في أحكام المعتدَّة مِن وفاة زوجها | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 20 صفر 1441 هـ الموافق لـ 19 أكتوبر 2019 م

الفتوى رقم: ٨٣٦

الصنـف: فتاوى الأسرة - انتهاء عقد الزواج - العِدَّة

في أحكام المعتدَّة مِن وفاة زوجها

السـؤال:

ما هي أحكام المعتدَّة مِن وفاة زوجها سواءٌ كانت شابَّةً أو غير ذلك؟ وهل يجوز لها زيارةُ والدَيْها في حالة مرضهما، أو شهادةُ جنازة قريبٍ لها؟ وبارك الله فيكم.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمرأةُ المتوفَّى عنها زوجُها إن لم تكن حاملاً فعِدَّتُها أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فإن كانت حاملاً فتنتهي عدَّتُها بوضع حملها، لقوله تعالى: ﴿وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فإن حصل وأن طلَّق الرجلُ زوجتَه طلاقًا رجعيًّا ثمَّ توفِّي عنها -وهي في عِدَّة الطلاق الرجعي- فإنها تعتدُّ بعِدَّة الوفاة؛ لأنه مات عنها وهي زوجتُه في العِدَّة.

هذا، ويجب على المعتدَّة مِن وفاة زوجها أن تعتدَّ في بيت الزوجية الذي كانت تسكنه قبل وفاته، لحديث الفُرَيْعة بنتِ مالكٍ الأشجعيِّ ـ وهي أختُ أبي سعيد الخُدْريِّ ـ رضي الله عنهم أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْأَلُهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا فِي بَنِي خُدْرَةَ، فَإِنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ أَبَقُوا، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِطَرَفِ الْقَدُومِ لَحِقَهُمْ فَقَتَلُوهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، فَإِنِّي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ، وَلَا نَفَقَةٍ؟ قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ»، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي الْحُجْرَةِ، أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، دَعَانِي، أَوْ أَمَرَ بِي، فَدُعِيتُ لَهُ، فَقَالَ: «كَيْفَ قُلْتِ؟»، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ الَّتِي ذَكَرْتُ مِنْ شَأْنِ زَوْجِي، قَالَتْ: فَقَالَ: «امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ»، قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرْتُهُ فَاتَّبَعَهُ، وَقَضَى بِهِ»(١)، وعن سعيد بن المسيِّب: «أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه كان يردُّ المتوفَّى عنهنَّ أزواجهنَّ مِن البيداء يمنعهنَّ الحجَّ»(٢)، فهذا مذهب جمهور أهل العلم وهو الأحوط لدينها، ولا تعتدُّ في غير بيت الزوجية، إلاَّ لعُذْرٍ كخوف هدمٍ، أو غرقٍ أو غزوٍ، أو كان في بيتها أجانبُ وليس معها محارمُ ونحو ذلك، فلها أن تنتقل إلى غير بيت الزوجية، وتكمل عِدَّتها فيه لأنَّ الواجب عليها فعلُ السُّكنى لا تحصيلُ المسكن، وإذا تعذَّرت السكنى سقطت(٣).

هذا، والمتوفَّى عنها زوجُها ليس لها حقٌّ في نفقةٍ أو سكنٍ إلاَّ مقدار نفقتها سواءٌ كانت حاملاً أو حائلاً، ويدلُّ عليه قولُ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما بأن آية الميراث نَسَخَتْ قولَه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠](٤).

لذلك إذا احتاجت للخروج لقضاء حوائجها وأمورها أو احتيج إليها حاجةً مؤكَّدة جاز لها الخروج لكنها لا تبيت إلاَّ في بيتها. وسُئِلَ ابن تيمية -رحمه الله- عن امرأةٍ معتدَّةٍ عِدَّة الوفاة ولم تعتدّ في بيتها بل تخرج في ضرورتها الشرعية فهل يجب عليها إعادة العِدَّة؟ وهل تأثم بذلك؟ فأجاب: «العِدَّة انقضت بمُضِيِّ أربعة أشهر وعشرٍ مِن حين الموت، ولا تقضي العِدَّة، فإن كانت خرجت لأمرٍ يُحتاج إليه، ولم تَبِتْ إلاَّ في مَنْزِلها فلا شيء عليها، وإن كانت قد خرجت لغير حاجةٍ وباتت في غير مَنْزِلها لغير حاجة أو باتت في غير ضرورة، أو تركت الإحدادَ فلتستغفر اللهَ وتتوبُ إليه مِن ذلك، ولا إعادة عليها»(٥).

ولا تمَسَّ طِيبًا أي: أن تجتنب الزينة والطيبَ طيلةَ فترة العِدَّة، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لاَ يحَلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»(٦)، قال ابن تيمية -رحمه الله-: «...ولا تخرج ليلاً ولا نهارًا إلاَّ لأمرٍ ضروريٍّ، وتجتنبُ الزينةَ والطيبَ في بدنها وثيابها، ولتأكل ما شاءت من حلال، وتشم الفاكهة، وتجتمع بمن يجوز لها الاجتماع به في غير العِدَّة، لكن إن خطبها إنسان لا تجيبه صريحًا»(٧).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٠ من المحرَّم ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٧ جانفي ٢٠٠٨م

 


(١) أخرجه أبو داود في «الطلاق» باب في المتوفى عنها تنتقل (٢٣٠٠)، والترمذي في «الطلاق واللعان» باب ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها (١٢٠٤)، والنسائي في «الطلاق» باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحِلَّ (٣٥٢٨)، وابن ماجه في «الطلاق» باب أين تعتدُّ المتوفى عنها زوجها (٢٠٣١)، من حديث فُرَيعة بنت مالك رضي الله عنها. والحديث صححه ابن الملقن في «البدر المنير»: (٨/ ٢٤٣)، وابن القيم في «أعلام الموقعين» (٤/ ٢٩٣)، والألباني في «صحيح أبي داود» (١٩٩٢).

(٢) أخرجه مالك في «الموطإ» كتاب «الطلاق» باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحل (١٢٣٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٥٥٠٤)، قال الألباني في «الإرواء» (٧/ ٢٠٨): «وهذا إسنادٌ رجالُه ثقاتٌ».

(٣) انظر: «زاد المعاد» لابن القيم: (٥/ ٦٨٨).

(٤) أخرجه أبو داود في «الطلاق» باب نسخِ متاع المتوفَّى عنها زوجُها بما فُرِض لها من الميراث (٢٢٩٨)، عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا. والأثر حسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٩٨٩).

(٥) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣٤/ ٢٨).

(٦) متفق عليه: أخرجه البخاري في «الطلاق» باب تُحِدُّ المتوفى عنها زوجُها أربعة أشهر وعشرًا (٥٣٣٤)، ومسلم في «الطلاق» (١٤٨٦)، من حديث أم حبيبة رضي الله عنها. وورد الحديث عن جماعة من أزواج النبي صلى اللهُ عليه وسَلَّم وغيرهن رضي الله عنهن، انظر طرقه في: «نصب الراية للزيلعي»: (٣/ ٢٦٠-٢٦١)، «الإرواء» للألباني: (٧/ ١٩٣-١٩٥).

(٧) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣٤/ ٢٩).