في حكم اتخاذ وسيـلة الغِشِّ لإبعاد الخسارة والكساد | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 17 صفر 1441 هـ الموافق لـ 16 أكتوبر 2019 م



الفتوى رقم: ٦٧٠

الصنـف: فتاوى المعاملات المالية - البيوع

في حكم اتخاذ وسيـلة الغِشِّ
لإبعاد الخسارة والكساد

السـؤال:

نحن جماعةٌ مِن العُمَّال نعملُ في مصنعٍ لأحد الخواصِّ لإنتاج الحليب، حيث يقوم صاحبُ المصنع بشراء المادَّةِ الأولية للحليب مِن مؤسَّسةٍ حكوميةٍ، ونقوم بتحويلها إلى حليبٍ سائلٍ، يباع بثمنٍ مسعَّرٍ مِن الدولة، وفي المدَّة الأخيرة قامت هذه المؤسَّسةُ الحكوميةُ برفع ثمن المادَّة الأوَّلية، في حينِ لم تسمح برفع ثمن بيعِ الحليب، ممَّا يؤدِّي إلى خسائرَ جسيمةٍ؛ الأمرُ الذي حَمَلَ صاحبَ المصنعِ إلى الإنقاصِ مِن مادَّة الحليب ومِن وزنِ كِيسِه تفاديًا للخسارة، وتُباعُ على أساسِ أنها بالمقاييس المطلوبة، ونحن نعلم أنَّ هذا مِن الغشِّ، ولكنَّ صاحِبَ المصنعِ يقول: إنه سيخسر كثيرًا مِن رأس المال بَلْهَ الربح، فنرجو مِن فضيلتكم بيانَ حكمِ العمل في هذا المصنع إذا استمرَّ الأمرُ على الحال؟ وباركَ اللهُ فيكم.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فإنَّ هذا الصنيعَ معدودٌ مِن الاستيلاءِ على مالِ الغير مِن غيرِ وجه حقٍّ، لِمَا فيه مِن الغِشِّ والخِداعِ والتَّغْرِيرِ بالمشترين، لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»(١)؛ إذ ليس لصاحب المصنع أَنْ يَتَّخِذَ الوسيلةَ المحرَّمةَ للكَسْبِ المادِّيِّ وإبعادِ الخسارةِ أو الكسادِ عنه؛ لأنَّ «الغايةَ لا تُبَرِّرُ الوسيلةَ»، تقريرًا لقاعدة: «مَا أَدَّى إِلَى حَرَامٍ فَهُوَ حَرَامٌ»، فضلاً عن أنَّ مصلحةَ المُسْتهلِكين لمادَّةِ الحليب مصلحةٌ عامَّةٌ لا يجوز تقديمُ المصلحة الخاصَّةِ عليها.

هذا، والمتسبِّبُ في الزيادة الماليةِ على ثمن المبيع هو المؤسَّسةُ الرسمية التي اشترطت شرطًا جائرًا يتضمَّن اغتناءَها على حساب افتقارِ صاحِبِ المصنع وكسادِ تجارتِه، فهو شرطٌ باطلٌ مُنَافٍ لمقتضى العقد لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «فَمَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ»(٢)، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلاَّ شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلاَلاً»(٣).

والأصلُ أنَّ الحاكمَ مُطالَبٌ برعايةِ مصالحِ البائعِ والمبتاعِ، فلا يَمْنَعُ البائعَ ربحًا ولا يشترط عليه شروطًا جائرةً، كما لا يجوِّز له منه ما يضرُّ به الناسَ عملاً بقاعدةِ: «يُتَحَمَّلُ الضَّرَرُ الخَاصُّ لِدَفْعِ الضَّرَرِ العَامِّ».

هذا، والواجبُ على التاجرِ الأمانةُ والصدقُ وتركُ الكَذِبِ والخيانةِ والغِشِّ، ولا يمكن التعاونُ مع مَنْ أخلَّ بالأمانة وأَبَى إلاَّ أن يجعل مِن الخيانة خُلُقًا له مُسْتمِرًّا عليه، لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لاَ تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا..»(٤)، ولقولِه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ»(٥)، وفي رواية: «المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ»(٦).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٨ ربيع الأوَّل ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ١٦ أبريل ٢٠٠٧م


(١) أخرجه مسلم في «الإيمان» (١٠١) مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) أخرجه البخاري في «البيوع» (٢١٦٨)، ومسلم في «العتق» (١٥٠٤)، مِن حديث عائشة رضي الله عنها.

(٣) أخرجه أبو داود في «الأقضية» (٣٥٩٤) مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه. والترمذي في «الأحكام» (١٣٥٢)، مِن حديث عمرو بنِ عوفٍ رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٥/ ١٤٢) رقم: ( ١٣٠٣)، وفي «السلسلة الصحيحة» (٢٩١٥).

(٤) أخرجه أبو داود في «الأدب» (٤٨٣٢)، والترمذي في «الزهد» (٢٣٩٥)، مِن حديث أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه. والحديث حسَّنه البغوي في «شرح السنَّة» (٦/ ٤٦٨)، والألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٧٣٤١).

(٥) أخرجه ابنُ حبَّان (١٩٦) مِن حديث عبد الله بن عَمْرٍو رضي الله عنهما. وصحَّحه الألباني في «تحقيق كتاب الإيمان» لابن تيمية: (٣).

(٦) أخرجه البخاري في «الإيمان» (١٠)، من حديث عبد الله بن عمرِو بنِ العاص رضي الله عنهما.