في حكم الجماع في قضاء رمضان عمدًا | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 16 شعبان 1445 هـ الموافق لـ 26 فبراير 2024 م



الفتوى رقم: ٧٦٤

الصنف: فتاوى الصيام ـ القضاء

في حكم الجماع في قضاء رمضان عمدًا

السؤال:

هل على مَنْ أتى أهلَه في صيام القضاءِ الكفَّارةُ؟ وهل تجب عليهما جميعًا أم على الرَّجل دون المرأة؟ وهل ـ إذا لَحِقَهما الإثمُ ـ يُعَدُّ مِنَ الكبائر؟ فالمرجوُّ إرفاقُ الجواب بالدليل. وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فمَنْ أَفسدَ صومَ قضاءِ رمضانَ أو صومَ الكفَّارةِ أو أيَّ صومٍ واجبٍ ـ ما عدا صومَ رمضانَ ـ بجماعٍ أو غيرِه مِنَ المُفْسِداتِ عمدًا مِنْ غيرِ عذرٍ شرعيٍّ فإنه يترتَّب على إفسادِ هذه العبادةِ الواجبةِ: لحوقُ الإثمِ ووجوبُ القضاء.

أمَّا دليلُ وجوبِ القضاء فظاهرٌ مِنْ حديثِ أمِّ هانئٍ رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ شَرَابًا، فَنَاوَلَهَا لِتَشْرَبَ، فَقَالَتْ: «إِنِّي صَائِمَةٌ، وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ أَرُدَّ سُؤْرَكَ»، فَقَالَ، يَعْنِي: «إِنْ كَانَ قَضَاءً مِنْ رَمَضَانَ فَاقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَإِنْ شِئْتِ فَاقْضِي وَإِنْ شِئْتِ فَلَا تَقْضِي»(١).

وأمَّا دليلُ لحوقِ الإثم على إفساد الصوم الواجبِ عَمْدًا فقولُه تعالى: ﴿وَلَا تُبۡطِلُوٓاْ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٣[محمَّد]؛ إذ لا فَرْقَ بينَ قضاءِ رمضانَ وأدائِه في لحوق الإثم مِنْ حيثُ عَدَمُ جوازِ إبطالِه بمُفْسِداتِ الصوم؛ فلا يُوجَدُ ما يخصِّصُ عمومَ الآية.

ولا يقال: إنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أقرَّ أمَّ هانئٍ رضي الله عنها ولم يُنْكِرْ إفطارَها ولو كان مِنَ القضاء؛ لأنه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في مَقامِ بيانٍ، و«تَأْخِيرُ البَيَانِ عَنْ وَقْتِ الحَاجَةِ لَا يَجُوزُ»، فاكتفى ببيانِ وجوبِ القضاءِ طلبًا جازمًا مع جوازِ إفطار القاضي له إقرارًا، وبهذا قال الشوكانيُّ ـ رحمه الله ـ(٢).

وهذا غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ أَمْرَه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بالقضاء لأمِّ هانئٍ رضي الله عنها لو أفطرَتْ منه لا يَلْزَمُ منه جوازُ فِعْلِها، لأنَّ مِنْ شروط الإقرار الذي هو حجَّةٌ أَنْ لا يدلَّ عليه دليلُ المنع مِنْ جهةٍ، وأَنْ لا يكون المسكوتُ عنه قد اعترف بذنبه وخطئه، وقد أقرَّتْ أمُّ هانئٍ رضي الله عنها بذلك في رواية الترمذيِّ بقولها: «إِنِّي أَذْنَبْتُ فَاسْتَغْفِرْ لِي»، فَقَالَ: «وَمَا ذَاكِ؟» قَالَتْ: «كُنْتُ صَائِمَةً فَأَفْطَرْتُ»، فَقَالَ: «أَمِنْ قَضَاءٍ كُنْتِ تَقْضِينَهُ؟» قَالَتْ: «لَا»، قَالَ: «فَلَا يَضُرُّكِ»(٣)؛ ويؤكِّده مفهومُ قولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «فَلَا يَضُرُّكِ»، وفي روايةِ أبي داود بزيادةِ: «فَلَا يَضُرُّكِ إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا»(٤)؛ فإنَّه يدلُّ بمفهومه على أنه إِنْ كان صومُها مِنْ قضاءِ واجبٍ فإنَّ إفسادَه يضرُّها.

هذا، ولا يرتقي إثمُ إفسادِ الصوم إلى الكبائر؛ لانتفاء الوعيد الخاصِّ على ارتكابه المعيِّن له صراحةً، اللَّهمَّ إلَّا إذا استُدِلَّ بحديثِ أبي أُمامةَ الباهليِّ رضي الله عنه أنه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم قال ـ عن رُؤْيَا مناميةٍ ـ: «ثُمَّ انْطُلِقَ بِي، فَإِذَا أَنَا بِقَوْمٍ مُعَلَّقِينَ بِعَرَاقِيبِهِمْ، مُشَقَّقَةٌ أَشْدَاقُهُمْ، تَسِيلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا، قَالَ: قُلْتُ: «مَنْ هَؤُلَاءِ؟» قَالَ: «هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُفْطِرُونَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِمْ»»(٥)، والوعيدُ في الحديث يَلْحَقُ مَنْ يُفْطِر قبل غروب الشمس.

ولهما أَنْ يُكَفِّرا عنه بالتوبة والعملِ الصالح، ويَلْزَمُهما القضاءُ دون وجوبِ الإمساك والكفَّارةِ المشروعة للجماع؛ لثبوتِ اختصاصِهما في صوم رمضان أداءً لا قضاءً في قصَّة الأعرابيِّ المُجامِعِ في رمضانَ عمدًا مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه(٦)؛ ولا يخفى أنَّ واجِبَ صومِ رمضانَ مضيَّقٌ مِنْ حيثُ وقتُه، بينما صومُ القضاءِ فمُطْلَقٌ؛ فافترقَ حكمُ القضاء عن الأداء؛ لذلك احتاجَتِ الكفَّارةُ ـ باعتبارها حكمًا شرعيًّا ـ في تقريرِ مشروعيَّتِها في القضاء إلى دليلٍ شرعيٍّ يُسْنِدُهَا، وهو مُنْتَفٍ عنها.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٠ شوَّال ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٢ أكتوبر ٢٠٠٧م

 



(١) أخرجه أحمد في «مسنده» (٢٦٩١٠) مِنْ حديثِ أمِّ هانئٍ بنتِ أبي طالبٍ رضي الله عنها. وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٢٨٠٢).

(٢) انظر: «السيل الجرَّار» للشوكاني (٢/ ١٥١).

(٣) أخرجه الترمذيُّ في «الصوم» بابُ ما جاء في إفطار الصائم المتطوِّع (٧٣١). قال الألبانيُّ في «تخريج المشكاة» (١/ ٦٤٢): «إسناده جيِّدٌ».

(٤) أخرجه أبو داود في «الصوم» (٢٤٥٦). وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح أبي داود» (٢١٢٠).

(٥) أخرجه ابنُ خزيمة (٣/ ٢٣٧) رقم: (١٩٨٦)، وابنُ حبَّان (٢/ ١٩٨) رقم: (٧٤٩١)، والحاكم (١/ ٤٣٠، ٢/ ٢٠٩ ـ ٢١٠) رقم: (١٥٦٨، ٢٨٣٧)، والبيهقيُّ (٨٠٠٦). وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٧/ ١٦٧١) رقم: (٣٩٥١) وفي «صحيح موارد الظمآن» (٢/ ٢٠٠).

(٦) انظر الحديثَ المُتَّفَقَ عليه الذي أخرجه البخاريُّ في «الصوم» (٤/ ١٦٣) باب: إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيءٌ فتُصُدِّقَ عليه فلْيُكفِّر، وفي (٤/ ١٧٣) باب المجامع في رمضان: هل يُطْعِم أهلَه مِنَ الكفَّارة إذا كانوا محاويج؟ وفي «الهِبَة» (٥/ ٢٢٣) باب: إذا وَهَب هِبَةً فقبضها الآخَرُ ولم يقل: قبلتُ، وفي «النفقات» (٩/ ٥١٣ ـ ٥١٤) بابُ نفقة المُعْسِر على أهله، وفي «الأدب» (١٠/ ٥٠٣) باب التبسُّم والضحك، وفي (١٠/ ٥٥٢) بابُ ما جاء في قول الرجل: «ويلك»، وفي «كفَّارات الأيمان» (١١/ ٥٩٥) بابُ قولِه تعالى: ﴿قَدۡ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمۡ تَحِلَّةَ أَيۡمَٰنِكُمۡۚ وَٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٢ [التحريم] متى تجب الكفَّارةُ على الغنيِّ والفقير؟ (٦٧٠٩)، وفي (١١/ ٥٩٦) بابُ مَنْ أعان المُعسِرَ في الكفَّارة، وفي (١١/ ٥٩٦) باب: يعطي في الكفَّارة عشرةَ مساكين، قريبًا كان أو بعيدًا، وفي «الحدود» (١٢/ ١٣١) باب: مَنْ أصاب ذنبًا دون الحدِّ فأخبر الإمامَ فلا عقوبةَ عليه بعد التوبة إذا جاء مستفتيًا، ومسلمٌ في «الصيام» (٧/ ٢٢٤ ـ ٢٢٧) بابُ تغليظِ تحريم الجماع في نهارِ رمضان على الصائم (١١١١)، وأبو داود في «الصوم» (٢/ ٧٨٣) بابُ كفَّارةِ مَنْ أتى أهلَه في رمضان، والترمذيُّ في «الصوم» (٣/ ١٠٢) بابُ ما جاء في كفَّارة الفطر في رمضان، وابنُ ماجه في «الصيام» (١/ ٥٣٤) بابُ ما جاء في كفَّارةِ مَنْ أفطر يومًا مِنْ رمضان، وأحمد في «مسنده» (٢/ ٢٠٨، ٢٤١، ٢٧٣، ٢٨١، ٥١٦)، وابنُ خزيمة في «صحيحه» (٣/ ٢١٧).