في حكم التشريك بين إرادة الحج والتجارة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 23 ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 24 أغسطس 2019 م



الفتوى رقم: ٨٦٣

الصنـف: فتاوى الحجِّ - أحكام الحجِّ

في حكم التشريك بين إرادة الحج والتجارة

السـؤال:

هل تجوز التجارةُ أثناءَ أداءِ مناسكِ الحجِّ أو العمرة؟ وهل يُعدُّ التشريكُ بين الإرادتين شِركًا وقَدْحًا في الإخلاص؟

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فالحاجُّ القاصدُ للتجارة صحيحٌ حَجُّهُ بالنصِّ القرآنيِّ والإجماعِ، فقد رَخَّص اللهُ سبحانه وتعالى لمن حَجَّ في التجارة والتكسُّبِ من غير أن يُرتِّب أيَّ إثمٍ على تشريك الإرادة في قصد العبادة لتحصيل طاعة الله بالحجِّ والعمرة، وتحصيلِ غرض التكسُّب والتجارة، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، والمراد بالفضل في الآية كُلُّ الأعمال التي يُحَصَّلُ بها شيءٌ من الرِّزق، فدلَّت الآيةُ على إباحة قصد ابتغاء فضلِ الله حالَ السفر لتأدية ما افترضه اللهُ من الحجِّ، وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ الآيةَ لما خاف المسلمون من الاتجار في أسواق الجاهلية في مواسم الحجِّ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانت عكاظ ومجنَّة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية فلمَّا كان الإسلام تأثموا من التجارة فأنزل الله تعالى: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ» قرأ ابن عباس كذا(١). وفي سنن أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّ الناس في أول الحجِّ كانوا يتبايعون بمنًى وعرفة وسوق ذي المجاز، ومواسم الحجِّ، فخافوا البيع -وهم حُرُم- فأنزل الله سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ «في مواسم الحج»(٢).

هذا، وتشريكُ إرادة الحجِّ والتجارة ليس شِركًا، ولا يدخل في مناهي الإرادات الخفية كالرِّياء وإرادةِ بعمله الدنيا؛ لأنه ليس مقصود الحاجِّ أو المعتمر المراءاة والسُّمعة ونحوهما، وإنما مقصوده الحجُّ والتجارة وقد أباح الله له هذا القصد.

ولمزيد بيان هذه المسألة فقد ذكر الإمام القرافي في «فروقه» فَرْقًا دقيقًا بين قاعدة الرِّياء في العبادة والتشريك فيها، فأوضح أنَّ الرياءَ شركٌ وتشريكٌ مع الله تعالى في طاعته، وهو موجب للمعصية والإثمِ والبطلان في تلك العبادة، وأنَّ ضابطَها: أن يعمل للعمل المأمور به المتقرب به إلى الله ويقصد به وجهَ الله تعالى وأن يعظِّمه الناس أو بعضُهم فيصل إليه نفعهم أو يندفع به ضررهم، فهذا أحد مسمَّى الرِّياء، وهو «رياء الشرك»، وقسم آخرُ يعمل العمل لا يريد به وجهَ الله البتة بل يريد الناس فقط، فهذا القسم يسمَّى: «رياء الإخلاص» فالغرض من الرياء هو التعظيم وما يتفرَّع عنه من جلب المصالح ودفع المضارِّ الدنيوية.

وأمّا مُطلق التشريك كمن يجاهد لتحصيل طاعة الله بالجهاد، وليحصل له المال من الغنيمة، فهذا لا يضره، ولا يحرم عليه بالإجماع؛ لأنَّ الله جعل له هذا في العبادة، فَفَرْقٌ بين جهاده ليقولَ الناسُ: هذا شجاعٌ، أو ليعظِّمه الإمامُ فيكثر عطاؤه من بيت المال، وهذا ونحوه رياءٌ حرامٌ، وبين أن يجاهد لتحصيل المغانم من جهة أموال العدو مع أنه قد شرَّك، فلا يصدق على المال المأخوذ في الغنيمة لفظ الرياء لعدم الرؤية فيها.

وكذلك من حَجَّ وشرَّك في حَجِّه غرضَ المتجَرِ، ويكون جُلُّ مقصوده أو كُلُّه السفر للتجارة خاصَّة، ويكون الحجُّ إمَّا مقصودًا مع ذلك أو غير مقصود، ويقع تابعًا اتفاقًا، فهذا أيضًا لا يقدح في صِحَّة الحجِّ ولا يوجب إثمًا ولا معصية.

وكذلك من صام ليصحَّ جسدُه، أو ليحصل له زوال مرض من الأمراض التي ينافيها الصوم ويكون التداوي هو مقصوده أو بعض مقصوده، والصوم مقصود مع ذلك وأوقع الصوم مع هذه المقاصد، لا يقدح في صومه، بل أمر بها صاحب الشرع في قوله: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»(٣).

واستتبع -رحمه الله- كلامه بقوله: «وجميع هذه الأغراض لا يدخل فيها تعظيم الخلق بل هي تشريك أمور من المصالح، ليس لها إدراك، ولا تصلح للإدراك، ولا للتعظيم فلا يقدح في العبادات».

ثمّ قال -رحمه الله-: «فظهر الفَرْقُ بين قاعدة الرِّياء في العبادات وبين قاعدة التشريك فيها غرضًا آخر غير الخلق مع أنَّ الجميع تشريك، نعم لا يمنع أنّ هذه الأغراض المخالطة للعبادة قد تنقص الأجر، وأنّ العبادة إذا تجرّدت عنها زاد الأجر وعظم الثواب، أمَّا الإثم والبطلان فلا سبيل إليه، ومن جهته حصل الفرق لا من جهة كثرة الثواب وقِلَّته»(٤).

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٢ ربيع الأول ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٨/ ٠٣/ ٢٠٠٨م


(١) أخرجه البخاري في «صحيحه»، كتاب البيوع باب ما جاء في قول الله فإذا قضيت الصلاة: (١٩٤٥)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(٢) أخرجه أبو داود في «سننه» كتاب المناسك، باب الكري: (١٧٣٤)، والحاكم في «المستدرك»: (١٧٧١)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (٨٧٤٢)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. والحديث صححه في «صحيح أبي داود»:(١٧٣٤).

(٣) أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب الصوم، باب الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة: (١٨٠٦)، ومسلم في «صحيحه» كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة: (٣٣٩٨)، وأبو داود في «سننه» كتاب النكاح، باب التحريض على النكاح: (٢٠٤٦)، والترمذي في «سننه» كتاب النكاح، باب ما جاء في فضل التزويج والحث عليه: (١١٠٨)، والنسائي في «سننه» كتاب الصيام: (٢٢٣٩)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

(٤) «الفروق» للقراني: (٣/ ٢٢).