في بيان بعض أحكام المضاربة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 17 صفر 1441 هـ الموافق لـ 16 أكتوبر 2019 م



الفتوى رقم: ٨٦١

الصنـف: فتاوى البيوع والمعاملات المالية

في بيان بعض أحكام المضاربة

السـؤال:

نرجو من شيخنا -حفظه الله- أن يذكرَ بعضَ الأحكامِ المتعلِّقة بالمضاربة؟ وبارك الله فيكم.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فيمكن ذكر الأحكام المتعلقة بالمضاربة -باختصار- من الحيثيات التالية:

- فمن حيث التسميةُ فإنَّ المضاربة مأخوذةٌ من الضَّرْبِ في الأرض بمعنى السفر، وهي المعاملة على السفر للتجارة طلبًا لرزق الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ﴾ [المزّمِّل: ٢٠]، والمضاربة تسمَّى القِراض في لغة أهل المدينة.

- ومن حيث تعريفُها اصطلاحًا هي: «دَفْعُ مَالٍ مَعْلُومٍ لِلعَامِلِ قَصْدَ الاتِّجَارِ بِهَا بِبَعْضِ رِبْحِهِ». ومعنى التعريف: أن يعطي صاحبُ المال من النقود للعامل قصدَ الاتجار بها، وما يحصل بينهما من الرِّبح فبحَسَب ما يتشارطان عليه، وتعيينُ مِقدار نصيبِ العامل شرطُ صِحَّةِ المضاربة كالمناصفة أو ثُلُثِ الرِّبح وما إلى ذلك، فتقديرُ حِصَّة العامل إنما تكون بالشرط، بينما ربُّ المال فإنه يستحقُّه بماله لا بالشرط. قال ابن المنذر: «أجمعوا على أنَّ العامل أن يشترط على ربِّ المال ثُلُث الرِّبح، أو نصفه أو ما يجتمعان عليه، بعد أن يكون معلومًا، جزءًا من الأجزاء»(١).

• ومن حيث حكمُها فالمضاربةُ جائزة بالإجماع، ومُستند الإجماعِ إقرارُه صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم في زمنه من غير نكيرٍ، والمضاربةُ داخلةٌ تحت قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وهي مشمولةٌ بقوله تعالى: ﴿تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وكذا بأدلةِ جوازِ البيع والإجارةِ والوكالةِ؛ لأنّ المضارِبَ أمينٌ وأجيرٌ ووكيلٌ وشريكٌ -كما قال ابنُ القيم(٢)-.

• ومن حيث أحكامُها -فضلاً عمَّا تقدَّم من أحكامٍ- فإنَّ المضاربةَ تصحُّ مؤقتةً بزمنٍ محدَّدٍ، كما تجوز معلَّقةً على شرطٍ؛ لأنَّ المضاربة تَصَرُّفٌ مأذونٌ فيه، ويجوز تعليقه على شرطٍ مستقبَل، فإنَّ المضارِبَ أمينٌ فإذَا قبضَ المالَ فالواجبُ أن يحافظَ عليه، ويتَّقيَ اللهَ فيما وُكِّلَ فيه، فلا يجوز أن يُنْفِقَ من مال المضاربة على منافعِهِ الخاصَّة -أو نفقات العلاج ونحوه- ولا أن يستعمله لمصلحة المضاربة في أسفاره وتنقلاته إلاَّ بسابق اشتراطٍ على صاحب المال؛ لأنَّ العامل أجيرٌ فيما يُباشرُه بنفسه من العمل، وشريكٌ إذا ظهر فيه الرِّبح فهو يعمل بجزء من ربحه، والزيادة على الربح لا يستحقُّها إلاَّ بشرط، أو جريًا على العادة التي تجري مجرى الشرط عملاً بقاعدة «المَعْرُوفُ عُرْفًا كَالمَشْرُوطِ شَرْطًا».

والعامل لا يَستحِقُّ من الرِّبح شيئًا إلاَّ بعد كمال رأس المال، وإذا فَسَدت المضاربةُ وبَطَلَتْ فلا يكون للعامل إلاَّ أجرة مثله لاستحقاقه الرِّبح بالشرط، إذ المعلوم أنه إذا فسد المتبوع وهو المضاربة فسد التابع وهو الشرط،؛ لأنَّ «التَّابِعَ تَابِعٌ»، و«إِذَا سَقَطَ الأَصْلُ سَقَطَ الفَرْعُ»، أمَّا ربُّ المال فيكون الرِّبح له إذا ما فسدت المضاربة لأنَّ الربح نماء ماله.

- والمضارِبُ يملك بيع مال المضاربة نقدًا؛ لأنَّ المضارَبة قد انعقدت بقصد التجارة وطلب الرِّبح، والبيع نقدًا من أهمِّ وسائل التجارة، غير أنه من الأمانة أن لا يعمل بمال شخصٍ آخرَ على وجهٍ يضرُّ بصاحب المال الأول إلاَّ إذا أَذِن له، إذ قد يستغرق مالُ العاقد الثاني جُلَّ وقتِ العامل فيُشغِلُه عن المضاربة والاتجار بمال الأوَّل، وخاصَّة إذا كان المالُ كثيرًا، الأمر الذي يؤدِّي إلى الضرر، والضررُ منهي عنه بقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارٍ»(٣)، فإن أذن له صاحبُ المال الأول بالعمل بالمال للعاقد الثاني ولم يلحقه ضرر فلا مانع في هذه المضاربة وازدواج عمل العامل.

أمَّا إذا حصل الضرر على صاحب المال الأوَّل فالواجب على العامل ردُّ حِصَّته من الرِّبح في مضاربته مع الثاني إلى شركته مع صاحب المال الأول، فالمضارِبُ الثاني يأخذ نصيبَه من الرِّبح، أمَّا نصيب العامل من الرِّبح فيضُمُّه مع المضاربة الأُولى لاستحقاق المضاربة الأولى المنفعة التي بذلها العامل في المضاربة الثانية، ويكون الربح بينهما بحسَب ما اشترطاه.

هذا، ولما كان الربح المجعول بينهما وقاية لرأس المال فلا يجوز قسمته في المضاربة قبل انتهاء العقد بينهما إلاَّ إذا حصل بينهما تراضٍ، إذ المعلوم أنَّ الربح قد يغطي ما يقع من خسارة في بعض الصفقات التجارية ويؤمنها بالربح، فإذا ما قسَّم المردود ووزع الربح المالي قبل انتهاء عقد المضاربة لم يبق -حالتئذ- رصيد يجبر به الخسارة.

وأخيرًا، ومن منطلق الأمانة -أيضًا- فإنه إن حدث نزاع فإنَّ العامل يُقبَل قوله في دعواه على مقدار الرِّبح والخسارة، وما حصل من تلف وعطب، كما يُقبل قولُه فيما يُبيِّنُه من مشتريات عَقَدَها لنفسه لا للمضاربة، وأخرى أبرمها للمضاربة لا لنفسه؛ لأنه أمينٌ على ما تحت يده من مال المضاربة، فيَضْمَنُ ما تلف منه إذا كان بتعدٍّ بتصرف لا يملكه من عموم التصرُّفات، أو تفريطٍ في حفظه، ولا يضمن إذا لم يَتَعَدَّ ولم يفرِّط إجماعًا(٤).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٤ ربيع الأوَّل ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ١١/ ٠٣/ ٢٠٠٨م


(١) «الإجماع» لابن المنذر: (١١١).

(٢) «زاد المعاد» لابن القيم: (١/ ١٥٤).

(٣) أخرجه ابن ماجه في «الأحكام» باب من بنى في حقه ما يضرّ بجاره: (٢٤٣١)، وأحمد في «مسنده»: (٢٩٢١)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال النووي في الحديث رقم (٣٢) من «الأربعين النووية»: «وله طرق يَقْوى بعضُها ببَعض»، وقال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (٣٧٨) «وهو كما قال». والحديث صححه الألباني في «الإرواء» (٣/ ٤٠٨) رقم: (٨٩٦)، وفي «غاية المرام» رقم: (٦٨).

(٤) انظر «الاستذكار» لابن عبد البر: (٧/ ٥)، «بداية المجتهد» لابن رشد: (٢/ ٢٣٦)، «المغني» لابن قدامة: (٥/ ٧٦).