في حكم خروج الحاجِّ إلى جُدّة من غير طواف الوداع مع نيـة العودة إلى مكة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 17 صفر 1441 هـ الموافق لـ 16 أكتوبر 2019 م



الفتوى رقم: ٧٩٢

الصنـف: فتاوى الحج - الطواف والسعي

في حكم خروج الحاجِّ إلى جُدّة من غير طواف الوداع
مع نيـة العودة إلى مكة

السـؤال:

هل يجب على الحاجِّ طوافُ الوداع بمجرَّد خروجه من مكة إلى جُدَّة مثلاً -ولو بنية العودة من يومه- أم يُؤخِّرُه إلى حين مغادرته النهائية؟ وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فطوافُ الوداعِ في مناسكِ الحجِّ واجبٌ على أرجحِ قَوْلَيِ العُلماءِ خلافًا لمالكٍ وداودَ وأحدِ قَوْلَيِ الشافعيِّ؛ لأمره صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم كما في الحديث: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالبَيْتِ»(١)، ولنهيه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم عن النَّفْرِ من غير طوافٍ في قوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لاَ يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ»(٢)، ولقولِه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في صفيةَ رضي الله عنها: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟»(٣)، والتطوُّعُ لا يحبس أحدًا، ولأنه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم رَخَّصَ للحائض أن تنفر من غير طواف الوداع، فدلَّ إسقاطُه عنها على وجوبه على غيرها؛ لأنَّ الرخصة لا تكون إلاَّ من واجبٍ. ويستثى -أيضًا- من لا يلزمه طواف الوداع المكي والآفاقي إذا استوطن مكةَ قولاً واحدًا مُجمعًا عليه، وكذلك إذا أخَّر الحاجُّ طواف الإفاضة فطافه عند الخروج أجزأ عن طواف الوداع.

هذا، والأَوْلَى للحاجِّ إن أراد الخروجَ من مكةَ إلى جُدَّةَ أو إلى أيِّ بلدٍ آخرَ أن يودِّع البيتَ ثمّ يسافرُ، فإن أراد الرجوع إلى مكّةَ جاز له أن يدخلَها بغير إحرامٍ إن لم يُرِدْ نُسُكًا، وهو الصحيحُ من أقوال العلماء في مسألة حكم الإحرام لدخول مكَّة، وإنما أمر النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم بالإهلال لمن أراد الحجَّ والعمرةَ كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه: «هُنَّ لَهُنَّ وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ»(٤)، ومفهوم الحديث أن لا إحرامَ يلزم عليه وإن دخل مَكَّةَ من غير إرادة النسك، وقد بوَّب له البخاري: «باب دخول الحرم ومكة من غير إحرام»، ويؤيّد ذلك ما رواه مسلم أنّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الفَتْحِ، وَعَلَى رَأسِهِ مِغْفَرٌ»(٥)، وفي رواية: «وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ»(٦)، قال النووي: «هذا دليلٌ لمن يقول بجواز دخول مكَّةَ بغير إحرام لمن لم يُرِدْ نُسُكًا سواء كان دخوله لحاجة تتكرَّر كالحطَّاب والحشَّاشِ والسقَّاءِ والصيَّادِ وغيرِهم، أم لم تتكرَّر كالتاجر والزائرِ وغيرِهما، سواء كان آمنًا أو خائفًا وهذا أصحُّ القولين عن الشافعي وبه يفتي أصحابُه»(٧).

أمّا إن خرج من مكَّةَ من غير طواف الوداع بنية العودة فهو مخالِفٌ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لاَ يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ»، فإن لم يَعُدْ فيلزمه دمٌ في ترك واجبِ طواف الوداع(٨)، فإن عاد وأدَّاه سقط عنه الدَّمُ وبرأت ذِمَّتُهُ ولا شيءَ عليه على أرجح أقوال أهل العلم؛ لأنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ردَّ رجلاً من مر الظهران لم يكن ودّع البيت حتى ودّع»(٩)، واكتفى بأمره له بالعودة للطواف ولم يوجب عليه دمًا، والأصلُ عدمُ الدَّمِ حتى يَرِدَ الشرعُ به، وإنما يجب الدمُ على من ترك النُّسُكَ ولم يأت به كما في قول ابن عباسٍ رضي الله عنه: «مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا، أَوْ تَرَكَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا»(١٠)، وهو قد أتى به فشأنه كمن جاوز الميقات –وهو يريد النسكَ- من غير إحرام ثمَّ عاد وأحرم منه سقط عنه الدم، سواء كان رجوعُه من بعيدٍ أو من قريبٍ، ومثله -أيضًا- كمن رجع إلى بلده قبل طواف الإفاضة لزمه أن يعود للطواف ولا شيء عليه.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٤ من ذي القعدة ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٤ ديسمبر ٢٠٠٧م


(١) أخرجه البخاري في «الحج»، باب طواف الوداع: (١٦٦٨)، ومسلم في «الحج»، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض: (٣٢٢٠)، وابن خزيمة في «صحيحه»: (٢٩٩٩)، والحاكم في «المستدرك»: (١٧٥١)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(٢) أخرجه مسلم في «الحج»، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض: (٣٢١٩)، وأبو داود في «المناسك»، باب الوداع: (٢٠٠٢)، وابن ماجه في «المناسك»، باب طواف الوداع: (٣٠٧٠)، والدارمي في «سننه»: (١٨٦٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(٣) أخرجه البخاري في «الحج»، باب إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت: (١٦٧٠)، ومسلم في «الحج»، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض: (٣٢٢٥)، والترمذي في «الحج»، باب ما جاء في المرأة تحيض بعد الإفاضة باب ما جاء في المرأة تحيض بعد الإفاضة: (٩٤٣)، وابن ماجه في «المناسك»، باب الحائض تنفر قبل أن تودع: (٣٠٧٢)، وأحمد: (٢٣٥٩٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (٩٨٤٩)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(٤) أخرجه البخاري «أبواب الإحصار»، باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام :(١٧٤٨)، ومسلم في «الحج»، باب مواقيت الحج: (٢٨٠٣)، والنسائي في «المناسك»، باب ميقات أهل اليمن: (٢٦٥٤)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(٥) أخرجه مسلم في «الحج»، باب جواز دخول مكة بغير إحرام: (٣٣٠٨)، والدارمي في «سننه»: (١٨٧٣)، وأحمد في «مسنده»: (١٢٩٣٢)، من حديث أنس رضي الله عنه.

(٦) أخرجه مسلم في «الحج»، باب جواز دخول مكة بغير إحرام: (٣٣٠٩)، وأبو داود في «اللباس»، باب في العمائم: (٤٠٧٦)، والترمذي في «اللباس»، باب ما جاء في العمامة السوداء: (١٧٣٥)، والنسائي في «المناسك»، باب دخول مكة بغير إحرام: (٢٨٦٩)، وابن ماجه في «الجهاد»، باب لبس العمائم في الحرب: (٢٨٢٢)، وأحمد في «مسنده»: (١٤٤٨٨)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

(٧) «شرح مسلم» للنووي: (٩/ ١٣١).

(٨) ومذهب مالك وداود والشافعي في أحد قوليه أنّ طواف الوداع سنة لا يجب بتركه شيء. [«التفريع» لابن الجلاب: (١/ ٣٥٦)، «فتح الباري» لابن حجر: (٣/ ٥٨٥)].

(٩) أخرجه مالك في «الموطإ» [رواية يحي الليثي] كتاب: «الحج»، باب وداع البيت: (٨٢٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (٩٧٦٤)، من حديث يحيى بن سعيد رحمه الله.

(١٠) أخرجه مالك في «الموطإ» كتاب: «الحج»، باب ما يفعل من نسي من نسكه شيئًا: (٩٤٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (٨٩٣١)، عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا عنه. وروي مرفوعًا ولا يصح. انظر: «البدر المنير» لابن الملقن: (٦/ ٩١)، «التلخيص الحبير» لابن حجر: (٢/ ٤٦٧)، «إرواء الغليل» للألباني: (٢/ ٢٩٩).