في حالات ضمان المستعير | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 23 ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 24 أغسطس 2019 م



الفتوى رقم: ٧٢٤

الصنـف: فتاوى المعاملات المالية

في حالات ضمان المستعير

السـؤال:

هل يلزم مَنِ استعارَ من أخيه شيئا ما، ثمَّ قدَّر اللهُ أن وقع له عطب، أن يتحمّل جميع تكاليف الإصلاح؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فالواجبُ على المستعيرِ المحافظةُ على العاريةِ كمحافظته على ماله، وله أن ينتفع بها في حدودِ المعروف، ولا يُسرف في استعمالها إلى حدِّ التَّلَف، وليس له أن يستعملَها في غير ما يصلح له لكون الإعارة داخلةً في عموم الأمانات التي يلزم ردّها لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].

فإن تعدّى باستعماله لها في غير ما استعيرت له فَتَلِفَتْ، أو تعهّدَ المستعيرُ ضمانَهَا فإنّ الضمانَ يلزم المستعيرَ لحديث صفوانَ بنِ أُمَيَّةَ رضي الله عنه أنّ رسولَ الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّمَ: «اسْتَعَادَ أَدْرَاعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَالَ: أَغَصْبٌ يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ: لاَ، بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ»(١)، وزاد أحمدُ وغيرُه: قال: «فَضَاعَ بَعْضُهَا فَعَرَضَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَضْمَنَهَا لَهُ، قَالَ: أَنَا اليَوْمَ يَا رَسُولَ اللهِ فِي الإِسْلاَمِ أَرْغَبُ»(٢). وفي الحديث دليلٌ على أنّ العاريةَ تُضمن إمّا بطلب صاحبها أو بِتبرُّع المستعير، ويشهد إلى هذا المعنى ما روي بسند ضعيف قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ»(٣)، ويدخل في الضمان -أيضًا- ما إذا تعارف جريانُ الضمانِ في عُرْفِ معاملاتهم عملاً بقاعدة: «المَعْرُوفُ عُرْفًا كَالمَشْرُوطِ شَرْطًا».

أمّا إذا تلفت العارية في يد المستعير من غير تعدٍّ ولا تعهّد بالضمان ولا تعارف عليه وجب أداء العارية ما بقيت عينُها، ولا يجب عليه الضمان إن تلفت، لحديث صفوان بن أُمَيَّة رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِذَا أَتَتْكَ رُسُلِي، فَأَعْطِهِمْ ثَلاَثِينَ دِرْعًا وَثَلاَثِينَ بَعِيرًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ أَوْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاةٌ؟ فَقَالَ: لاَ، بَلْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاةٌ»(٤).

فالحاصل: أنّ العارية لا تضمن بالقيمة إن تلفت إلاّ في حالة تعدِّي المستعير، أو تعهّده بالضمان أو جرى التعارفُ على تضمينها وما عدا ذلك فعاريةٌ مؤدّاةٌ يجب تأديتها مع بقاء عينها، فإن تلفت لم تضمن بالقيمة.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٦ جمادى الأولى ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٢ ماي ٢٠٠٧م


(١) أخرجه أبو داود في «الإجارة»، باب في تضمين العارية: (٣٥٦٢)، والحاكم في «المستدرك»: (٢٣٠٠)، وأحمد: (١٤٨٧٨)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (١١٦٧٣)، من حديث صفوان بنِ أُمَية رضي الله عنه، قال ابن كثير في «إرشاد الفقيه» (٢/ ٦٧): « له طرق من وجوه يشد بعضها بعضا وقد روي من حديث جابر وابن عباس وهو من الأحاديث المشهورات الحسان »، وصححه الألباني في «الإرواء»: (٥/ ٣٤٦).

(٢) أخرجه أحمد: (١٤٨٧٨)، و(٢٧٠٨٩)، والدارقطني في «سننه»: (٢٩١٢). قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢/ ٢٠٧): «ولهذه الزيادة شاهد مرسل عن أناس من آل عبد الله بن صفوان عند أبي داود وغيره، ورجاله ثقات».

(٣) أخرجه أبو داود في «الإجارة»، باب في تضمين العارية: (٣٥٦١)، والترمذي في «البيوع»، باب ما جاء في أن العارية مؤداة (١٢٦٦)، وابن ماجه في «الصدقات»، باب العارية: (٢٤٠٠)، والحاكم في «المستدرك»: (٢٣٠٢)، وأحمد: (١٩٥٨٢)، من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه، والحديث ضعفه الألباني في «الإرواء»: (١٥١٦).

(٤) أخرجه أبو داود في أبو داود في «الإجارة»، باب في تضمين العارية: (٣٥٦٦)، وأحمد: (١٧٤٩٠)، من حديث يعلى بن أمية رضي الله عنه. والحديث صححه الألباني في «الإرواء»: (١٥١٥).