في أحكام المعتدَّة مِنْ وفاةِ زوجها | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 12 شوال 1445 هـ الموافق لـ 21 أبريل 2024 م



الفتوى رقم: ٨٣٦

الصنف: فتاوى الأسرة ـ انتهاء عقد الزواج ـ العِدَّة

في أحكام المعتدَّة مِنْ وفاةِ زوجها

السؤال:

ما هي أحكامُ المُعتدَّة مِنْ وفاةِ زوجها، سواءٌ كانت شابَّةً أو غيرَ ذلك؟ وهل يجوز لها زيارةُ والدَيْها في حالةِ مرضهما، أو شهادةُ جنازةِ قريبٍ لها؟ وبارك الله فيكم.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمرأةُ المتوفَّى عنها زوجُها إِنْ لم تكن حاملًا فعِدَّتُها أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗا[البقرة: ٢٣٤]، فإِنْ كانَتْ حاملًا فتنتهي عِدَّتُها بوضعِ حملها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّ[الطلاق: ٤]، فإِنْ حَصَل وأَنْ طلَّق الرَّجلُ زوجتَه طلاقًا رجعيًّا ثمَّ تُوُفِّيَ عنها ـ وهي في عِدَّة الطلاق الرجعيِّ ـ فإنها تعتدُّ بعِدَّة الوفاة؛ لأنه مات عنها وهي زوجتُه في العِدَّة.

هذا، ويجب على المُعتدَّة مِنْ وفاةِ زوجها أَنْ تعتدَّ في بيت الزوجيَّة الذي كانت تسكنه قبل وفاته؛ لحديث الفُرَيْعة بنتِ مالكٍ الخُدْريَّة ـ وهي أختُ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ ـ رضي الله عنهم «أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم تَسْأَلُهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا فِي بَنِي خُدْرَةَ؛ فَإِنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ أَبَقُوا(١)، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِطَرَفِ القَدُومِ(٢) لَحِقَهُمْ فَقَتَلُوهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، فَإِنِّي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةٍ؟ قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «نَعَمْ»، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي الحُجْرَةِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ دَعَانِي أَوْ أَمَرَ بِي فَدُعِيتُ لَهُ، فَقَالَ: «كَيْفَ قُلْتِ؟» فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ الَّتِي ذَكَرْتُ مِنْ شَأْنِ زَوْجِي، قَالَتْ: فَقَالَ: «امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ»، قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرْتُهُ فَاتَّبَعَهُ وَقَضَى بِهِ»(٣)، وعن سعيد بنِ المسيِّب ـ رحمه الله ـ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه كَانَ يَرُدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ [أي: أزواجُهنَّ] مِنَ الْبَيْدَاءِ يَمْنَعُهُنَّ مِنَ الْحَجِّ»(٤)، فهذا مذهبُ جمهورِ أهل العلم وهو الأحوطُ لدِينها، ولا تعتدُّ في غيرِ بيت الزوجيَّة، إلَّا لعُذْرٍ كخوفِ هدمٍ أو غرقٍ أو غزوٍ، أو إذا كان في بيتها أجانبُ وليس معها مَحارِمُ ونحو ذلك، كما لا يَلزَمُها بذلُ أجرِ كراءِ مسكن الزوجيَّة، ولها أَنْ تنتقل ـ والحالُ هذه ـ إلى غيرِ بيت الزوجيَّة مِنْ بيوتِ أوليائها أو محارمِها، وتُكمِل عِدَّتها فيها، لأنَّ الواجب عليها فعلُ السُّكنى لا تحصيلُ المسكن، وإذا تعذَّرَتِ السُّكنى سقطَتْ(٥).

هذا، والمتوفَّى عنها زوجُها كالمبتوتة ليس لها حقٌّ في نفقةٍ أو سُكنَى، سواءٌ كانَتْ حائلًا، لحديثِ فاطمةَ بنتِ قيسٍ رضي الله عنها قَالَتْ: «طَلَّقَهَا زَوْجُهَا البَتَّةَ»، فَقَالَتْ: «فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم فِي السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ»، قَالَتْ: «فَلَمْ يَجْعَلْ لِي سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ»(٦)؛ ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إِنَّمَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى لِلْمَرْأَةِ إِذَا كَانَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا رَجْعَةٌ»(٧)؛ أو حاملًا؛ لأنَّ سببَ النفقةِ قد زال بالموت على وجهٍ لا يُرجى عَوْدُهُ، وذلك على أَرجحِ أقوالِ أهل العلم؛ لإجماع العلماء على أنَّ نفقةَ كُلِّ مَنْ كان يُجبَرُ على نَفَقَتِه وهو حيٌّ مِثل أولادِه الأطفالِ وزوجَتِه ووالدَيْه تسقط عنه؛ فكذلك تسقط عنه نفقةُ الحامل مِنْ أزواجه، ولأنَّ نفقة الحمل ليست بدَيْنٍ ثابتٍ فتتعلَّقَ بماله بعد موته، بدليلِ أنها تسقط عنه بالإعسار، فبِأَنْ تسقط بالموت أَوْلى وأحرى(٨)؛ ويدلُّ عليه قولُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: إنَّ آية الميراث نَسَخَتْ قولَه تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖ[البقرة: ٢٤٠](٩).

لذلك إذا احتاجَتْ إلى الخروج لقضاءِ حوائجها وأمورِها أو احتِيجَ إليها حاجةً مؤكَّدةً جاز لها الخروجُ، لكنَّها لا تبيت إلَّا في بيتها؛ وسُئِلَ ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ عن امرأةٍ مُعتَدَّةٍ عِدَّةَ الوفاة ولم تعتدَّ في بيتها، بل تخرج في ضرورتها الشرعيَّة، فهل يجب عليها إعادةُ العِدَّة؟ وهل تأثم بذلك؟ فأجاب: «العِدَّة انقضَتْ بمُضِيِّ أربعةِ أشهرٍ وعشرٍ مِنْ حين الموت، ولا تقضي العِدَّةَ؛ فإِنْ كانت خرجَتْ لأمرٍ يُحتاج إليه ولم تَبِتْ إلَّا في مَنْزِلها فلا شيءَ عليها؛ وإِنْ كانت قد خرجَتْ لغيرِ حاجةٍ وباتَتْ في غيرِ مَنْزِلها لغيرِ حاجةٍ، أو باتت في غيرِ ضرورةٍ، أو تركَتِ الإحدادَ فلْتَستغفِرِ اللهَ وتتوب إليه مِنْ ذلك، ولا إعادةَ عليها»(١٠).

ولا تَمَسَّ طِيبًا أي: تجتنب الزينة والطِّيبَ طيلةَ فترة العِدَّة؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»(١١)؛ قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «...ولا تخرج ليلًا ولا نهارًا إلَّا لأمرٍ ضروريٍّ، وتجتنب الزينةَ والطِّيبَ في بدنها وثيابها، ولْتَأكُلْ ما شاءَتْ مِنْ حلالٍ، وتشمَّ الفاكهة، وتجتمع بمَنْ يجوز لها الاجتماعُ به في غير العِدَّة، لكِنْ إِنْ خَطَبها إنسانٌ لا تجيبُه صريحًا»(١٢).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٠ مِنَ المحرَّم ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٧ جانفي ٢٠٠٨م

 



(١) أَبَقَ العبدُ يَأْبَقُ ويَأْبِقُ إِبَاقًا إذا هَرَبَ، وتَأَبَّقَ إذا اسْتَتَرَ، وقِيلَ: احْتَبَسَ؛ [انظر: «النهاية» لابن الأثير (١/ ١٥)].

(٢) القدوم ـ بالتخفيف والتشديد ـ: مكانٌ على ستَّةِ أميالٍ مِنَ المدينة، [انظر: «النهاية» لابن الأثير (٤/ ٢٧)].

(٣) أخرجه أبو داود في «الطلاق» بابٌ في المتوفَّى عنها تنتقل (٢٣٠٠)، والترمذيُّ في «الطلاق واللِّعان» بابُ ما جاء: أين تَعتَدُّ المتوفَّى عنها زوجُها (١٢٠٤)، والنسائيُّ في «الطلاق» بابُ مُقامِ المتوفَّى عنها زوجُها في بيتها حتَّى تَحِلَّ (٣٥٢٨)، وابنُ ماجه في «الطلاق» باب: أين تَعتَدُّ المتوفَّى عنها زوجُها؟ (٢٠٣١)، مِنْ حديثِ فُرَيعةَ بنتِ مالكٍ أختِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنهم. والحديث صحَّحه ابنُ الملقِّن في «البدر المنير» (٨/ ٢٤٣)، وابنُ القيِّم في «إعلام الموقِّعين» (٤/ ٣٥٥)، والألبانيُّ في «صحيح أبي داود» (١٩٩٢)، وانظر: «السلسلة الضعيفة» (١٢/ ٢٠٧) وما بعدها.

(٤) أخرجه مالكٌ في «الموطَّإ» (٨٨)، وعنه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (١٥٥٠٤)، قال الألبانيُّ في «الإرواء» (٧/ ٢٠٨): «وهذا إسنادٌ رجالُه ثِقَاتٌ على الخلاف في سماعِ سعيدٍ [أي: ابنِ المسيِّب] مِنْ عمر».

(٥) انظر: «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٥/ ٦٨٨).

(٦) أخرجه مسلمٌ في «الطلاق» (١٤٨٠) مِنْ حديثِ فاطمة بنتِ قيسٍ رضي الله عنها.

(٧) أخرجه النسائيُّ في «الطلاق» (٦/ ١٤٤) باب الرخصة في ذلك، وصحَّح إسنادَه الأرناؤوطان في تحقيقِ «زاد المعاد» (٥/ ٥٢٦).

(٨) انظر: «تفسير القرطبي» (٣/ ١٨٥).

(٩) أخرجه أبو داود في «الطلاق» بابُ نسخِ متاع المتوفَّى عنها زوجُها بما فُرِض لها مِنَ الميراث (٢٢٩٨)، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما موقوفًا. والأثرُ حسَّنه الألبانيُّ في «صحيح أبي داود» (١٩٨٩).

(١٠) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣٤/ ٢٨).

(١١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الطلاق» باب: تُحِدُّ المتوفَّى عنها زوجُها أربعةَ أشهرٍ وعشرًا (٥٣٣٤، ٥٣٣٥)، ومسلمٌ في «الطلاق» (١٤٨٦، ١٤٨٧)، مِنْ حديثِ زينبَ بنتِ أبي سلمة عن أمِّ حبيبة وزينبَ بنتِ جحشٍ رضي الله عنهم. ووَرَد الحديثُ عن جماعةٍ مِنْ أزواج النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم وغيرِهنَّ رضي الله عنهنَّ، انظر طُرُقَه في: «نصب الراية» للزيلعي (٣/ ٢٦٠ ـ ٢٦١)، «الإرواء» للألباني (٧/ ١٩٣ ـ ١٩٥).

(١٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣٤/ ٢٩).