في التباس الهدية بالرشوة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 24 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2019 م

الفتوى رقم: ٧٢٧

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - الهبات

في التباس الهدية بالرشوة

السـؤال:

ما حكم أخذِ أو أكلِ ما يُحْضره بعضُ الطلبة لمعلِّم القرآن من أكلٍ، أو ما يبعث به أولياؤهم من مالٍ أو هدايا، مع العلم أنه لا يطلب منهم ذلك؟ وبارك الله فيكم.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فالأصل في الهديَّة قَبولُها إذا كان قصدُ المُهدي استجلابَ المودَّة والمعرفة والإحسان إذا لم يكن المهدى إليه صاحبَ مركزٍ إداريٍّ أو منصِبٍ قضائيٍّ أو مسؤوليةٍ تجاه الآخرين، عملاً بقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «تَهَادُوا تَحَابُّوا»(١)، ويُكره ردُّها لغير مانعٍ شرعيٍّ، ففي الحديث: «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ»(٢).

أمَّا إن كان قصدُ المُهدي التوصُّلَ -بقصده- إلى إبطال حقٍّ أو إحقاق باطلٍ؛ فما قدَّمه من الهدية إنما هو رِشوةٌ محرَّمةٌ لم يحِلَّ قَبولهُا، وصاحبُها ملعونٌ على لسان النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم حيث قال: «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الرَّاشِي وَالمُرْتَشِي»(٣)، وتَرِدُ الرشاوى على شكل هدايا لأهل الولايات والمناصب الإدارية والقضائية ونحوها بغية إمالتهم مع المُهدي، ويدلُّ على تحريمها قولُه صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: «هَدَايَا العُمَّالِ غُلُولٌ»(٤)، وفي قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ»(٥).

ويدخل في ذلك مَن يقضي للمُهدي حاجةً لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَنْ شَفَعَ لأَخِيهِ بشَفَاعَةٍ فَأهْدَى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْهَا فَقَبِلَهَا فَقَدْ أتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أبْوَابِ الرِّبَا»(٦)، وقال ابن مسعودٍ رضي الله عنه لمَّا سئل عن السُّحْتِ: «الرجل يطلب الحاجة للرجل فيقضيها، فيهدي إليه فيقبلها»(٧).

والعِلَّةُ في منع الهديَّة في هذه الأحوال إنما هي خشيةُ تَحَوُّلها إلى رشوة محرمة، باعتبارها وسيلة إلى حرام فتحرم، عملًا بقاعدة: «مَا أَدَّى إِلَى حَرَامٍ فَهُوَ حَرَامٌ».

فالحاصل: أنَّ الأصلَ في الهديَّة الجوازُ، ويُكرهُ ردُّها إلاَّ لوجود مانعٍ شرعيٍّ قام الدليل على مَانِعِيَّتِهِ مِن قَبول الهدايا، فله -والحالُ هذه- حكمُ الرشوة المحرَّمة كما تقدَّم في شأن أهل المناصب والمصالح والولايات ونحوها.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٩ جمادى الثانية ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٤ جوان ٢٠٠٧م

 


(١) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٥٩٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١١٩٤٦)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والحديث جوَّد إسنادَه العراقيُّ في «تخريج الإحياء» (٢/ ٥٣)، وحسَّنه ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٣/ ١٠٤٧)، والألباني في «الإرواء» (١٦٠١).

(٢) أخرجه أبو داود في «الزكاة» باب عطيَّة من سأل بالله عزَّ وجلَّ (١٦٧٢)، والنسائي في «الزكاة» باب من سأل بالله (٢٥٦٧)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. والحديث صحَّحه العراقي في «تخريج الإحياء» (١/ ٣٠٠)،  وأحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد» (٨/ ٦٣)، والألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٥٤).  

(٣) أخرجه ابن ماجه في «الأحكام» باب التغليظ في الحيف والرشوة (٢٣١٣)، من حديث عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنهما. والحديث حسَّنه البغوي في «شرح السنَّة» (٥/ ٣٣٠)، وصحَّحه أحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد» (١١/ ١٧٢)، والألباني في «صحيح الترغيب» (٢٢١١).

(٤) أخرجه أحمد (٢٣٦٠١)، من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألباني في «الإرواء» (٢٦٢٢).

(٥) أخرجه أبو داود في «الخراج» بابٌ في أرزاق العمَّال (٢٩٤٣)، من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه. والحديث صحَّحه ابن الملقِّن في «البدر المنير» (٩/ ٥٦٤)، والألباني في «صحيح الجامع» (٦٠٢٣).

(٦) أخرجه أبو داود في «الإجارة» بابٌ في الهديَّة لقضاء الحاجة (٣٥٤١) من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه. والحديث حسَّنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣٤٦٥).

(٧) أخرجه الطبري في «التفسير» (٦/ ١٥٤)، وابن أبي شيبة في «المصنَّف» (١٦٦١٧).