا آخر خوفًا من أن لا يكفيَ الأوَّل فشربتُه على خمس جرعاتٍ في مجلسٍ واحدٍ أيضًا، فهل هذا الرضاع محرِّمٌ؟ وكيف أتعامل مع مرضعتي؟ وهل لهذين المحسنَين حقُّ الوالدين في البرِّ والصلة؟ وهل يحِلُّ لزوجتي أن تبديَ زينتَها لأبي علمًا أنِّي أعيش اليوم معهما في بيتٍ واحدٍ؟ أرجو التفضُّل بالإجابة حتى يذهب عنِّي القلق والحيرة.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فالأصل الراجحُ من مذاهب العلماء أنَّ الرضاعَ المعتبرَ والمؤثِّرَ هو خمسُ رضعاتٍ في الحولين الأَوَّلَين من عُمُر الرضيع، غيرَ أنَّ الحاجةَ إذا دَعَت إلى إرضاع الكبير الذي لا يستغني عن دخوله على المرأة، ويشقُّ احتجابُها منه فإنَّ الحُرمة تثبت بالرضاع كالحاجة التي دَعَتْ سهلةَ بنت سهيلٍ زوجَ أبي حذيفة إلى إرضاع سالمٍ مولى أبي حذيفة وهو كبيرٌ بأمر النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم حيث قال لها: «أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ»(١)، وما سوى ما دعت إليه الحاجة فلا يجوز إرضاع الكبير، وهو مذهب ابن تيمية وابن القيِّم واختاره الشوكاني -رحمهم الله-، وهو المذهب الذي تجتمع فيه كافَّة الأدلَّة وتتوافق.

هذا، ولا يُشترط –عند جمهور العلماء- الْتقام ثدي المرضعة وإنما كما يتحقَّق التحريم بالمصِّ يتحقَّق بما إذا حُلب له في إناءٍ وشرب منه بأيِّ صفةٍ كانت، سواءٌ وَجُورًا [وهو ما وُضع له في الفم] أو سعوطًا [وهو ما وُضع له بالأنف]، وتتحقَّق المحرمية بالرضاع في جانب المصاهرة -أيضًا- وهو مذهب الجمهور وقول الأئمَّة الأربعة، خلافًا لابن تيمية وابن القيِّم لقوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»(٢)، وعليه فإنَّ المحرمية تتحقَّق مع عمَّته من الرضاع بسبب رضاعه من بنت أخيها، أمَّا زوجة الرضيع فأجنبيةٌ على زوج عمَّته من الرضاع فلا يجوز إبداءُ مواضعِ الزينة أمامه.

هذا، ويلتزم تجاه مَن قام بتربيته ورعايته بنفس الآداب والحقوق التي يلتزم بها مع والديه خصوصًا ومع أهل الإسلام عمومًا، لأنهما بمنْزِلة والديه تربيةً وتعليمًا ورعايةً وإنفاقًا، فالواجب صِلَتُهُما وبِرُّهما والإحسانُ إليهما، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي القُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠]، وقال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم: ٣٨].

والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٥ من ذي القعدة ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٥ ديسمبر ٢٠٠٦م


(١) أخرجه أحمد (٢٥٦٥٠) من حديث عائشة رضي الله عنها وهو عند مسلم في «الرضاع» (١٤٥٣) بلفظ: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ». وصحَّحه الألباني في «الإرواء» (١٨٦٣).

(٢) أخرجه البخاري في «الشهادات» باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم (٢٦٤٥) من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما.