في حكم تحسين الصوت بالقراءة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 18 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 17 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٧١٣

الصنـف: فتاوى القرآن وعلومه

في حكم تحسين الصوت بالقراءة

السـؤال:

نحن نعلم ـ شيخَنا ـ أنَّ قراءة القرءانِ قراءةً صحيحةً قسمان: قسمٌ له علاقةٌ بالنطق العربيِّ الفصيح كالمدِّ الطبيعيِّ وتشديد الحرف وصفاتِ الحروف التي يُفَرَّقُ بها بين الحروف المُتجانِسة والمتقاربة كالسين مع الصاد والذال مع الظاء، وهذا القسم واجبٌ على المستطيع والخطأُ فيه يُعْتَبَر جليًّا. فما حكمُ ما له علاقةٌ بزينة الأداء ـ وهو القسم الثاني ـ أو ما يُعبَّرُ عنه بأحكام التجويد كغُنَّة الإدغام والإخفاء، والمدود الفرعية بجميع أنواعها، والذي يُسمَّى الخطأُ فيه خفيًّا؟ وبارَك اللهُ فيكم.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلا يختلفُ العلماءُ في استحباب ترتيلِ القرآنِ بالترسُّل والتمهُّل وتَبْيِـين الحروفِ والحركاتِ من غير بَغْيٍ، كما أجمعوا على استحباب تحسين الصوتِ بقراءةِ القرآنِ، وقد نقل الإجماعَ ابنُ قدامةَ حيث قال: «واتفقَ العلماءُ على أنه تستحبُّ قراءةُ القرآنِ بالتحزينِ والترتيلِ والتحسينِ»(١)، وقال النووي: «وقد اتفق العلماء على استحباب الترتيل»(٢)، وقال في موضع آخر: «أجمع العلماء من السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدَهم من علماء الأمصار وأئمَّة المسلمين على استحباب تحسين الصوت بالقرآن، وأقوالُهم وأفعالُهم مشهورةٌ نهاية الشهرة»(٣). وقال في «المجموع»: «يستحب ترتيل القراءة وتدبرها وهذا مجمع عليه»(٤)، وقد أمر اللهُ رسولَه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم بالترسُّل والتأنِّي بقراءةِ القرآن فقال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزّمِّل: ٤]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنـزِيلاً﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وثبت في حديث أنس رضي الله عنه «أنّ قراءةَ النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم كانت مدًّا ثمّ قرأ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ يمدّ ببسم الله، ويمدّ بالرحمن، ويمدّ بالرحيم»(٥)، وفي حديث عمرو بن العاص أنّ النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم قال: «يُقَالُ لِصَاحِبِ القُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا»(٦)، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم يقول: «مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَن الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ»(٧). والأحاديث في ذلك كثيرة في ترتيل القرآن وتحسين الصوت به.

أمَّا قراءةُ القرآن بالتحسين على وجهٍ مُفْرِطٍ بحيث يخرج القرآن عن صيغته بإدخال حركات فيه أو إخراجها كمدّ المقصور أو قصر الممدود أو تحويل الحركات إلى حروف بإشباع وما إلى ذلك فإنّ العلماء فيها بين محرِّمٍ لها ومكره، والأقرب إلى الصواب القول بالتحريم لما فيه من إخراج القرآن عن مقصوده والانتقال من التدبر والاتعاظ إلى التطريب والتسلية، وهذا لا شكّ عدولٌ عن المنهج القويم إلى الاعوجاج فيمنع لقوله تعالى: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨].

أمّا إذا كان تلحين القرآن على وجه غير مفرط لا يخرج القرآن عن صيغته بتبديل أو زيادة أو نقص فإن كان الغرض من التلحين الطرب والتسلية فيكره، خاصّة إذا كان التلحين غير متناسب مع المعنى، أمّا إن ناسب المعنى وتحقّق به الاعتبار وفهم المقصود فيشرع ذلك، بل استحسنه كثير من العلماء؛ لأنّ النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم أثنى على أبي موسى الأشعري على حسن قراءته القرآن الكريم حيث قال له: «لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْمَعُ لِقِرَاءَتِكَ البَارِحَةَ لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ دَاوُدَ»(٨)، قال ابن العربي المالكي: «واستحسن كثيرٌ من فقهاءِ الأمصارِ القراءة بالألحان والترجيع، وكرهه مالك، وهو جائز لقول أبي موسى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لَوْ عَلِمْت أَنَّك تَسْمَعُ لَحَبَّرْته لَك تَحْبِيرًا»(٩) يُرِيدُ لَجَعَلْته لَك أَنْوَاعًا حِسَانًا، وَهُوَ التَّلْحِينُ»(١٠).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٢ صفر ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٢ مارس ٢٠٠٧م


(١) «المغني» لابن قدامة: (١٢/ ٤٨).

(٢) «التبيان في آداب حملة القرآن» للنووي: (٧٠).

(٣) المصدر السابق: (٧٨).

(٤) «المجموع» للنووي: (٣/ ٣٦٩).

(٥) أخرجه البخاري في «فضائل العصر»، باب في مد القراءة (٤٧٥٩)، وابن حبان في «صحيحه»: ( ٦٣١٧)، من حديث أنس رضي الله عنه.

(٦) أخرجه أبو داود في «الصلاة»، باب استحباب الترتيل في القراءة: (١٤٦٤)، والترمذي في «فضائل القرآن»: (٢٩١٤)، وابن حبان في «صحيحه»: (٧٦٦)، والحاكم في «المستدرك»: (٢٠٣٠)، وأحمد: (٦٧٦٠)، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، والحديث صححه أحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد»: (١١/ ٥٥)، وحسنه الألباني في «المشكاة»: (٢٠٧٦)، وانظر «السلسلة الصحيحة»: (٢٢٤٠).

(٧) أخرجه البخاري في «التوحيد»، باب قول النبي الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام: (٧١٠٥)، ومسلم في «صلاة المسافرين»، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن: (١٨٤٥)، وأبو داود في «الصلاة»، باب استحباب الترتيل في القراءة: (١٤٧٣)، والنسائي في «الافتتاح»، باب تزيين القرآن بالصوت: (١٠١٧)، وأحمد: (٧٧٧٣)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٨) أخرجه البخاري في «فضائل القرآن»، باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن: (٤٧٦١)، ومسلم في «صلاة المسافرين»، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن: (١٨٥٢)، والترمذي في «المناقب»، باب في مناقب أبي موسى الأشعري (٣٨٥٥)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

(٩) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٧٠٨٣)، والحاكم في «المستدرك»: (٦٠١٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (٤٧٤٩)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة»: (٧/ ١٤٨٣).

(١٠) «أحكام القرآن» لابن العربي: (٤/ ١٥٩٦).