في حكمِ مَنْ وَجَدَ مبيعَه المسروقَ عند مَنِ اشتراه مِنَ السارق | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 13 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 10 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٨٧

الصنف: فتاوى المعاملات المالية

في حكمِ مَنْ وَجَدَ مبيعَه المسروقَ عند مَنِ اشتراه مِنَ السارق

السؤال:

ما حكمُ مَنْ وَجَدَ مبيعَه المسروقَ عند مَنِ اشتراه مِنَ السارق؟ وهل يجوز له أَخْذُه منه، أم يجب عليه اتِّباعُ السارق؟ أفيدونا جزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

ففي تقديري أنه يجب التفريقُ ـ في هذه المسألةِ ـ بين حالةِ العلم وتهمةِ التورُّط، وبين حالةِ عدمِ العلم وانتفاءِ التهمة:

ففي حالةِ العلمِ بأنَّ المالَ مسروقٌ واشتراه شخصٌ مِنَ السارقِ أو الغاصبِ، فإنَّ صاحِبَ المال إِنْ وَجَدَ مالَه عند مَنِ اشتراه مِنَ السارق فهو أَحَقُّ بعينِ مالِه، وعلى المشتري مُلاحَقَةُ المعتدي عند القاضي؛ بناءً على سوءِ نيَّةِ المشتري واتِّهامِه بالتورُّطِ في عقدٍ منهيٍّ عنه شرعًا، وذلك عملًا بحديثِ سَمُرَةَ رضي الله عنه: «مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ رَجُلٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَيَتَّبِعُ البَيِّعُ مَنْ بَاعَهُ»(١)، ويُؤيِّدُه ما كَتَبَ الخليفةُ معاويةُ رضي الله عنه إلى مروانَ قولَه: «أَيُّمَا رَجُلٍ سُرِقَ مِنْه سَرِقَةٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا حَيْثُ وَجَدَهَا»(٢).

أمَّا في حالةِ عدمِ العلمِ بأنَّ المالَ مسروقٌ واشتراهُ مِنَ السارقِ حملًا له على الصلاحِ، فلِصَاحبِ المالِ التخييرُ بين أمرين وهُما:

١ ـ أَنْ يأخذَ مالَه بثمنٍ.

٢ ـ أو مُتابَعةُ السارقِ ومُلاحَقتُه قضائيًّا.

وتَقرَّرَ التخييرُ ـ خلافًا للحالةِ الأولى ـ بناءً على حُسْنِ نيَّةِ المشتري وعدمِ اتِّهامِه، ويدلُّ على هذا التخييرِ ـ بهذا المعنى ـ حديثُ أُسَيْدِ بنِ ظُهَيْرٍ الأنصاريِّ رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «إِذَا كَانَ الَّذِي ابْتَاعَهَا مِنَ الَّذِي سَرَقَهَا غَيْرَ مُتَّهَمٍ يُخَيَّرُ سَيِّدُهَا: فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الَّذِي سُرِقَ مِنْهُ بِثَمَنِهَا، وَإِنْ شَاءَ اتَّبَعَ سَارِقَهُ»(٣)، ويشهد له قضاءُ الخُلَفاءِ الراشدين.

وحديثُ سَمُرَةَ رضي الله عنه وإِنْ أَعَلَّه الشيخُ محمَّد ناصرُ الدينِ الألبانيُّ ـ كما بيَّنه في التعليقِ على «المشكاة» ـ ومَنَعَ صلاحيَتَه لمُعارَضةِ حديثِ أُسَيْدٍ رضي الله عنه ـ على ما ذَكَرَهُ في «سلسلة الأحاديث الصحيحة»(٤) ـ إلَّا أنَّ التعارُض بين الحديثين ـ في تقديري ـ ينتفي إذا حُمِلَ الحديثُ الأوَّلُ على حالةِ الاتِّهامِ وسوءِ النيَّةِ، وحُمِلَ الثاني على حالةِ عدمِ الاتِّهامِ وحُسْنِ النيَّة، وينتفي التعارُضُ ـ أيضًا ـ بين قضاءِ الخُلَفاءِ الراشدين وحديثِ أُسَيْدِ بنِ ظُهَيْرٍ، وبين قضاءِ معاويةَ بنِ أبي سفيانَ ـ الذي صحَّحه الشيخُ الألبانيُّ نَفْسُه ـ إذا ما تمَّ الحملُ على الحالتين السابقتين، هذا ما ظَهَرَ لي في هذه المسألة.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٦ صفر ١٤١٧
الموافق ﻟ: ٢ جويلية ١٩٩٦م

 



(١) أخرجه أبو داود في «الإجارة» بابٌ في الرجل يجد عينَ مالِه عند رجلٍ (٣٥٣١)، والنسائيُّ في «البيوع» بابُ الرجلِ يبيع السلعةَ فيَسْتحِقُّها مُسْتحِقٌّ (٤٦٨١)، وابنُ ماجه في «الأحكام» بابُ مَنْ سُرِقَ له شيءٌ فوَجَدَهُ في يدِ رجلٍ اشتراه (٢٣٣١)، مِنْ حديثِ سَمُرَةَ بنِ جندبٍ رضي الله عنه. وقال الألبانيُّ في «السلسلة الضعيفة» (٢٠٦١): «مُنْكَرٌ بهذا اللفظ».

(٢) أخرجه النسائيُّ في «البيوع» باب الرجلِ يبيع السلعةَ فيَسْتحِقُّها مُسْتحِقٌّ (٤٦٨٠)، وعبد الرزَّاق في «مصنَّفه» (١٨٨٢٩)، مِنْ حديثِ أُسَيْدِ بنِ ظُهَيْرٍ الأنصاريِّ رضي الله عنهما، وقد وَرَدَ عند النسائيِّ وغيرِه بلفظ: «حُضَيْرٍ» وهو وهمٌ مِنْ بعض الرُّواة كما بيَّنه أهلُ العلم بالحديث. وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٢/ ١٦٤).

(٣) أخرجه النسائيُّ في «البيوع» باب الرجلِ يبيع السلعةَ فيَسْتحِقُّها مُسْتحِقٌّ (٤٦٨٠)، وعبد الرزَّاق في «مصنَّفه» (١٨٨٢٩)، مِنْ حديثِ أُسَيْدِ بنِ ظُهَيْرٍ الأنصاريِّ رضي الله عنهما، وقد وَرَدَ عند النسائيِّ وغيرِه بلفظ: «حُضَيْرٍ» وهو وهمٌ مِنْ بعض الرُّواة كما بيَّنه أهلُ العلم بالحديث. وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٦٠٩).

(٤) انظر: «السلسلة الصحيحة» (٢/ ١٦٥).