في حكمِ تركِ الصيام جهلًا | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 7 شوال 1445 هـ الموافق لـ 16 أبريل 2024 م



الفتوى رقم: ٨٥٣

الصنف: فتاوى الصيام ـ أحكام الصيام

في حكمِ تركِ الصيام جهلًا

السؤال:

أفطرَتِ امرأةٌ يومًا أو يومين مِنْ رمضانَ بعد انقطاع الحيض للسنوات الأربع الأُولى مِنْ بلوغها سِنَّ المحيض، وذلك جهلًا منها بحكم الشرع، فهل يترتَّب عليها إثمٌ؟ وهل يَلْزَمُها القضاءُ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإذا كان بإمكان المرأةِ تحصيلُ العلم بالحكم الشرعيِّ ولم تَسْعَ إلى طلبه بالسؤال عنه؛ فهي آثمةٌ لقوله تعالى: ﴿فَسۡ‍َٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ[النحل: ٤٣؛ الأنبياء: ٧]، وجهلُها بالحكم الشرعيِّ غيرُ مقبولٍ عملًا بقاعدةِ: «لَا يُقْبَلُ فِي دَارِ الإِسْلَامِ عُذْرُ الجَهْلِ بِالحُكْمِ الشَّرْعِيِّ»، ويَلْزَمُها قضاءُ دَيْنِ الصِّيامِ وجوبًا؛ لأمرِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم لمَنْ جامَعَ أهلَه في رمضانَ عمدًا بقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ»(١)، وفي لفظِ أبي داود: «كُلْهُ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ، وَصُمْ يَوْمًا، وَاسْتَغْفِرِ اللهَ»(٢)، ولها أَنْ تَفديَ ـ أيضًا ـ عن تأخُّرها في القضاءِ على وجهِ الاحتياطِ، استئناسًا بفعلِ بعضِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم.

أمَّا إذا لم تتمكَّن مِنْ تحصيل العلم بالحكم الشرعيِّ لبُعْدِها عن دار الإسلام أو لم تقدر على تعلُّمه ومعرفته فإنَّ الجهلَ بالحكم يُعْذَر به صاحبُه؛ إذ «لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الخِطَابِ إِلَّا بَعْدَ البَلَاغِ»، و«لَا يَقُومُ التَّكْلِيفُ مَعَ الجَهْلِ».

وعليه، فإنها غيرُ مؤاخَذةٍ بإثمٍ؛ لأنَّ الإثم مرتَّبٌ على المقاصد والنِّيَّات، والجاهلُ لا يُعْلَم له حُكمٌ ولا قصدٌ فلا إثمَ عليه، ولا يَلْزَمها القضاءُ إلَّا على وجه الاحتياط لدِينها؛ ذلك لأنَّ سبب الوجوب لم ينعقد عليها بسببِ عدمِ العلم وانقضاءِ وقت الخطاب؛ قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «الأحوالُ المانعةُ مِنْ وجوب القضاء للواجب والتركِ للمحرَّم: الكفرُ الظاهرُ، والكفرُ الباطن، والكفر الأصليُّ، وكفرُ الرِّدَّة، والجهلُ الذي يُعْذَرُ به لعدمِ بلوغ الخطاب، أو لمعارضةِ تأويلٍ باجتهادٍ أو تقليدٍ»(٣) اﻫ.

وهذا، بخلاف الناسي والنائم والمخطئ ومَنْ في حكمِهم ممَّنْ تَرَك الواجبَ المقيَّد بالوقت فإنه يسقط الإثمُ عنهم إجماعًا(٤)، ويجب عليهم القضاءُ لسَبْقِ عِلْمِهم بالحكم الشرعيِّ المتمثِّل في الوجوب الذي انعقد عليهم ومَنَع منه مانعُ النوم أو النسيان، أو مَنَعَ مِنْ تمامه مانعُ الخطإ، ما لم يَرِدْ دليلٌ خاصٌّ يُسْقِط عنهم القضاءَ كما هو الشأنُ في الصوم، فقَدِ استُثني حكمُه بما ثَبَت مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم قال: «مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ»(٥)، وفي روايةٍ: «مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ»(٦).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٩ رمضان ١٤١٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٧ جانفي ١٩٩٨م

 



(١) أخرجه ابنُ ماجه في «الصيام» بابُ ما جاء في كفَّارةِ مَنْ أفطر يومًا مِنْ رمضان (١/ ٥٣٤) رقم: (١٦٧١) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه؛ وأخرجه أبو داود في «الصوم» (٢/ ٨٧٦) بابُ كفَّارةِ مَنْ أتى أهلَه في رمضان (٢٣٩٣)، ومِنْ طريقه أخرجه الدارقطنيُّ (٢/ ١٧٠) مِنْ حديثِ هشام بنِ سعدٍ عن الزهريِّ عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، بلفظ: «كُلْهُ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ، وَصُمْ يَوْمًا وَاسْتَغْفِرِ اللهَ»، وأَعلَّه ابنُ حزمٍ في «المحلَّى» (٦/ ١٨١) وقال: «هشام بنُ سعدٍ: ضعَّفه أحمد بنُ حنبلٍ وابنُ مَعينٍ وغيرُهما، ولم يستجِزِ الروايةَ عنه يحيى بنُ سعيدٍ القطَّان»، وقد تابعه إبراهيم بنُ سعدٍ كما رواه أبو عوانة في «صحيحه» (٢/ ٢٠٦) والبيهقيُّ في «الكبرى» (٤/ ٢٢٦)، وأخرجه الطحاويُّ في «شرح مُشكِل الآثار» (٤/ ١٧٦) وغيرهم. وصحَّحه الألبانيُّ بمجموعِ طُرُقِه في «صحيح سنن أبي داود» (٢/ ٦٧) و«إرواء الغليل» (٤/ ٩١، ٩٣) رقم: (٩٣٩، ٩٤٠)، وله طُرُقٌ أخرى مُرسَلةٌ منها: ما أخرجه سعيد بنُ منصورٍ بسنده كما في «التلخيص الحبير» لابن حجر (٢/ ٢٠٧)، ومسدَّد بنُ مُسرهَدٍ كما في «المطالب العالية» لابن حجر (١/ ٢٨٠ ـ ٢٨١) بألفاظٍ مُتقارِبةٍ منها: «تُبْ إِلَى اللهِ وَاسْتَغْفِرْهُ، وَتَصَدَّقْ وَاقْضِ يَوْمًا مَكَانَهُ» [انظر: «التلخيص الحبير» لابن حجر (٢/ ٢٠٧)، «البدر المنير» لابن الملقِّن (٥/ ٧٢٦)، «إرواء الغليل» للألباني (٤/ ٩١)].

(٢) أخرجه أبو داود في «الصوم» (٢/ ٧٨٦) بابُ كفَّارةِ مَنْ أتى أهلَه في رمضان (٢٣٩٣)، والدارقطنيُّ في «سننه» (٢/ ١٧٠)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح أبي داود» (٢/ ٦٧).

(٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٢/ ٢٣).

(٤) «مذكِّرة الشنقيطي» (٤٨).

(٥) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصوم» (٤/ ١٥٥) بابُ الصائم إذا أَكَل أو شَرِب ناسيًا (١٩٣٣) وفي «الأيمان والنذور» باب: إذا حَنِث ناسيًا في الأيمان (٦٦٦٩)، ومسلمٌ في «الصيام» (١١٥٥)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٦) أخرجه ابنُ خزيمة في «صحيحه» (٣/ ٢٣٩) رقم: (١٩٩٠)، وابنُ حِبَّان في «صحيحه» (٨/ ٢٨٧) رقم: (٣٥٢١)، والدارقطنيُّ في «سننه» (٢/ ١٥٨) رقم: (٢٢٤٣)، والحاكم في «مستدركه» (١/ ٤٣٠) رقم: (١٥٦٩) وصحَّحه على شرط مسلمٍ ووافقه الذهبيُّ، وأخرجه البيهقيُّ في «سننه الكبرى» (٤/ ٢٢٩) وقال: «كُلُّهم ثِقَاتٌ»، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «الإرواء» (٤/ ٨٧) وفي «صحيح الجامع» (٦٠٧٠).