في اللعن والسب في الحج وما يترتَّب على فاعله من أحكام | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 10 ربيع الأول 1442 هـ الموافق لـ 27 أكتوبر 2020 م



الفتوى رقم: ٨٦٨

الصنـف: فتاوى الحجِّ - مفسدات الحجِّ

في اللعن والسب في الحج
وما يترتَّب على فاعله من أحكام

السؤال:

هلِ السَّبُّ واللَّعن يُبطلان الحجَّ؟ وعلى تقدير بطلان الحجِّ فهل يلزم بطلانُ سائرِ عمله من حَجَّة الإسلام وغيرها؟ يُرجى إفادتُنَا بجوابٍ شافٍ، وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فاللهُ ـ سبحانه وتعالى ـ نهى عن إتيانِ كُلِّ قبيحٍ في الحجِّ وغيره قولًا وفعلًا، ففي خصوص الحجِّ قال الله تعالى: ﴿ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ[البقرة: ١٩٧]، فبيَّن اللهُ أنَّ مَنْ أَوجبَ بإحرامه حَجًّا فعليه أَنْ يجتنب الرَّفَثَ وهو: الجِماع، وتعاطيَ دواعيهِ مِنَ المباشرة والتقبيل والضمِّ ونحو ذلك، أو التكلُّم به بحضرة النساء، كما نهى عن الفسوق وهو: عموم المعاصي، ويدخل فيه السِّباب واللعن، لِمَا ثَبَت في الحديث: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»(١)، كما نهى عن الجِدال في الحجِّ والمقصودُ به: المِراء والمخاصمة، ونُقِل عن ابنِ عمر رضي الله عنهما أنه كان يقول: «الجدال في الحجِّ: السِّباب والمِراء والخصومات»(٢)، فعُلِمَ أنَّ السِّباب مِنْ محظورات الإحرام، وهو متفاوتُ الدرجة:

فإِنْ سبَّ غيرَه أو شَتَمَهُ أو قبَّح أفعالَه وتصرُّفاتِه على وجه الانتقاص والتهوين؛ فإنَّ هذا المحظورَ يترتَّبُ على صاحبه الإثمُ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ»(٣)، ولا يُوجِب فديةً، ويصحُّ حجُّه ولا يَبْطُل، غيرَ أنه ناقصٌ لا يَنال به ثوابَ الحجِّ الموعودَ به في قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَجَّ للهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»(٤).

أمَّا إذا سبَّ اللهَ تعالى أو سبَّ الدِّينَ أو سبَّ الشعائرَ والمشاعِرَ ونحوَ ذلك فهذا كفرٌ بواحٌ، وصاحبُهُ كافرٌ مرتدٌّ بالإجماع، سواءٌ كان عالِمًا أنه كفرٌ أم لم يعلم، فإِنْ وَقَع في هذا الناقضِ القوليِّ أثناءَ أداءِ حَجَّة الإسلام فإنَّ رِدَّتَه ترجع على حَجِّه بالنقض والبطلان، أمَّا إن أدَّى حَجَّة الإسلام قبل رِدَّته فتُجزِئه إذا تاب، ولا يَلزَمُه قضاءٌ على أصحِّ قولَيِ العلماء، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، خلافًا لمَنْ يرى بوجوب إعادة حَجِّه إذا أدَّاه قبل رِدَّته، وهو مذهب الحنفية والمالكية، وسبب اختلافهم يرجع إلى أثر الرِّدَّة في فساد العمل، فمذهب الحنفية والمالكية أنَّ مجرَّد الرِّدَّة يُوجِب إحباطَ العمل وفسادَه، وحُجَّتُهم قولُه تعالى: ﴿وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ[المائدة: ٥]، والحبوط هو: الفساد، وعليه فإنَّ عمله يَبْطُل بالرِّدَّة وتَلزَمه الإعادةُ إِنْ تاب، ومذهبُ غيرهم أنَّ الوفاة على الرِّدَّة شرطٌ في حبوط العمل لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ[البقرة: ٢١٧]، فإذا عاد إلى الإسلام بالتوبة فلا تَلزَمُه الإعادة، مع فسادِ ثواب عمله دون عمله، حَمْلًا للمُطلق على المقيَّد.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: ٦ ربيع الأوّل ١٤٢٩ﻫ

الموافق ﻟ: ١٢ مارس ٢٠٠٨م

 



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» بابُ خوفِ المؤمن مِنْ أَنْ يحبط عملُه وهو لا يشعر (٤٨)، ومسلمٌ في «الإيمان» (٦٤)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه.

(٢) أخرجه الطَّبريُّ في «تفسيره» (٢/ ٢٨٢)، وذَكَره ابنُ كثيرٍ في «تفسيره» (١/ ٣١٩)، والسُّيوطيُّ في «الدُّرِّ المنثور» (١/ ٥٢٩).

(٣) أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» باب: المسلم مَنْ سَلِم المسلمون مِنْ لسانه ويدِه (١٠) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنهما. وأخرج أوَّلَه مسلمٌ في «الإيمان» (٤١) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الحجِّ» بابُ فضلِ الحجِّ المبرور (١٥٢١)، ومسلمٌ في «الحجِّ» (١٣٥٠)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.