في توضيح ما أشكل من فتوى: «حكم امتحان الناس بقضايا التجريح» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 10 ذي القعدة 1445 هـ الموافق لـ 18 مايو 2024 م



الفتوى رقم: ٨٤٨

الصنـف: فتاوى منهجية

في توضيح ما أشكل من فتوى:
«حكم امتحان الناس بقضايا التجريح»

السؤال:

بعد قراءة جوابكم المُعَنْوَن ﺑ: «في حكم امتحان الناس بقضايا التجريح» علَّق عليه بعضُ طلبة العلم بأنَّ الأشخاصَ المتكلَّم فيهم ليسوا طبقةً واحدةً، فمنهم السُّنِّيُّ السلفيُّ المظلومُ الذي لم يُناقِضْ أصولَ أهلِ السُّنَّة والجماعة، ولكنَّه وَقَعَ منه الزللُ على وجهِ الخطإ في التفريع على أصول أهل السُّنَّة والجماعة، وكان له سلفٌ فيما ذهَبَ إليه ـ حقًّا أو زعمًا ـ فهذا الذي لا يُشْتَغَلُ بالردِّ عليه، ولا يجوز امتحانُ الناس به، ومنهم الذي يتعبَّد بالبِدَع وينصرها ويدعو إليها، فهذا لا يجوز للسُّنِّيِّ أَنْ يُثْنِيَ عليه فضلًا عن الدفاع عنه والإرجافِ على الرادِّين عليه، وفي مثله تتنزَّل أقوالُ السلف مِنْ مثل: «وَمَنْ وَقَّرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الإِسْلَامِ»(١)، فنرجو منكم ـ شيخَنا ـ زيادةَ بيانٍ وتوضيحٍ ليزول الإشكالُ، وفَّقكم اللهُ لِمَا فيه رِضاه.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فما ذُكِرَ في استفساركم أقول بموجَبه، لكنَّ المسألة ليست في تصنيف الأشخاص المتكلَّم فيهم، وإنَّما تتجلَّى في تفعيلِ أسئلةٍ لأهل السُّنَّة في قضايا التجريح وغيرِه على وجهِ الامتحان طمعًا في تصيُّدِ مُخالَفتهم لمشايخهم أو لترجيحاتهم، لِيُشكِّلوا بها عثراتٍ وسَقَطاتٍ ويُقدِّموها لمشايخهم ـ على وجهِ التحزُّب لهم والتعصُّب لآرائهم ـ للإجهاز عليهم بالطعن وفصلِهم بالتجريح، طمعًا في الوصول إلى زلزلة مَنْصِبهم الأدبيِّ وتأليبِ الناس عليهم، فوسيلةُ الأسئلة الماكرة أنموذجٌ سلبيٌّ يُحْدِثُ العداوةَ والبغضاءَ، وتُفْضي نتيجتُهُ إلى تصدُّع أركان الأخوَّة الإيمانيَّة وتشتيتِ الشمل، والغايةُ بهذه المفاسد محرَّمةٌ شرعًا ـ بلا شكٍّ ـ، وهذا المعنى الذي قصدتُه مِنْ «حكم امتحان الناس بقضايا التجريح»؛ قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «وليس لأحَدٍ أَنْ يُنَصِّبَ للأُمَّة شخصًا يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها غيرَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، ولا يُنَصِّبَ لهم كلامًا يوالي عليه ويعادي غيرَ كلام الله ورسوله وما اجتمعَتْ عليه الأُمَّةُ، بل هذا مِنْ فعلِ أهل البِدَع الذين يُنَصِّبُونَ لهم شخصًا أو كلامًا يفرِّقون به بين الأُمَّة، يوالون به على ذلك الكلامِ أو تلك النِّسبةِ ويعادُون»(٢)، وقال في موضعٍ آخَرَ: «وليس للمعلِّمين أَنْ يحزِّبوا الناسَ ويفعلوا ما يُلْقِي بينهم العداوةَ والبغضاء، بل يكونون مثل الإخوة المتعاوِنين على البرِّ والتقوى، كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ[المائدة]»(٣)، وقال ـ أيضًا ـ: «وكذلك التفريق بين الأُمَّة وامتحانُها بما لم يأمرِ اللهُ به ولا رسولُه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم»(٤).

ومِنْ جهةٍ مُقابِلةٍ فإنَّ مَنْ عُرِفَ بمَواقِفِه المُناقِضة لمتابَعة الرسول صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم وعُرِف بالدعوة إلى ما يُخالِفُه ويُضادُّ الحقَّ؛ فإنَّ الحريص لا يَقْصُرُ حياتَه في الاشتغال به إلَّا على وجه التِّبيان، ثمَّ التحذير والتعريف والهجر بضوابطه على وَفْقِ عقيدة «الولاء والبراء»، لكن بعد تحقُّق الغرض في حقِّه مِنَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالواجبُ أَنْ يشتغل بما يُصْلِحُ به عقيدتَه ويصحِّح عبادتَه ويزكِّي أخلاقَه، ويهذِّبها عن قبائح الأمور ورذائلها، مِصداقًا لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ»(٥).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في:١٦ صفر ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٣ فيفري ٢٠٠٨م

 



(١) أخرجه اللَّالَكائيُّ في: «شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة» (١/ ١٣٩) عن إبراهيم بنِ مَيْسَرة.

(٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٠/ ١٦٤).

(٣) المصدر السابق (٢٨/ ١٥).

(٤) المصدر نَفْسُه (٣/ ٤١٥).

(٥) أخرجه الترمذيُّ في «الزهد» (٢٣١٧)، وابنُ ماجه في «الفِتَن» باب كفِّ اللسان في الفتنة (٣٩٧٦)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. والحديث حسَّنه النوويُّ في «الأذكار» (٥٠٩)، وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٥٩١١).