في حكم العمل في مطبعةٍ تابعةٍ للبنك | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 4 شوال 1438 هـ الموافق لـ 28 يونيو 2017 م



الفتوى رقم: ٨٦

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - الإجارة

في حكم العمل في مطبعةٍ تابعةٍ للبنك

السؤال:

أخٌ يعمل في مطبعةٍ تابعةٍ للبنك الجزائريِّ المركزيِّ، والتي وظيفتُها صُنْعُ الدراهم وطبعُ الجوازات والطوابعِ البريدية وغيرِها مِنَ الأمور المطبعية.

فهل يجوز لهذا الشخصِ العملُ في هذه المطبعة، أجيبونا مأجورين، وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ ـ وفَّقك اللهُ تعالى وأرشدك إلى طاعته ـ أنَّ تركيبَ النظامِ الاقتصاديِّ الحاليِّ وجهازَه الحاليَّ عمومًا مبنيٌّ على التعامُل بالرِّبا المحرَّم. والبنك المركزيُّ لا يخرج عن هذا الحكم؛ فهو قمَّةُ الجهازِ المَصْرِفيِّ، بمعنَى أنه بنكُ البنوكِ التجارية وأعلاها، وهو ـ وإِنْ كان له وظائفُ متعدِّدةٌ تزيد عن وظائفِ البنوك التجارية: مِنْ إصدار النقود، ومراقَبتِه للبنوك المرخَّصة، والاحتفاظِ باحتياطيِّ البلد مِنَ الذهب والعملات الأجنبية ونحوِ ذلك ـ إلَّا أنَّ البنك المركزيَّ يتَّفِق مع البنوك التجارية في الإقراض والاقتراض بالزيادة الربوية، وكذا الضمان وإصدار السندات بفائدةٍ. والمعلومُ أنَّ الأصل أنَّ كُلَّ عملٍ تَضمَّنَ ضررًا على المسلمين أو ظلمًا أو تحريمًا فلا يجوز مباشَرةُ العملِ فيه ولا المُشارَكةُ فيه بأيِّ جهدٍ مادِّيٍّ أو معنويٍّ عمليٍّ أو قوليٍّ؛ فإنَّ المُعِينَ على المعصية يُعَدُّ شريكًا مُسْهِمًا في الإثم، وكُلُّ وسيلةٍ إلى الحرام تُحَرَّمُ، وهو معنى التقعيد القائل: «مَا أَدَّى إِلَى حَرَامٍ فَهُوَ حَرَامٌ»، والكُلُّ تلحقُه اللعنةُ بقَدْرِ المشارَكةِ في الإثم والذنب؛ لذلك حرَّم الشارعُ مشارَكةَ آكِلِ الرِّبا والإسهامَ معه؛ فقَدْ: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: «هُمْ سَوَاءٌ»»(١)، وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه مرفوعًا: «آكِلُ الرِّبَا وَمُوكِلُهُ وَكَاتِبُهُ وَشَاهِدَاهُ إِذَا عَلِمُوا بِهِ، وَالوَاشِمَةُ وَالمُسْتَوْشِمَةُ لِلْحُسْنِ، وَلَاوِي الصَّدَقَةِ، وَالمُرْتَدُّ أَعْرَابِيًّا بَعْدَ هِجْرَتِهِ: مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ القِيَامَةِ»(٢)؛ إذ إنَّ كُلَّ إعانةٍ على الظلمِ ظلمٌ والتعاون على الإثمِ إثمٌ؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ[المائدة: ٢].

وما كان في حكمِ التابعِ ـ كالمطبعة التابعة للبنك المركزيِّ ـ فهو فرعٌ يُلْحَقُ بالأصل؛ لأنَّ التابعَ تابعٌ لمتبوعِه؛ عملًا بمقتضى القاعدةِ الفقهية: «التَّابِعُ لَا يُفْرَدُ بِالْحُكْمِ مَا لَمْ يَصِرْ مَقْصُودًا».

هذا، ويذهب بعضُ العلماء المُحْدَثِين إلى جواز العمل في البنوك الرِّبوية والمصارف المالية الحالية؛ لأنَّ أعمالَ البنوكِ أقلُّها هو الحرامُ وأغلبُها حلالٌ طيِّبٌ؛ بحجَّةِ أنَّ العدولَ عن ذلك يُلْحِقُ بالإسلام والمسلمين ضررًا ويُفْضي إلى سيطرةِ غيرِ المسلمين عليه؛ الأمرُ الذي تترتَّب عليه عواقبُ وخيمةٌ وبلاءٌ على الأمَّة.

ولا يخفى أنَّ كُلَّ هذا التعليلِ لا يقوى على القول بحِلِّيَّةِ العملِ في البنوك ولواحِقِها وضروريَّاتِها؛ لأنَّ هذا التعليلَ فاسدُ الاعتبار؛ لمُقابَلتِه للإجماع الواردِ في تحريم رِبَا الديون، فهو مِنْ رِبَا نسيئة الجاهلية(٣) ـ مِنْ جهةٍ ـ وكذا للنصوص الشرعية المحرِّمة له نحو قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْ[البقرة: ٢٧٥]، وقولِه تعالى: ﴿يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِ[البقرة: ٢٧٦]، وقولِه تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗ[آل عمران: ١٣٠]، ومِنْ جهةٍ أخرى فإنَّ البنك المركزيَّ والبنوك التجارية قائمةٌ على أصلٍ محرَّمٍ مُوجِبٍ لحرب الله ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو: الإقراض والاقتراض والضمانُ وغيرُها، المبنيَّةُ على التعامل الربويِّ، ولواحقُها تابعةٌ لها في الحكم لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨ فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٩[البقرة]؛ وهذا بخلافِ ما كان أصلُه غيرَ محرَّمٍ لكنَّه شابَتْه شائبةُ التحريم في أحَدِ لواحقِه فإنه يَمتنِعُ العملُ في اللواحق المحرَّمة دون الأصل المُباح.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 



(١) أخرجه مسلمٌ في «المساقاة» (١٥٩٨) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما. وأخرج أوَّلَه إلى قوله: «ومُؤْكِلَه» برقم: (١٥٩٧) مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه.

(٢) أخرجه النسائيُّ في «الزينة» باب المُوتَشِمات (٥١٠٢)، وأحمد (٣٨٨١)، وابنُ خزيمة (٢٢٥٠)، وابنُ حبَّان (٣٢٥٢)، مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه. وبنحوه الحاكمُ في «المستدرك» (١٤٣٠) مِنْ قول مسروقٍ، وقال: «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرطِ مسلمٍ» ووافَقَه الذهبيُّ. وقال الهيثميُّ في «مَجْمَع الزوائد»: «في الصحيحِ وغيرِه بعضُه»، وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٥)، والأرناؤوط في «جامع الأصول» (١٠/ ٧٦٩)، وحسَّنه محقِّقو «المسند» (٦/ ٤٢٥).

(٣) وهو الرِّبَا الذي تَقرَّرَ في الذمَّة، يُعبِّرون عنه بقولهم: «أَنْظِرْني أَزِدْك»، وهو محرَّمٌ إجماعًا، سواءٌ قلَّتِ الزيادةُ أو كَثُرَتْ، وهذا النوعُ مِنَ الرِّبَا المتَّفَقِ عليه يجري التعاملُ به في البنوك التجارية والمَصارِفِ المالية، وعلى رأسها البنكُ المركزيُّ، [انظر: «مختارات مِنْ نصوصٍ حديثية» للمؤلِّف (١٨٥)].