في الحد الأدنى المجزئ للمبيت بمنى | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 19 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 18 سبتمبر 2019 م

الفتوى رقم: ٨٣٥

الصنـف: فتاوى الحج - أحكام الحج

في الحد الأدنى المجزئ للمبيت بمنى

السـؤال:

ما هو الحدُّ الأدنى المجزئُ للمبيت في مِنًى؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فالمبيتُ بِمِنًى أيام التشريق واجبٌ على أرجح قَوْلَيِ العلماء، وبه قال الجمهورُ من المالكية والشافعية وهو المشهور عند الحنابلة، لفِعله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم(١)، وقد قال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «خُذُوا عَنِّي منَاسِكَكُمْ»(٢)، ولأنه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم رخَّص للعبَّاس أن يبيت بمكةَّ ليالَ مِنًى(٣) من أجل السِّقاية، ورخَّص -أيضًا- لرُعاة الإبل أن يبيتوا خارجَ مِنًى(٤)، والمعلومُ أنَّ الرخصةَ لا تكون إلاَّ عن عزيمةٍ، قال الحافظُ ابنُ حجر: «والحديثُ دليلٌ على وجوب المبيت بمنى، وأنه من مناسك الحجِّ؛ لأنَّ التعبيرَ بالرخصة يقتضي أنَّ مقابلها عزيمةٌ، وأنَّ الإذنَ وقع للعِلَّة المذكورة، وإذا لم توجد أو ما في معناها لم يحصل الإذن»(٥).

والواجبُ في المبيت بِمِنًى معظمُ الليل، وهو أدنى ثُلُثَيِ الليلِ، إمَّا من أَوَّله أو من آخِره، ولو قُدِّر أنَّ زمنَ الليلِ كله اثنتا عشرة ساعة فأقلُّ ما يجزئُ فيه المبيت سبعُ ساعات، أمَّا بقيةُ الليل فليس بواجبٍ ولا شرطًا في المبيت؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «كَانَ يَزُورُ البَيْتَ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي مِنًى»(٦).

هذا، فإن ترك مبيت الليالي الثلاث لغير عُذر فعليه دَمٌ عند الأئمَّة الثلاثة، أمَّا إن ترك مبيت ليلة أو ليلتين فيلزمه التصدقُ بأقلِّ ما يُسمَّى صدقةً عن كُلِّ ليلةٍ فيما دون الثلاث؛ لأنَّ الليلة ليست نُسُكًا بمفردها خلافًا للمالكية(٧).

أمّا من ترك المبيت في مِنًى لعُذْرٍ سواء كان العذر لأمرٍ عامٍّ أو خاصٍّ فلا شيءَ عليه على الصحيح من أقوال العلماء، وبه قال ابنُ عباس رضي الله عنهما؛ لأنَّ «النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لِرُعَاءِ الإِبِلِ فِي البَيْتُوتَةِ، يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْمُونَ الغَدَ، وَمِنْ بَعْدِ الغَدِ بِيَوْمَيْنِ، وَيَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ»(٨)، قال النووي: «ومن المعذورين مَن له مالٌ يخاف ضياعَه لو اشتغل بالمبيت أو يخاف على نفسه، أو كان به مرضٌ يشقُّ معه المبيتُ، أو له مريض يحتاج إلى تعهُّده، أو يطلب آبقًا، أو يشتغل بأمرٍ آخرَ يخاف فواتَه، ففي هؤلاء وجهان: الصحيحُ المنصوصُ يجوز لهم تركُ المبيت، ولا شيءَ عليهم بسببِه ولهم النَّفْرُ بعد الغروب»(٩).

قلت: والذي يتأخَّر به الطوافُ بالبيت حتى يمضي عليه مُعظمُ الليلِ أو فاته الليلُ كلُّه لمشقَّةِ العودة إلى مِنًى أو لازدحام المواصلات أو لسبب إسعاف غيره والحاجةُ إليه قائمةٌ، فإنَّ هذه الأعذارَ وغيرَها مشمولةٌ بالرخصة.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٢ المحرم ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٩ جانفي ٢٠٠٨م

 


(١) أخرجه مسلم في «الحج»، باب حجة النبي صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: (٢٩٥٠)، والدارمي في «سننه»: (١٨٥٤)، وابن خزيمة في «صحيحه»: (٢٧٨٤)، من حديث جابر بن عبد الله عنهما.

(٢) أخرجه مسلم في «الحج»، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا: (٣١٣٧)، وأبو داود في «المناسك»، باب في رمي الجمار: (١٩٧٢)، والنسائي في «مناسك الحج»، باب الركوب إلى الجمار واستظلال المحرم: (٣٠٦٢)، وأحمد: (١٤٧٠٩٣)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (٩٦٠٨)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

(٣) أخرجه البخاري في «الحج»، باب سقاية الحاج: (١٦٣٤)، ومسلم في «الحج»،باب وجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق والترخيص في تركه لأهل السقاية: (٣١٧٧)،وأبو داود في «المناسك»، باب يبيت بمكة ليالي منى:(١٩٥٩)، وابن ماجه في «المناسك»، باب البيتوتة بمكة ليالي منى: (٣٠٦٥)، وأحمد في «مسنده»: (٤٧١٧)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(٤) أخرجه أبو داود في «المناسك»، باب في رمي الجمار: (١٩٧٥)، والترمذي في «الحج»، باب ما جاء في الرخصة للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما: (٩٥٥)، والدارمي في «سننه»: (١٨٣٤)، والحاكم في «المستدرك»: (١٧٥٩)، وأحمد في «مسنده»: (٢٣٢٦٤)، من حديث عاصم بن عدي رضي الله عنه. والحديث صححه الألباني في «الإرواء»: (١٠٨٠).

(٥) «فتح الباري» لابن حجر: (٣/ ٥٧٩).

(٦) أخرجه الطبراني في «الكبير»: (١٢/ ٢٠٥)، وفي «الأوسط»: (٦/ ١٩٧)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (٩٧٤٢)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. والحديث صححه الألباني في «السلسلة الصحيحة»: (٨٠٤).

(٧) فعند المالكية أنَّ من ترك المبيت بمنى لغير عذر وجب عليه دم كلّ ليلة من لياليها كاملة أو جلها. [انظر: «الكافي» لابن عبر البر: (١٤٥)].

(٨) سبق تخريجه، انظر الهامش رقم (٤).

(٩) «المجموع» للنووي: (٨/ ٢٤٨).