في حكم ترتيب السعي بعد الطواف للحائض | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 10 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 07 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٧٨٨

الصنـف: فتاوى الحج - الطواف والسعي

في حكم ترتيب السعي بعد الطواف للحائض

السـؤال:

هل يجوزُ للحائض أن تسعى بين الصَّفا والمروة، وتقصِّرَ شعرها وتؤخِّرَ الطوافَ إلى ما بعد الطُّهر أم يُشترط عليها الترتيبُ؟

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

ففي مناسك الحجِّ والعُمرة إن حاضت المرأةُ قبل الإحرام فإنّها تغتسل وتَسْتَثْفِرُ بثوبٍ وتحرم بالحجِّ أو العمرة من الميقات لحديث أسماءَ بنتِ عُميسٍ رضي الله عنها حين نُفست بذي الحُليفةَ أرسلت إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم كيف أصنع؟ قال: «اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي(١) بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي»(٢)، وحُكم الحيضِ كحكم النفاسِ، وتبقى على إحرامها حتى تطهر، فإذا تطهَّرت أدّت طوافَها وسعيَها وقصّرت شعرها، أمّا إذا حاضت بعد الإحرامِ وقبل الطَّوافِ فإنَّ الواجبَ عليها انتظارُ الطُّهر، وتبقى على إحرامها حتى تطهرَ، وبعد تطهُّرِها تطوفُ وتسعى وتقصِّرُ شعرَها، وكذلك إذا حاضت في الحجِّ قبل طوافِ الإفاضةِ فإنها تبقى مُحرمةً، وتأتي سائرَ المناسكِ إلاَّ الطواف بالبيت والسعي، ويدلُّ عليه أنّ صفيةَ رضي الله عنها زَوْجَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لما حاضت قال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» قالوا: إِنَّهَا قَدْ أفَاضَتْ، قال: «فَلْتَنْفِرْ إِذًا»(٣). والحديث دلَّ على أنَّ الحائض لا تطوف بالبيت إذ لو جاز لها الطواف لم تكن لتحبس النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم، ويدلُّ عليه -أيضًا- قولُه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم لعائشةَ رضي الله عنها: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُهُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي»(٤).

والسعيُ لا يُجْزِئُ إلاَّ إذا تَقدَّمَهُ طوافٌ صحيحٌ فهو تَبَعٌ للطواف، فإن سعى قبل الطواف لم يصحَّ سعيُه، وبه قال جمهورُ العلماء على وجوب ترتيب السعي بعد الطواف، وهو مذهب مالكٍ والشافعيِّ وأصحابِ الرأي لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»(٥).

والقائلون بعدم وجوبِ الترتيب أي: أنَّ تقديمَ الطوافِ ليس بشرطٍ وهو روايةٌ عن أحمدَ ومَحْكِيٌّ عن بعض أهل الحديث وداود وابنِ حزم(٦) إنما استندوا إلى حديث أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: «خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حَاجًّا، فَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ، فَمِنْ قَائِلٍ: يَا رَسُولَ اللهِ سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ، أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئًا فَكَانَ يَقُولُ: لاَ حَرَجَ لاَ حَرَجَ..»(٧). وقد أجاب عنه ابنُ القيِّم قال: «وقوله: «سعيت قبل أن أطوف»، في هذا الحديث ليس بمحفوظ، والمحفوظ: تقديم الرمي والنحر والحلق بعضها على بعض»(٨)، ووصف الخطابيُّ القولَ بجواز تقديم السعي على الطواف بأنه قول كالشاذٌّ لا اعتبار له(٩).

قلت: والخلافُ في المسألة إذا بقي قويًّا فإنَّ الحيطة مطلوبةٌ في مثل هذه المواقف وهي تقتضي بالسعي إلاَّ بعد الطواف موافقة لأمر النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم وفعله إذ فيها يتيقَّن من الخلوص من التكاليف ولا يقين مع الشكِّ.

أمّا إذا حاضت بعد الطواف فإنها تُكمِلُ عمرتَهَا بالسعي والتقصير ولو في حالة الحيض؛ لأنَّ الطهارة تُعَدُّ من سُنن السعي لا من شَرْطِهِ، فأشبه بالوقوف بعَرَفَةَ، حيث لا يُشترط له الطهارة؛ ولأنه عبادة لا تتعلَّق بالبيت، وكذلك إذا حاضت المحرمة في الحجِّ بعد طواف الإفاضة فإنها تُتمّ حَجّها، فإن استمرَّ بها الحيضُ وأرادت الخروجَ فإنه يسقط عنها طوافُ الوداع باتفاق العلماء.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٥ من ذي القعدة ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٥ نوفمبر ٢٠٠٧م


(١) الاستثفار: قال النووي في «شرح مسلم» (٨/ ١٧٢): «هو أن تشد في وسطها شيئًا، وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محل الدم، وتشد طرفيها من قدامها ومن ورائها في ذلك المشدود في وسطها، وهو شبيه بثفر الدابّة».

(٢) أخرجه مسلم في «الحج»، باب حجة النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: (٢٩٥٠)، وأبو داود في «المناسك»، باب صفة حجة النبي: (١٩٠٥) والنسائي في «الطهارة»، باب ما تفعل النفساء عند الإحرام: (٢٩١)، وابن ماجه في «المناسك»، باب حجة رسول الله: (٣٠٧٤)، والدارمي في «سننه»: (١٨٥٤)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

(٣) أخرجه البخاري في «الحج»، باب إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت: (١٦٧٠)، ومسلم في «الحج»، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض: (٣٢٢٥)، والترمذي في «الحج»، باب ما جاء في المرأة تحيض بعد الإفاضة باب ما جاء في المرأة تحيض بعد الإفاضة: (٩٤٣)، وابن ماجه في «المناسك»، باب الحائض تنفر قبل أن تودع: (٣٠٧٢)، وأحمد: (٢٣٥٩٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (٩٨٤٩)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(٤) أخرجه البخاري في «الحيض»، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف: (٢٩٩)، ومسلم في «الحج»، باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج: (٢٩١٩)، ومالك في «الموطإ»: (٩٢٥)، وابن حبان في «صحيحه»: (٣٨٣٥)، وأحمد: (٢٥٨١٢)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(٥) أخرجه مسلم في «الحج»، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا: (٣١٣٧)، وأبو داود في «المناسك»، باب في رمي الجمار: (١٩٧٢)، والنسائي في «مناسك الحج»، باب الركوب إلى الجمار واستظلال المحرم: (٣٠٦٢)، وأحمد: (١٤٧٠٩٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (٩٦٠٨)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

(٦) «المحلى» لابن حزم: (٧/ ١٨١)، «المجموع» للنووي: (٨/ ٧٨)، «الإنصاف» للمرداوي: (٤/ ٢١).

(٧) أخرجه أبو داود في «المناسك»، باب فيمن قدَّم شيئا قبل شيء في حجِّه: (٢٠١٥)، وابن خزيمة في «صحيحه»: (٢٧٧٤)، والدارقطني في «سننه»: (٢/ ٢٥١)، والطبراني في «الكبير»: (١/ ١٨١)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (٩٤٣١)، من حديث أسامة بن شريك رضي الله عنه.

(٨) «زاد المعاد» لابن القيم: (٢/ ٢٥٩).

(٩) «معالم السنن» للخطابي: (٢/ ٤٣٣).