في حكم تغيير سجل الأداء المعيق لعمل صاحب الشاحنة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 21 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ 18 نوفمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٦٥٦

الصنـف: فتاوى المعاملات المالية - الإجارة

في حكم تغيير سجل الأداء
المعيق لعمل صاحب الشاحنة

السـؤال:

هل يجوز لسائقِ شاحنةِ بضائعَ أن يُغَيِّرَ في سِجِلِّ الأداءِ المحدِّدِ لعددِ ساعاتِ السياقةِ في اليوم من طرفِ المصالح العمومية لدولةٍ أجنبيةٍ غيرِ مسلمةٍ بالزيادةِ على مُدَّة السياقة المحدَّدة بستِّ ساعات. علمًا أنّ هذا التحديدَ يُعِيقُ عملَ السائقِ في إكمال مهامِّهِ تجاهَ صاحبِ العمل والزَّبونِ، ويُسبِّبُ له مفاسدَ ماليةً وصِحِيَّةً؟

الجـواب:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وآله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أما بعد:

فإذا كانتِ السلطاتُ المسئولةُ في هذه البلادِ تحدِّدُ عددَ ساعاتِ سياقةِ الشاحناتِ في اليوم بستٍّ ساعات في سجل الأداء المثبَّت على متن الشاحنة، واتخذت هذه التدابير للتنظيم الحسَنِ للمرور ودفعًا للزحمة التي تسبِّبُها كثرةُ الشاحنات تتعدَّى من خلالها إلى حقوق الآخرين على أن تمنح تعويضًا مناسبًا لأصحاب الشاحنات عن الساعات التي لم يعملوا فيها بسبب الحظر التي فرضته عليهم، فإنّ مثل هذه التدابير لا تخرج عن وجه العدل ما دامت تعوِّضُ النقصانَ تعويضًا مناسِبًا من جهة، وتصونُ حقوقَ الآخرين من جهة أخرى، وبالتالي فإنه لا يجوز الإخلالُ بالتدابير المفروضة بالتزوير والمساسِ بالعَدَّاد وغيرِها من الأمور المعلومِ خطرُها على أصحاب الشاحنات.

أمَّا إذا لم تراعِ الجهاتُ المسئولةُ على التدابير المتَّخذة أحقِّيةَ كسبِ المستحقِّين وصيانة مساعيهم وتصرّفاتهم، فإنّ مثل هذه القوانينِ والتنظيماتِ تورثُ ظلمًا ولا تحقّق عدلاً وهي مبايِنَةٌ لشرعنا الحنيفِ، وقد ثبت من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: غلا السِّعْرُ في المدينة على عهد رسولِ الله صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم فقال الناس: يا رسول الله غلا السعر، فسَعِّرْ لَنَا، فقال رسولُ اللهِ صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّ اللهَ هُوَ المُسَعِّرُ القَابِضُ البَاسِطُ الرَّازِقُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلاَ مَالٍ»(١)، فاستفيد تحريم التسعير من كونه مظلمةً، والظلمُ حرامٌ قطعًا، وقد حرَّمه اللهُ تعالى على نفسه وعلى عباده في آيات وأحاديث كثيرة منها قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم فيما يرويه عن ربه: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا»(٢)، ووجه الظلم في الحديث أنّ فيه إجبارًا للبائع وإكراهه في البيع بغير رضاه وهو منافٍ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فالتسعيرُ حَجْرٌ على حُرِّية الأفرادِ وتضييقٌ على تصرُّفاتهم لذلك حَذَّر النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أُمَّته من الوقوع في مظالم الناس عامَّة سواء في الدماء أو في الأموال وأراد لقاء الله تعالى بريئًا من تبعيتها.

وبناءً عليه، فإنه إذا ضُيِّق عليهم في حرية كَسْبِهِمْ ومعاشهم وحُجِرَ على تصرُّفاتهم ومنافعهم على وجه التعسّف والتسلّط فإنّ بابَ اللهِ أوسعُ وحكمُه أمضى، «وَإِذَا ضَاقَ الأَمْرُ اتَّسَعَ» واتساعه في حدود الأحقّية وقيود الحاجة لأنّ «الأَمْرَ إِذَا اتَّسَعَ ضَاقَ» على نحو ما تجري عليه القواعد العامَّة.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٧ رمضان ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ٣٠/ ٠٩/ ٢٠٠٦م


(١) أخرجه أبو داود في «الإجارة»: (٣٤٥١)، والترمذي في «البيوع»: (١٣١٤)، وابن ماجه في «التجارات»: (٢٢٠٠)، وأحمد: (١٣٦٤٣)، وأبو يعلى: (٣٨٣٠)، من حديث أنس رضي الله عنه. قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٥/ ٤٢٣): «روي من وجوه صحيحة لا بأس بها»، وصحّحه ابن الملقن في «البدر المنير»: (٦/ ٥٠٧)، والألباني في «غاية المرام»: (٣٢٣).

(٢) أخرجه مسلم في «البر والصلة»: (٦٥٨٢)، والبخاري في «الأدب المفرد»: (٤٩٧)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.