في الحكمة مِنْ منعِ التشبُّه بأهل الكفر | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 12 ربيع الثاني 1440 هـ الموافق لـ 19 ديسمبر 2018 م



الفتوى رقم: ٨٧٣

الصنف: فتاوى العقيدة - الولاء والبراء

في الحكمة مِنْ منعِ التشبُّه بأهل الكفر

السؤال:

ما هي الحكمةُ مِنْ مُخالَفةِ مَنْ أُمِرْنا بمُخالَفتهم؟ وما هو الضابط في مُخالَفتهم في اللباس؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ ما تُرجى به الحكمةُ مِنْ مَنْعِ التشبُّهِ بأهل الكفر في عاداتهم ولباسهم وما يتَّصِل بهم إنما هو دَفْعُ خطرٍ مُحْدِقٍ وإثمٍ كبيرٍ مِنْ جرَّاءِ مُوافَقَتِهم؛ إذ قد تجرُّ المُشابَهةُ لهم في الظاهر إلى استمالةِ القلب إليهم، ومُشارَكتِهم فيما يستحسنون ممَّا يستقبحه شرعُنا ويذمُّه، بل قد تجرُّ المُشابَهةُ في الظاهر إلى الرضا بما هم عليه في الباطن مِنَ الزيغ والضلال العقائديِّ، فضلًا عن الرِّضا بالسلوك الماجِنِ والانحلال الخُلُقيِّ؛ الأمرُ الذي يُفْضي ـ بطريقٍ أو بآخَرَ ـ إلى الانفصال عن الإسلام والانسلاخِ منه، وهي الغايةُ القبيحة التي حذَّر منها الشارعُ وسَدَّ الطريقَ إليها بالنهي عن التشبُّه والأمرِ بالمخالَفة، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»(١)، وأقلُّ أحوالِ الحديثِ اقتضاءُ تحريمِ التشبُّه بهم، وإِنْ كان ظاهِرُه يقتضي كُفْرَ المتشبِّهِ بهم كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡ[المائدة: ٥١](٢).

وتأسيسًا على هذا البيانِ يمكن إظهارُ طريقِ المنع في الضابط الذي ذَكَرَه ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ في «الاقتضاء» بقوله: «فيما كان أصلُه مشروعًا لنا وهُمْ يفعلونه فإنَّا نُخالِفهم في وَصْفِه، فأمَّا ما لم يكن في دِينِنا بحالٍ بل هو مِنْ دِينِهِمُ المبتدَعِ أو المنسوخِ فليس لنا أَنْ نُشابِههم لا في أصله ولا في وصفِه»(٣).

وعليه، فإنه إذا تبيَّنَتِ الحكمةُ مِنْ وراءِ النهي عن التشبُّه بأهلِ الكفر مِنْ جهةٍ، وأنَّ اللباس ممَّا هو مشروعٌ في دِيننا وهُمْ يفعلونه؛ فالواجبُ أَنْ تكون المُخالَفةُ في صفة اللباس، شريطةَ أَنْ تكون الصفةُ مشروعةً ـ أيضًا ـ محقِّقةً لشروط اللباس الشرعيِّ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٢ رمضان ١٤١٨ﻫ
الموافق ﻟ: ١٩ ديسمبر ١٩٩٧م

 


(١) أخرجه أبو داود في «اللباس» بابٌ في لُبْسِ الشُّهْرة (٤٠٣١) مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما. والحديث حسَّنه ابنُ حجرٍ في «فتح الباري» (١٠/ ٢٧١)، وصحَّحه العراقيُّ في «تخريج الإحياء» (١/ ٣٥٩)، والألبانيُّ في «الإرواء» (١٢٦٩) وفي «صحيح الجامع الصغير» (٦١٤٩)، وانظر: «نصب الراية» للزيلعي (٤/ ٣٤٧).

(٢) انظر: «اقتضاء الصراط المستقيم» لابن تيمية (١/ ٢٧٠).

(٣) المصدر السابق (١/ ٢١٤).