في حكم ترتيب السعي بعد الطواف للحائض | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 1 صفر 1442 هـ الموافق لـ 18 سبتمبر 2020 م



الفتوى رقم: ٧٨٨

الصنـف: فتاوى الحج - الطواف والسعي

في حكم ترتيب السعي بعد الطواف للحائض

السؤال:

هل يجوزُ للحائض أن تسعى بين الصَّفا والمروة، وتقصِّرَ شعرَها وتؤخِّرَ الطَّوافَ إلى ما بعد الطُّهر، أم يُشترَط عليها التَّرتيبُ؟

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

ففي مناسك الحجِّ والعُمرة إِنْ حاضَتِ المرأةُ قبل الإحرام فإنها تغتسل وتَسْتَثْفِرُ بثوبٍ وتُحرِم بالحجِّ أو العمرة مِنَ الميقات، لحديثِ أسماءَ بنتِ عُمَيْسٍ رضي الله عنها حين نُفِسَتْ بِذِي الحُلَيْفَةِ أَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «كَيْفَ أَصْنَعُ؟» قَالَ: «اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي(١)بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي»(٢)، وحُكْمُ الحيضِ كحكم النفاس، وتبقى على إحرامها حتَّى تطهر، فإذا تطهَّرَتْ أدَّتْ طوافَها وسعيَها وقصَّرَتْ شعرَها.

أمَّا إذا حاضَتْ بعد الإحرامِ وقبل الطواف فإنَّ الواجبَ عليها انتظارُ الطُّهر، وتبقى على إحرامها حتَّى تطهرَ، وبعد تطهُّرها تطوفُ وتسعى وتقصِّرُ شعرَها.

وكذلك إذا حاضَتْ في الحجِّ قبل طواف الإفاضة فإنها تبقى مُحْرِمةً، وتأتي بسائر المناسك إلَّا الطواف بالبيت والسعي.

ويدلُّ عليه أنَّ صفيَّة رضي الله عنها زَوْجَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لمَّا حاضَتْ قال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا قَدْ كَانَتْ أَفَاضَتْ وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «فَلْتَنْفِرْ»(٣)؛ والحديث دلَّ على أنَّ الحائض لا تطوف بالبيت؛ إذ لو جاز لها الطَّوافُ لم تكن لتحبس النبيَّ صلى الله عليه وسلم؛ ويدلُّ عليه ـ أيضًا ـ قولُه صلى الله عليه وسلم لعائشةَ رضي الله عنها: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي»(٤).

والسعيُ لا يُجْزِئُ إلَّا إذا تَقدَّمَهُ طوافٌ صحيحٌ فهو تَبَعٌ للطواف، فإِنْ سعى قبل الطواف لم يصحَّ سعيُه؛ وجمهورُ العلماء على وجوب ترتيب السعي بعد الطواف، وهو مذهبُ مالكٍ والشافعيِّ وأصحابِ الرأي لقوله صلى الله عليه وسلم: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»(٥).

والقائلون بعدمِ وجوب الترتيب ـ أي: أنَّ تقديم الطواف ليس بشرطٍ، وهو روايةٌ عن أحمدَ ومَحْكِيٌّ عن بعض أهل الحديث وداود وابنِ حزمٍ(٦) ـ إنما استندوا إلى حديثِ أسامة بنِ شريكٍ رضي الله عنه قال: «خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَاجًّا، فَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ، فَمَنْ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، [سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ]»، أَوْ «قَدَّمْتُ شَيْئًا» أَوْ «أَخَّرْتُ شَيْئًا» فَكَانَ يَقُولُ: «لَا حَرَجَ، لَا حَرَجَ»...»(٧).

وقد أجاب عنه ابنُ القيِّم رحمه الله بما نصُّه: «وقولُه: «سعيتُ قبل أَنْ أطوف» في هذا الحديث ليس بمحفوظٍ، والمحفوظ: تقديم الرمي والنحر والحلق بعضِها على بعضٍ»(٨)، ووَصَف الخطابيُّ القولَ بجواز تقديم السعي على الطواف بأنه قولٌ شاذٌّ لا اعتبارَ له(٩).

قلت: والخلافُ في المسألة إذا بقي قويًّا فإنَّ الحيطة مطلوبةٌ في مِثلِ هذه المواقف، وهي تقتضي ألَّا يكون السعي إلَّا بعد الطَّواف مُوافَقةً لأمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم وفعلِه؛ إذ فيها يتيقَّن مِنَ الخلوص مِنَ التكاليف، ولا يقينَ مع الشكِّ.

أمَّا إذا حاضَتْ بعد الطواف فإنها تُكْمِلُ عُمرتَهَا بالسعي والتقصير ولو في حالة الحيض؛ لأنَّ الطهارة تُعَدُّ مِنْ سُنَن السعي لا مِنْ شروطه، فأشبهَتِ الوقوفَ بعَرَفَةَ، حيث لا يُشترَط له الطَّهارة؛ ولأنَّه عبادةٌ لا تتعلَّق بالبيت، وكذلك إذا حاضَتِ المُحرِمةُ في الحجِّ بعد طواف الإفاضة فإنَّها تُتمُّ حَجَّها.

فإِنِ استمرَّ بها الحيضُ وأرادَتِ الخروجَ فإنَّه يسقط عنها طوافُ الوداع باتِّفاق العلماء.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: ١٥ من ذي القعدة ١٤٢٨ﻫ

الموافق ﻟ: ٢٥ نوفمبر ٢٠٠٧م

 



(١) الاستثفار: قال النَّوويُّ في «شرح مسلم» (٨/ ١٧٢): «هو أَنْ تَشُدَّ في وسطها شيئًا، وتأخذ خِرقةً عريضةً تجعلها على مَحلِّ الدَّم، وتشدَّ طرفَيْها مِنْ قُدَّامها ومِنْ ورائها في ذلك المشدودِ في وسطها، وهو شبيهٌ بثفر الدَّابَّة».

(٢) أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» (١٢١٨) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما الطويل.

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الحجِّ» باب الزيارة يومَ النحر (١٧٣٣)، ومسلمٌ في «الحجِّ» (١٢١١)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الحجِّ» باب: تقضي الحائضُ المناسكَ كُلَّها إلَّا الطوافَ بالبيت (١٦٥٠)، ومسلمٌ في «الحجِّ» (١٢١١)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٥) أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» (١٢٩٧)، والبيهقيُّ بلفظِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» في «السنن الكبرى» (٩٥٢٤)، مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(٦) انظر: «المحلَّى» لابن حزم (٧/ ١٨١)، «المجموع» للنَّووي (٨/ ٧٨)، «الإنصاف» للمرداوي (٤/ ٢١).

(٧) أخرجه أبو داود في «المناسك» بابٌ فيمَنْ قدَّم شيئًا قبل شيءٍ في حجِّه (٢٠١٥)، والبيهقيُّ في «سننه الكبرى» (٩٦٤٩)، مِنْ حديثِ أسامة بنِ شريكٍ رضي الله عنه. قال الألبانيُّ في «صحيح أبي داود» (٢٠١٥): «إسناده صحيحٌ؛ لكنَّ قوله: «سعيتُ قبل أَنْ أطوف».. شاذٌّ، وقد أشار إلى ذلك البيهقيُّ بقوله: «إِنْ كان محفوظًا». وبدونه صحَّحه ابنُ حبَّان والحاكم».

(٨) «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٢/ ٢٥٩).

(٩) انظر: «معالم السُّنن» للخطَّابي (٢/ ٤٣٣).